"الأولوية في المرحلة الراهنة ليست للاستحقاق الانتخابي". هكذا تختصر مصادر نيابيةٌ المناخ العام المحيط بهذا الملف، مشيرةً إلى أن الحكومة ورئيسها يضعان في سلم اهتماماتهما حاليا مسألة حصر السلاح بيد الدولة، إلى جانب تطورات الوضع الإقليمي. غير أن هذا التوجه الداخلي يصطدم بضغطٍ خارجي واضحٍ يدفع نحو إجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري، بعدما جرى حسم القرار سياسياً.
وفي هذا السياق، تؤكد معلومات "المدن" أن الإشارة الحاسمة أعطيت خلال الاجتماع الثلاثي الذي انعقد في فرنسا وضم السعودية وفرنسا والولايات المتحدة. وقد كرس رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون هذا المسار في مواقفه، بعد مرور عامٍ على انطلاق عهده، حيث بدا حازمًا في التشديد على احترام المهل الدستورية، ورفض فتح الباب أمام أي تأجيلٍ للاستحقاق النيابي.
غير أن هذا الحزم الرئاسي لا يشمل حتى الساعة الصيغة النهائية أو القانون الذي ستجرى على أساسه الانتخابات، إذ ترك هذا الملف للداخل اللبناني، في ما يراه بعض المتابعين مساحة مناورةٍ يتقنها رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي لا يزال يناور على حافة القانون، بانتظار نضوج تسويةٍ داخليةٍ سياسية. ولم يكن الإشكال الذي حصل اليوم بين نائبي القوات اللبنانية فادي كرم وزياد حواط من جهة والنائب غازي زعيتر من جهة أخرى، في جلسة لجنة الدفاع التي تناقش قانون الانتخاب، سوى تسجيل مواقف في إطار المرحلة التمهيدية لما يسبق الاتفاقات غير المعلنة حتى الساعة، والتي قد تنقذ هذا الاستحقاق.
عد عكسي قبل أيار، وقانون الانتخاب عالقٌ
مع مرور الوقت، بدأت المهل الدستورية تضيق، لا سيما تلك المتعلقة بنشر مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، الذي يفترض أن يصدر قبل تسعين يومًا من موعد الانتخابات إذا كان مقررًا إجراؤها في أيار المقبل. وبالتالي ستصدر هذه المراسيم وفقًا للقانون النافذ الذي يتضمن الدائرة 16 والبطاقة الممغنطة. ومع أن العد العكسي قد انطلق فعلياً، إلا أن الصورة لا تزال ضبابيةً، في ظل غياب توافقٍ نهائي حول قانون الانتخاب.
ورغم أن الحكومة أحالت مشروع تعديل قانون الانتخاب إلى مجلس النواب، إلا أن المعطيات تشير إلى أن رئيس المجلس لا ينوي طرحه على الهيئة العامة في المدى المنظور. في حين يصر رئيس الحكومة على استحالة إجراء الانتخابات النيابية وفقًا للقانون النافذ، ولو أنه لا يعلن ذلك بشكلٍ واضحٍ، تاركًا هذه المهمة للجنة المكلفة الإشراف على الانتخابات. ووفق مصادر نيابيةٍ مطلعة، فإن الصيغة التي يجري التداول بها كـ"مخرج تسوية" تقضي بأن يحضر المغتربون الراغبون في الاقتراع إلى لبنان، ويصوتوا لـ128 نائبًا، ما يعني عمليا إلغاء الدائرة 16 المخصصة للمغتربين في القانون الحالي.
وترى هذه المصادر أن هذه الصيغة تشكل تسويةً ترضي معظم الأطراف، وتخرج الملف من عنق الزجاجة، ولو تطلب الأمر تأخيرًا تقنياً للانتخابات لمدة شهرٍ أو شهرين. وتضيف أن الرئيس بري "مرتاحٌ" إلى هذا المسار، باعتبار أن حسمه سيبقى في عهدة الداخل اللبناني، لا في يد الضغوط الخارجية.
مواقف القوى السياسية: رفضٌ للتأجيل وتحفظاتٌ متفاوتةٌ
في هذا السياق، لا تزال القوات اللبنانية متمسكةً بالموقف الذي أعلنه رئيسها سمير جعجع في مؤتمره الصحافي الشهر الماضي، لجهة رفض أي تأجيلٍ أو مس بحق المغتربين. غير أن مصادر متابعةً تلاحظ تراجعًا في حدة الخطاب. ويؤكد النائب جورج عدوان أنه لا يوجد أي تواصلٍ مع الرئيس بري في هذا الملف، معتبرًا أن موقف القوات واضحٌ ولا يحتاج إلى نقاشٍ إضافي.
وبدورهم، يشدد نواب حزب الكتائب اللبنانية على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، مع الحفاظ الكامل على حق المغتربين في الاقتراع، داعين رئيس المجلس إلى إدراج مشروع القانون المحال من الحكومة على أول جلسةٍ تشريعيةٍ لمناقشته.
أما التيار الوطني الحر، فيتخذ موقفًا أكثر تشددًا، إذ يؤكد النائب سيزار أبي خليل أن التيار يرفض رفضًا قاطعًا أي تأجيلٍ للانتخابات أو أي "تسويةٍ" تنتجها المنظومة السياسية، سواءٌ الحكومة أو رئاسة الجمهورية، معتبرًا أن ذلك يشكل ضربًا لمفهوم الدستور والقوانين اللبنانية، وهو أمرٌ لن يقبل به التيار.
تأجيلٌ تقني أم تعديلٌ إلزامي؟
في المقابل، يرى النائب وائل أبو فاعور أن خيوط الاستحقاق بدأت تنسج بين القوى السياسية، معتبرًا أن الصيغة الأكثر واقعيةً للخروج من الأزمة قد تكون تأجيلًا تقنيا محدودًا لشهرٍ أو شهرين، تجرى بعده الانتخابات خلال موسم الاصطياف، مع إتاحة المجال أمام المغتربين للحضور والمشاركة في الاقتراع.
ويبقى موقف الثنائي الشيعي ثابتًا لجهة تمسكه بإجراء الانتخابات النيابية وفقًا للقانون الحالي النافذ، وتؤكد مصادر نيابيةٌ مطلعةٌ أن فريقهما السياسي لن يقبل بأن يكون هناك تمييزٌ أو استهدافٌ للطائفة الشيعية في هذه المرحلة.
ومن جهته، يعتبر النائب فراس حمدان أن إجراء الانتخابات وفق القانون الحالي بات أمرًا شبه مستحيلٍ، داعيًا المجلس النيابي إلى التدخل والتصويت على اقتراحات القوانين المرتبطة بالمواد 84 و112 و122، باعتبارها مدخلًا قانونيا إلزاميا لتصحيح المسار الانتخابي.
بين الخارج والداخل
في المحصلة، يبدو أن لبنان يقف مرةً جديدةً عند تقاطع قرارٍ خارجي واضحٍ بإجراء الانتخابات، وتعقيداتٍ داخليةٍ مزمنةٍ تتصل بالقانون والتمثيل والمغتربين. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال مفتوحًا، هل تنجح القوى السياسية في إنتاج تسويةٍ تقنيةٍ محدودةٍ تحفظ الاستحقاق، أم يفتح الباب مجددًا أمام اشتباكٍ سياسي ودستوري قد يهدد موعد الانتخابات نفسه؟
