رفض لكلام رجّي: على الخارجية أن تعكس مواقف الدولة لا الوزير

إبراهيم الرزالجمعة 2026/01/16
Image-1766062683
في القضايا السيادية لا مجال لتعدد القراءات والاجتهاد الشخصي (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

"إن اتفاق وقف إطلاق النار يفيد بحصر سلاح حزب الله مقابل وقف الاعتداءات الإسرائيليّة، وطالما لم يحصر السلاح نهائيًّا فيحقّ لإسرائيل، للأسف، استكمال اعتداءاتها".

صدر هذا التصريح عن وزير الخارجيّة اللبنانيّ يوسف رجّي في مقابلةٍ على قناة "سكاي نيوز عربية" في 12 كانون الثاني، ولم يشكل جملةً عابرةً، بل لحظةً سياسيةً، من شأنها إثارة أسئلةٍ حساسةٍ عن طبيعة الدور الذي بات يمارس على رأس وزارةٍ يفترض أن تكون في صلب الدفاع عن السيادة اللبنانية. فالكلام الذي قاله رجي عن أن وقف إطلاق النار المبرم بين لبنان وإسرائيل (تشرين الثاني 2024) يشترط تسليم حزب الله سلاحه وتفكيك بنيته العسكرية، مع حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة الشرعية، لا يمكن فصله عن مفاعيله السياسية، ولا يمكن قراءته إلا كتبريرٍ مباشرٍ، أو في الحد الأدنى كشرعنةٍ سياسيةٍ، لخروقات العدو المتواصلة.

المشكلة هنا لا تتعلق بموقفٍ مبدئي من سلاح حزب الله، ولا بالدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة، وهو مطلبٌ منصوصٌ عليه أصلًا في اتفاق وقف إطلاق النار نفسه، بل بتفسير الاتفاق بطريقةٍ مقلوبةٍ بالكامل. فالوثيقة، كما عرضت رسمياً، وكما تتداول في الأوساط الدبلوماسية، تنص على وقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني وحصر السلاح بيد القوى الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية، بدءًا من جنوب خط الليطاني. أي إن وقف الاعتداءات والانسحاب ليسا مكافأةً على نزع السلاح، بل هما شرط تأسيسي لبدء مسار التهدئة واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار.

ما حصل عمليًّا منذ الإعلان عن الاتفاق هو العكس تمامًا. إسرائيل لم توقف اعتداءاتها، ولم تنسحب من النقاط التي دخلتها، واستمرت في القصف والاغتيالات والخروقات الجوية والبرية، وسط عجزٍ لبناني رسمي عن فرض روايته. في هذا السياق، خرج وزير خارجية لبنان ليقول، بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، إن هذا الواقع مفهومٌ ومبررٌ طالما أن لبنان لم ينفذ التزاماته. هنا تحديدًا تكمن الخطورة السياسية، لأن وزير الخارجية لا يملك ترف التوصيف النظري، ولا حق تفسير الاتفاقات الدولية من زاوية طرفٍ واحدٍ، خصوصًا حين يكون هذا الطرف هو المعتدي.

الأخطر من مضمون التصريح هو الموقع الذي صدر عنه. فوزارة الخارجية مؤسسةٌ دستوريةٌ يفترض أن تعكس سياسة الحكومة اللبنانية مجتمعةً، لا سياسة حزب الوزير أو قناعاته الشخصية. غير أن مواقف رجي في الأشهر الأخيرة، ولا سيما في الإعلام الخارجي، توحي بأن الخارجية باتت تدار من زاويةٍ سياسيةٍ ضيقةٍ، أقرب إلى خطاب حزب "القوات اللبنانية" الذي ينتمي إليه الوزير، ويتناقض مع خطاب الدولة اللبنانية، التي تدين الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على لبنان. في حين يفترض تحييد الدبلوماسية عن الانقسام الداخلي، لا استخدام هذا الانقسام لقلب السياسة الخارجية.

وبحسب مصادر دبلوماسيةٍ لـ"المدن"، فإن القاعدة المعمول بها في كل الدول واضحة: أي وزيرٍ ينفذ سياسة الحكومة التي يشارك في صنعها، لا رأيه الشخصي. فالسياسات العامة تناقش وتقر داخل مجلس الوزراء، وبعد الاتفاق عليها يصبح الالتزام بها واجبًا، سواءٌ اتفق الوزير معها أم لا. وفي القضايا السيادية الحساسة، لا مجال لتعدد القراءات أو الاجتهاد الفردي، لأن الدبلوماسية تقوم على وحدة الخطاب وتماسك اللغة. وأي خروجٍ عن هذا الإطار يربك الموقف الرسمي ويضعفه، ما يجعل التمسك بلغةٍ واحدةٍ في كل المحافل أمرًا أكثر من ضروري.

هذا الخلل لا يمكن فصله عن التوتر القائم بين رجي وكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، في ظل شكاوى متكررةٍ من تفرد الوزير بمواقف لا تمر عبر مجلس الوزراء، ولا تحظى بغطاءٍ سياسي جامع. والنتيجة أن لبنان بات يطل على المجتمع الدولي بخطابين متوازيين، خطاب رسمي، وخطاب وزير خارجيةٍ يتقدم على الدولة ويقدم روايته الخاصة، ما يربك البعثات الدبلوماسية، ويضعف الموقف اللبناني في المحافل الدولية، ويفقد الخطاب الرسمي تماسكه، في واحدةٍ من أكثر المراحل حساسية.

وما يزيد الإحراج أن هذه المقاربة لا تعبّر حتى عن إجماعٍ داخل "القوات اللبنانية" نفسها. فالنائب بيار بو عاصي، وفي مقابلةٍ مع الإعلامية الزميلة سمر أبو خليل، قال بوضوحٍ إن السيادة ليست a la carte ، مؤكدًا أن إسرائيل تنتهكها بشكلٍ فاضحٍ ومستمر، في موقفٍ يتناقض جوهرياً مع المقاربة التي اعتمدها وزير الخارجية. هذا التباين يكشف أن تبرير الخروقات ليس حتى موقفًا حزبيا جامعًا، بل خيارٌ سياسي فردي ينعكس سلبًا على صورة الدولة.

ولدى المقارنة مع من شغلوا هذا الموقع سابقًا، يتضح حجم التحول في وظيفة وزارة الخارجية. فالوزراء، أمثال شارل مالك الذي جعل من لبنان مرجعيةً فكريةً وحقوقيةً في الأمم المتحدة، وفؤاد بطرس الذي حافظ على خطاب الدولة في عز الحرب الأهلية، وإيلي سالم الذي واجه الاجتياح الإسرائيلي بتثبيت الرواية اللبنانية دولياً، من دون تبرير الوقائع المفروضة بالقوة، وفوزي صلوخ الذي قدم بعد حرب تموز نموذجًا لدبلوماسيةٍ هادئةٍ ومؤسساتيةٍ رغم الانقسام السياسي الحاد. هؤلاء عملوا في ظروفٍ إقليميةٍ ودوليةٍ شديدة التعقيد، لكنهم اشتركوا في قاعدةٍ واحدةٍ: الخارجية موقع دولةٍ، تستخدم لمواجهة الخرق، ولتثبيت الحق من دون تدوير الزوايا على حساب السيادة.

وفي حين كان الانتقاد في المرحلة السابقة أن وزارة الخارجية أخرجت لبنان من الإجماع العربي والدولي لمصلحة محور الممانعة، مما يعد علةً في السياسة الخارجية اللبنانية، فإن الإشكالية في مواقف يوسف رجي تكمن في أنها تشبه ما سبق، ولكن على الضفة المواجهة. بالتالي، هي لا تعكس اختلافًا سياسيًا مشروعًا، بل تتعلق بالموقع والدور. ففي لحظةٍ تُنتهك فيها السيادة اللبنانية يوميا، وتقصف فيها القرى الجنوبية، وتفرض وقائع ميدانيةٌ جديدةٌ بالقوة، يصبح أي تبريرٍ للخروقات، ولو تحت عنوان "قراءة الاتفاق"، موقفًا سياسيًا خطيرًا، لأنه يضعف الموقف اللبناني ولا يحصّنه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث