تفاصيل لقاء رجي-عراقجي: مقاربة جديدة لسلاح حزب الله

جورج حايكالخميس 2026/01/15
Image-1767956794
شن "الحزب" حملة على رجي على مستوى المسؤولين والناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

ثمّة أمور تتغيّر في أفق العلاقة اللبنانية–الإيرانية، واللاعبان الأساسيان المساهمان إلى حدٍّ كبير هما وزيرا الخارجية اللبنانية والإيرانية، يوسف رجّي وعباس عراقجي. وإذا كانت كلمة "تغيير" تتّسم بالكثير من التفاؤل، يمكن القول إنّ دبلوماسية رجّي، الذي يتعامل مع نظيره الإيراني من الندّ إلى الندّ، تلاقي احتراماً من الإيرانيين رغم الاختلافات العميقة في المقاربات السياسية.

هذا ما كشفته معلومات خاصة لـ"المدن" عن بعض تفاصيل اللقاء الأخير بين رجّي وعراقجي خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان. فالوزير اللبناني دعا وزير الخارجية الإيراني إلى مقاربة جديدة في موضوع سلاح "الحزب"، الذي يُعتبر المشكلة الأساسية في لبنان اليوم، ويحول دون الوصول إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي وتأمين الدعم للجيش اللبناني. وبلغة دبلوماسية هادئة، طلب رجّي منه أن تساعد إيران، بحكم علاقتها مع حزب الله، على الوصول إلى صيغة تُنقذ لبنان. في المقابل، لم تكن ردّة فعل عراقجي سلبية، بل أبدى انفتاحاً على الحوار والإصغاء، رغم تأكيده الدعم السياسي للحزب من دون التدخّل في قراراته.

لا شكّ في أنّ نقاط الخلاف بين الرجلين لم تُحلّ، إلا أنّ الصراحة كانت السمة الأساسية للقاء. وقد بادر رجّي إلى توضيح نقطة مهمّة لنظيره الإيراني، لافتاً إلى أنّه لا مشكلة جوهريّة للبنان مع النظام الإيراني، ومؤكّداً احترامه إرادة الشعب الإيراني إذا كان مؤيّداً لهذا النظام، وأنّ لبنان لن يتدخّل في الشؤون الإيرانية الداخلية. لكن المشكلة تكمن في تدخّل إيران في شؤون لبنان سياسياً وأمنياً وعسكرياً. وقد طالب رجّي ضيفه في المناسبة بأن يكون أي دعم مُرسَل من إيران مخصّصاً للدولة اللبنانية، لا لفريق سياسي أو عسكري كما يحصل مع "الحزب".

من جهة أخرى، اتّفق الرجلان على أنّ تغييرات حصلت في المنطقة، وأنّ هناك تحدّيات تواجه لبنان وإيران، لكنهما اعترفا بوجود اختلاف في طريقة مواجهة هذه التحدّيات، ما يقتضي الحوار بين الطرفين اللبناني والإيراني. ومن المتوقّع أن يكون هناك لقاء آخر يتبع هذا اللقاء، الذي وضع مدماكاً أساسياً لتصحيح العلاقات بين الدولتين.

وعلى المستوى الشخصي، وُصفت العلاقة التي تربط بين رجّي وعراقجي بعلاقة احترام متبادل. وقد سبق أن التقيا مرّتين، وكان ما يميّز هذه اللقاءات الصراحة والموقف المقنع والاحترام والتواصل الهادئ من دون تشنّج، وهو ما عكسته كلمة رجّي في استقبال عراقجي قائلاً له:"أرحّب بك وزيراً صديقاً، وأنا أقول صديقاً لأنّ الاختلاف في وجهات النظر لا يمنع قيام صداقة". من جهته، اقترح عراقجي على رجّي أن يتولّى الأخير الإعداد لحوار بين الأفرقاء اللبنانيين، موضحاً أنّ القرار في هذا الشأن يعود إلى الحكومة اللبنانية أولاً وأخيراً.

لا بدّ من الاعتراف بأنّ دبلوماسية رجّي وعراقجي فتحت كوّة أمل في تصحيح العلاقة بين الدولتين، أو وضعت أوّل عمود لبناء علاقة ندّية ومحترمة. وقد بدا التغيير ملموساً في لقاءات عراقجي مع المرجعيات في الدولة اللبنانية، إذ لم يأتِ على ذكر السلاح، بل تحدّث عن مؤسّسات الدولة والتبادل الاقتصادي والتجاري، رغم أنّه التقى مسؤولي "الحزب" أيضاً. وترى أوساط مقرّبة من رجّي "أنّ الكرة الآن في ملعب طهران".

وتطرّق رجّي إلى أوضاع إيران الداخلية من باب الفضوليّة فقط، مؤكّداً أنّ استفساره ليس من باب التدخّل في الشؤون الداخلية الإيرانية، بل من باب الاطمئنان، متمنّياً أن تنتهي هذه الأحداث كما يريد الشعب الإيراني، وأن تتعاطى معها السلطات الإيرانية بأسلوب ديمقراطي يحترم رأي المواطن. وقد ردّ عراقجي بأنّ دوافع هذه الاحتجاجات اقتصادية ومعيشية، تتعلّق بالعملة الإيرانية وارتفاع كلفة الحياة، وهي شبيهة بما حصل في لبنان عام 2019، وليست لإسقاط النظام كما يُروَّج.

يتمتّع عراقجي بحنكة دبلوماسية، وهو بارع في أصول الحوار. وكان مبتسماً في معظم أوقات اللقاء، وبعدما أصغى إلى رجّي، أثنى على كلامه وأيّد فكرته القائلة إنّ من يدافع عن لبنان هي الدولة، إلا أنّه حاول، بأسلوب لائق، إيصال أفكاره ولو بطريقة غير مباشرة، مفادها أنّ السلاح يجب أن يبقى، متسائلاً بلباقة:"لماذا لم تنجح الدولة اللبنانية في حثّ إسرائيل على الانسحاب من الجنوب؟".

وقدّم عراقجي أمثلة على فعّالية السلاح الإيراني، معتبراً أنّ صمود إيران واستخدامها الصواريخ الدقيقة في مواجهة إسرائيل دفعا الأخيرة إلى طلب وقف إطلاق النار بعد اثني عشر يوماً من بدء الحرب الأخيرة على طهران.

أفصح الوزيران عمّا في فكرهما، ولم يتردّد رجّي في الكشف عن تطلّعاته إلى إقامة أفضل العلاقات مع إيران، كونها دولة غنيّة وتتمتّع بمميّزات حضارية وثقافية، مشدّداً على نقطة أساسية عبر مطالبته عراقجي بأن يمتنع المسؤولون الإيرانيون عن إطلاق مواقف تنتقد قرارات الحكومة اللبنانية والتدخّل في شؤون لبنان. وقد وعد عراقجي بنقل هذا الأمر إلى السلطات الإيرانية، ملمّحاً إلى أنّ الانتقاد لا يعني التدخّل.

ورغم إيجابية هذا اللقاء، شنّ حزب الله حملة على رجّي على مستوى المسؤولين والناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي، مركّزين على أنّ رجّي يتجاوز بمواقفه المراجع العليا في الدولة اللبنانية ويمثّل مواقف "القوات اللبنانية". إلا أنّ أوساطاً مقرّبة من رجّي تشير إلى أنّه لا يخرج عن البيان الوزاري، وأنّ كل ما قاله ينسجم مع مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون في مقابلته التلفزيونية الأخيرة. علماً أنّ لرجّي أسلوبه، لكن حزب الله عاجز عن مهاجمة الرئيس، فيُصوِّب على وزير الخارجية. وتؤكّد الأوساط أنّ التنسيق والتشاور مع عون يجريان في كلّ التفاصيل، ولم يسبق أن طلب الرئيس من رجّي تغيير كلامه أو التخفيف من لهجته.

في الختام، يمكن وصف لقاء رجّي–عراقجي بأنّه لقاء تأسيسي لعلاقة صحيّة بين لبنان وإيران، إلى درجة أنّ اللقاء طال أكثر من الوقت المحدَّد له، إذ بدا عراقجي مستمتعاً بالحوار الصريح، قبل أن يقاطعه البروتوكول مذكّراً الوزير الإيراني بالموعد المحدَّد مع رئيس الجمهورية في بعبدا. ومن الواضح أنّ هذه العلاقة تحتاج إلى لقاءات عديدة لتصبح أكثر نضجاً وتكاملاً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث