لم تكن سهرة «الأب غيليرمي» الـDJ في بيروت مجرد حدث ترفيهي عابر، ولا حتى مناسبة دينية غير تقليدية. ما جرى، في جوهره، كان اختبارًا حيًا لمعنى الحداثة في مجتمع مأزوم، ولمدى قدرتنا على التعايش مع فعلٍ يخرج عن المألوف من دون أن نُسقِط عليه مخاوفنا أو نحمّله نيات لم يعلنها. الحداثة هنا ليست شعارًا ولا ادّعاءً ثقافيًا، بل ممارسة تُقاس بردود الأفعال: كيف نختلف؟ كيف نعترض؟ وكيف نقبل بما لا يشبهنا من دون أن نلغيه أو نُجرّمه.
من هذه الزاوية، أخشى أن معظم مَن عارضوا السهرة، كما معظم مَن أيدوها، لم يكونوا معنيين فعلًا بالحداثة، لا في معناها الفلسفي ولا في تجلّيها الاجتماعي. كثيرون بنوا مواقفهم انطلاقًا من أطر ضيقة: ما يعرفونه، ما اعتادوه، ما يدور في حلقة أصدقائهم، ما يتداولونه في دوائرهم المغلقة، أو ما يعتبرونه هم «الإيمان الصحيح». أما ما يخرج عن ذلك، فإما تهديد للقيم، أو انحراف، أو «مؤامرة ثقافية».
ليست صلاة ولكن..
المقابلة الرائجة بين «مع» و«ضد» بدت، في معظمها، تبسيطية ومضلِّلة. فالمؤيدون لم يكونوا كتلة واحدة تهلّل لحدث ثوري أو تعلن انتصارًا للحداثة على الدين. كثيرون دافعوا عن السهرة من منطلقات مختلفة: التمسُّك بالحريات الفردية والعامة، أو اعتبار أن ما جرى لا يُصنَّف أصلًا كفعل كنسي، حتى لو كان الـDJ كاهنًا، وحتى لو مرّر خلال السهرة رسائل ذات طابع روحي.
بالنسبة لهؤلاء، كانت المناسبة ببساطة حفلة موسيقية، مساحة للرقص والفرح، تختلف قليلًا عن غيرها من السهرات، لا أكثر. لا قداسة للمكان، ولا طقس ليتورجيًا، ولا ادّعاء تبشيريًا مباشرًا. كاهن يحب الموسيقى، يستخدم لغة شبابية، ويختار أن يكون حاضرًا في عالم لا يشبه القاعات الكنسية التقليدية.
يُضاف إلى ذلك أنه وافق، من دون ضجيج، على «التنازلات» التي طُلبت منه لتفادي الاعتراض على السهرة؛ من عدم ارتداء زيه الديني إلى الامتناع عن استخدام رموز دينية خلالها. هذه التنازلات لم تنتقص من تميّز الحدث، ولم تنزع عنه طابعه المختلف، إذ إن جموع الشباب التي حضرت كانت مُدركة تمامًا من هو الـDJ. عكَس هذا القبول ابتعادًا واضحًا عن الاستعراض والبحث عن الأضواء، خلافًا لما روّج له معارضوه، وأظهر أن ما يهمّه هو اللقاء نفسه، لا الصورة ولا الدعاية الميديائية النمطية.
وهو نفسه لم يتعامل مع الحدث بسذاجة. في مقابلاته، لم ينفِ إدراكه بأن بعض هذه السهرات قد تشهد، أحيانًا، سلوكيات إشكالية، بما فيها تعاطي الممنوعات من قبل بعض الحاضرين. لكنه أصرّ على فكرة جوهرية: للناس الحق بالفرح، والاحتفال، والإيمان أو عدم الإيمان. لا أحد يملك حرية ضمير الآخر، ولا يحق لأحد فرض تصور واحد عن العلاقة مع الله. هذه المقاربة، سواء اتفقنا معها أم لا، تنتمي بوضوح إلى منطق حداثي يضع الحرية الفردية في قلب التجربة الدينية.
فكّ حصار؟
إلى جانب هذا التيار، هناك من يرى في تجربة غيليرمي بعدًا تبشيريًا تقدميًا، بل «ثوريًا» بالمعنى الإيجابي للكلمة. ثوري ليس لأنه يهدم الكنيسة، بل لأنه يحاول إعادة وصل ما انقطع بينها وبين جيل كامل يعيش خارج لغتها ورموزها. هذا الانفتاح يلتقي بوضوح مع نهج البابا فرنسيس، ومع مبادرات البابا لاوون، اللذين سعيا إلى إخراج الكنيسة من موقع «القلعة المحاصَرة» إلى موقع الشريك في العالم المعاصر.
هذا النهج لا يحظى بإجماع داخل الكنيسة نفسها؛ فهناك تيار محافظ قوي، محليًا وفي الفاتيكان، يرى في كل تحديث خطرًا، وفي كل انفتاح تنازلًا، وفي كل خروج عن التقليد مساسًا بالإيمان. لكن التاريخ الكنسي يعلّمنا أن الانفتاح لم يكن يومًا سبب ضعف الكنيسة، بل العكس تمامًا، الانغلاق هو ما يسرّع التآكل.
الكنيسة نفسها اعتبرت، في مراحل مختلفة، ظواهر كثيرة خطرًا عليها، قبل أن تعود وتتصالح معها وأحيانًا كثيرة تتبنّاها. العلوم الطبيعية، كما الفلسفة العقلانية، من كوبرنيكوس إلى بيير تييار دو شاردان، مرورًا بجوردانو برونو وغاليليو وكثيرين غيرهم، حوربت بوصفها تهديدًا للنظام الإلهي وتمرّدًا على الوحي. الفنون، من رسم ونحت وآداب، وُوجهت دائمًا باتهامات الإفساد والإغواء. «الحساب الأخير» رائعة مايكل انجلو، صدمت الكنيسة حين كُشف الستار عنها، وتُعتبر اليوم أيقونة الفاتيكان الفنية التي لا تُضاهى.
حتى الموسيقى الكلاسيكية، التي نعدّها اليوم ذروة التعبير الروحي، لم تسلم من الشبهات. باخ وموزارت لم يُستقبلا دائمًا بالترحاب، ونعرف كيف أُثير الجدل حول «آلام المسيح» -رائعة باخ- التي اعتبرها البعض عملا مسرحيًا لا يليق، و«ريكويام» موزارت (قداس الموتى) باعتباره «بشريًا أكثر من اللازم» قبل أن يتحوّل إلى عمل مبدع معتمد ومقدّس.
سبّحوه بدف ورقص!
كل خروج عن القطيع كان يُواجَه بالخوف، باسم حماية الإيمان. في هذا السياق، تبدو الضجة حول سهرة موسيقى «التكنو» استمرارًا لنمط قديم: الخوف من الجديد لأنه جديد، لا لأنه خطر فعليًا. والمفارقة أن الموسيقى، في جوهر المسيحية، ليست ترفًا. يكفي أن نقرأ المزمور 150من الكتاب المقدّس (العهد القديم): «سبّحوه برباب وعود.. سبّحوه بدف ورقص. سبّحوه بأوتار ومزمار.. سبحوه بصنوج التصويت. سبحوه بصنوج الهتاف».
لكن الخوف من الحداثة لا يقف عند الموسيقى. غالبًا ما يقترن بالخوف من «الآخر» المختلف في الشكل، أو السلوك، أو الفهم، حتى داخل الهوية الدينية نفسها. هذا الخوف لا يكون، في معظم الأحيان، دفاعًا حقيقيًا عن الهوية، بل أداة لشحن العصبية الفئوية أو الحزبية، ولشدّ العصب عبر تقسيم الناس إلى «نحن» و«هم». هكذا يتحوّل الإيمان إلى راية تعبئة، لا إلى مساحة معنى.
ولا يمكن فصل هذا السلوك عن موجة محافظة أوسع، في الغرب كما في منطقتنا، تتغذى من الشعبوية اليمينية. هذه الموجة تُضخّم مخاوف حقيقية، لكنها توظّفها سياسيًا، فتجعل من كل اختلاف خطرًا، ومن كل انفتاح تهديدًا، ومن كل حداثة مؤامرة. لبنان، في لحظة انهياره وهشاشته، ليس محصّنًا ضد هذا الخطاب، بل معرّض له أكثر من غيره.
وهنا نصل إلى نقطة أكثر خطورة في سياقنا اللبناني: حين يُستبدل النقاش بالعنف الرمزي أو المادي، وحين يُستدعى الشارع بدل القانون. شهدنا، في أكثر من مناسبة، كيف تتحوّل دعوة من رجل دين أو سياسي إلى حشد غوغائي، يستغل طيبة البعض وسذاجتهم، ويحرّك غرائز آخرين لتحقيق أهداف تضليلية مبيتة. الاحتجاج يتحوّل تهديدًا، والرأي الآخر يصبح خيانة، والاختلاف يُقابَل بالإقصاء وربما بالعنف.
درس مفاجئ
في قضية سهرة غيليرمي، كان الفارق واضحًا؛ عندما أجازت السلطات المختصة إقامة الحدث، بما فيها المرجعيات المعنية، انتهى الاعتراض العنيف، وعدنا إلى المساحة الطبيعية: رأي ورأي آخر. لا منع بالقوة، لا تحريض، لا استعراض شارع. هذا بحد ذاته درس في الحداثة السياسية والاجتماعية، نفتقده في مجتمعات كثيرة، حيث يُحسم الخلاف بالصراخ أو التهديد أو التكفير.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة لأن تتجرأ الكنيسة في لبنان على الحذو حذو إصلاحات الكنيسة الكاثوليكية في العالم: الدفاع الواضح عن الحريات الفردية، الخروج من التقوقع والمغالاة، ورفض الانجرار إلى أنماط تعصّب تُخرج الدين من دائرة الفعل والتاريخ.
في هذا السياق، يبرز سؤال مشروع: هل نشهد ورشة تحديث حقيقية في مؤسسات كنسية إعلامية محورية، تنفض عنها بعض الممارسات الرقابية التي، عن قصد أو عن غير قصد، تلاقي سلوك «الآخرين» في مصادرة الحريات أحيانًا والتضييق على التعبير؟ فهذه المقاربات، مهما كانت نواياها، لا تحمي الإيمان، بل تعطي صورة مهزوزة عن ثقة الكنيسة بنفسها وبناسها، وكأنها تخشى الحوار أكثر مما تثق بقدرة المؤمنين على التمييز؛ والأخطر أنها تبني جدرانًا بدلًا من الجسور.
في نهاية هذا الجدال الصاخب، قد يكون الغائب الأكبر هم الشباب أنفسهم؛ هؤلاء الذين نتحدث عنهم كثيرًا، ونتحدث إليهم قليلًا، ونادرًا ما نصغي إليهم (وهذا ما عبّر عنه ببساطة مدهشة الأب غيليرمي). جزء كبير منهم لا يعنيه هذا الصراع بين «مع» و«ضد»، ولا يرى نفسه في لغته، ولا يشعر أنه معني بحروبه الرمزية. هم ببساطة يبحثون عن معنى، عن فرح، عن مساحة لا تُدينهم مسبقًا ولا تطلب منهم الاختيار بين الإيمان والحياة.
من هذه الزاوية، لا تبدو سهرة الأب غيليرمي انتصارًا ولا هزيمة، بل فرصة لفهم أعمق: كيف نخاطب جيلًا لا يشبهنا؟ وكيف نقبل أن الدين، مثل المجتمع، لا يُختبر بجموده ومقاومته للتغيير، بل بقدرته على إعادة التعبير عن نفسه داخل الزمن الذي يعيش فيه، لا خارجه.
والحداثة، في النهاية، ليست في موسيقى التكنو ولا في الرقص، بل في أن نترك الشباب يدخلون النقاش بدل أن نقرّر عنهم، قبل أن ننتهي إلى معسكرين متقابلين، كلٌّ يتكلم لغة لا يسمع فيها الآخر.
