من النظام العالمي إلى الزبائنية النيوليبرالية

شهيد نكدالجمعة 2026/01/16
Image-1768505898
سيادة منطق الهيمنة والعنف (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يمكن قراءة تصريح نائب كبير موظّفي البيت الأبيض، ستيفن ميلر، لشبكة CNN منذ أيّام، على اعتباره مانيفستو واضح للنظام العالمي الذي يتمّ إرساؤه. قال ميلر: "نحن نعيش في عالم يمكنك الحديث فيه قدر ما تشاء عن اللباقة الدولية... لكننا نعيش في عالم، في العالم الحقيقي المحكوم بالقوّة، المحكوم بالإكراه، المحكوم بالسلطة".

"اللباقة الدولية" التي استخفّ بها ميلر تشير إلى القانون الدولي والمعايير والمعاهدات وحقوق الإنسان. أمّا "العالم الحقيقي" فيقوم على نظرة تشاؤمية ترى أن أنانية الإنسان تُنتج أنانية الدولة. انطلاقاً من هذه الحتميّة، تصبح ثلاثيّة "القوّة والإكراه والسلطة" سلسلة منطقية في الواقعية السياسية الكلاسيكيّة: القوّة (العسكرية والاقتصادية) تتحوّل إلى أداة إكراه، والإكراه يؤسّس للسلطة المهيمنة.

انطلاقاً من هذا النّظام الذي يُبشّر به ميلر، احتُجز مادورو وزوجته، وعلت تصريحات ترامبية حول ضرورة ضمّ غرينلاند كحاجة للأمن القومي الأميركي. وهذا بالضّبط ما قد تكون كلّ من الصّين وروسيا بحاجة له كذريعة للأولى لوضع يدها على تايوان، وللثانية من أجل التمسّك بشراسة بمكتسباتها في أوكرانيا. تَحوّلت سيادة القانون الدولي إلى شعار تستغلّه أنظمة الدول الفاشلة لتبرير وجودها أمام شعوبها، بعد أن عجزت عن تثبيته عبر تأمين الخدمات والرعاية والكرامة الإنسانية والحريات والمساواة.

 

هيمنة النيوليبرالية

تعود اليوم الواقعية السياسية التي حكمت العالم خلال الحرب الباردة لكن في سياق مختلف تماماً: انتهى صراع الأيديولوجيات وهيمنت النيوليبرالية على الكوكب محوّلةً الانسان إلى وحدة انتاج واستهلاك. أمّا الرّفاهية وانخفاض ساعات العمل الّتي تنبّأ بها الكثير من المنظّرين الرأسماليين، فتبخّرتا. هذا ما جعل الثروات تتكدّس في يد قلّة، في حين زادت أوقات العمل لأغلبية تلهث وراء اللّحاق بركب الاستهلاك. ومع تراجع الوجدان السياسي، أصبح السّوق هو الحكم الوحيد. مشهد "البلاك فرايداي" (Black Friday) يختصر روح العصر: الحشود تتدافع على السلع كما تتدافع الدول على الموارد. وعلى المقلب الآخر، شعوب مقهورة من أنظمتها تنتظر الفرج للالتحاق بالعصر. 

التماثل بين النّظام العالمي والنّظام الاجتماعي واضح. فكما امتدّ الصراع الإيديولوجي خلال الحرب الباردة إلى داخل المجتمعات، كذلك تسرّبت النيوليبرالية في العقود الأخيرة إلى تفاصيل الحياة اليوميّة، ورسّخت الفردانيّة ومنطق السوق كميزان وحيد للطموح والنجاح. بدا كأنّنا نسير في الاتّجاه الصحيح، لكن مع صعود الواقعيّة السياسية الكلاسيكية مجدّداً، بات من الضروري الحذر حين يُصبح منطق القوّة هو المعيار، لا في العلاقات الدوليّة فحسب، بل في صلب العلاقات الاجتماعية. ماذا يبقى من المجتمع؟ إذا كانت الفردانيّة قاتلة في نظام يدّعي احترام القانون، فكيف ستكون في نظام يُعلن صراحة أنّه محكوم بالقوّة والإكراه والسلطة؟ 

 

الزبون قبل المواطن

في لبنان، من المفيد أن نقارب موضوع النّظام الدولي من هذه الزاوية، واضعين جانباً تحليل ما يجري على الكوكب من منظور 8 و14 آذار السّخيف.

ليست الفردانية في لبنان أمراً طارئاً، فنظام الحكم الوحيد الّذي عرفناه هو الزبائنية الّتي كانت في الأصل تقوم على تأمين خدمة مقابل الولاء السياسي. فتعوّد "الزّبون" أن يكون فرداً معزولاً يستجدي حقوقه بدل أن يتمتّع بها، أو يغطّي تجاوزاته بدلاً من أن يُحاسب عليها. ومع تطوّر الحياة وازدياد متطلّباتها، تطوّرت الزبائنية بدورها من وسيط للخدمة إلى بوّابة للهيمنة. صارت زبائنية نيوليبرالية متوحّشة منسجمة مع مبدأ السّوق قادرة على تأمين رغبات "الزبون" على حساب القانون والحقّ والخير العام. 

من قضيّة الدّيمان التي تطرح العلاقة بالأرض والذاكرة، إلى الاستيلاء على الشواطئ، إلى مافيات الكهرباء وصهاريج المياه، إلى تصنيفات الأراضي والمشاريع العشوائية التي تغتصب المكان: نحن أمام اقتصاد سياسي للهيمنة، يُدير الحياة من دون رؤية وأي التزامات أخلاقيّة وقانونية، وبمنأى عن أي عقد يجمع النّاس كجماعة. أمّا الجماعة، فهي لا تتكوّن في لبنان إلّا حين يكون المطلوب استنهاضها لمواجهة جماعة أخرى؛ هي لا تنشأ من مشروع حياة مشتركة، بل من مشروع حفر خنادق. 

منطق الهيمنة والعنف هذا لم يبق محصوراً في السياسة والاقتصاد، بل صار جزءًا من السلوك، فتتحوّل المزاحمة إلى أسلوب حياة. يكفي أن نراقب القيادة على طرقات لبنان لنلاحظ ذلك: الزّمور (بوق السيارة) صار أداة تهديد، والمصابيح العالية أداة إخضاع، والتجاوز نوعاً من الاستقواء. والدّولة لا تتدخّل في هذا التصارع اليومي على الطريق، بل تترك الناس لمصيرها، والقويّ بقوّته. وعوض أن تكون سلامة الناس على الطرقات أولويّة، نرى أنه خلال سنة 2025 ارتفعت نسبة ضحايا حوادث السّير حوالى 18%عن العام الذي سبقه وبلغت 486 ضحيّة! 

 

استراتيجية للمواجهة وتحمّل المسؤولية 

أمام واقع التفكّك المجتمعي وصعود الفردانية وارتفاع منطق العنف عالمياً ومحلياً، من المسؤول وما العمل؟

المسؤولية مشتركة بين الدولة والناس. فوزارات كالتربية، الشؤون الاجتماعية، والثقافة، كما البلديات، مدعوّة للتعامل مع هذه التحديّات كفرصة لإعادة البنيان من الأساس، عبر استراتيجية تربويّة- ثقافيّة- اجتماعيّة- بَلَديّة متكاملة. أمّا الناس، الّتي ما زالت ترى نفسها خارج منطق الزبائنية والفردانيّة والقوّة، فهم مدعوون للتشكّل في نواة ثابتة لا في تحرّكات ظرفية أو انتخابيّة، وللمساهمة في خلق مناخ تغييري متمرّد على هذا الواقع، يمارس الضّغط ولا ينتظر الإشارات. 

هذه الدّعوة للمواجهة ولتحمّل المسؤولية لا تكتمل إن لم نواجه المشهد السريالي اللبناني. فهناك فئة تتعاطف بشغف مع شعوب تعيش بظلّ أنظمة قمعيّة كإيران وفنزويلا، وفئة أخرى ترى نفسها رأس حربة في مواجهة الظّلم والاستقواء الأميركي. تكمن السريالية في أن هاتين الفئتين، بكلّ ما تدّعيانه من مبدئيّة، عاجزتان عن التلاقي والتحاور، عاجزتان عن الاعتراف ببعضهما البعض كبشر، كمواطنين في بلد واحد. وكأن لا قضيّة لبنانية تستحقّ النّضال وكلّ هذه المبدئيّة!

في ظلّ عقيدة "القوّة والإكراه والسلطة"، وفي عصر الفردانية المفرطة، عالمياً ومحلياً، تبدو قضيّتنا واضحة: لن ينقذنا تغيّر نظام هنا وهناك، لن تخلّصنا الأحادية القطبية، ولا تعدّد الأقطاب. ليس المطلوب تغيير النّظام العالمي أو تأديبه؛ المطلوب التخلّي عن النفاق المتمثّل بالتّعاطف تجاه الخارج وعدم الاكتراث للداخل، عبر إعادة بناء الرّابط بيننا والتوقّف عن حفر الخنادق.

ليس المطلوب انتظار الدّولة، بل التوجّه نحوها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث