يسيطر الحرس الثوري الإيراني على الاقتصاد في إيران، عبر منظومة إمبراطورية مترامية الأطراف، تمتد من الشركات القابضة إلى المصارف والموانئ والعقود الحكومية، وتعمل داخل بيئة تُسهّلها العقوبات الدولية، والاقتصاد شبه المغلق، وغياب الشفافية، والارتباط البنيوي بين الأمن والاقتصاد.
فالحرس لا يمارس دورًا عسكريًا فقط، بل بات يمثل نموذجًا متكاملًا للدولة داخل الدولة، حيث تتحول القوة الأمنية إلى سلطة اقتصادية، وتتحول الموارد الاقتصادية إلى أداة للنفوذ السياسي والاجتماعي.
يمتلك الحرس أو يدير بشكل مباشر وغير مباشر قطاعات واسعة تشمل شركات الإنشاءات والطاقة والبتروكيماويات، وشركات النقل البحري واللوجستيات، والاتصالات والتكنولوجيا، بالإضافة إلى التعدين والإسمنت والحديد. غير أن هذه السيطرة لا تظهر غالبًا باسم الحرس بشكل صريح، بل تتجسد عبر واجهات اقتصادية تشمل شركات تجارية، ومؤسسات قابضة، ومجالس إدارة مرتبطة به، وصناديق استثمار شبه حكومية. ومن خلال هذا النمط، يصبح الحرس شبكة اقتصادية خفية، تشغل الاقتصاد من الداخل من دون أن تُعرّف نفسها بالاسم، بما يضمن له قدرة أعلى على المناورة أمام الرقابة الداخلية والخارجية.
تُعد مؤسسة خاتم الأنبياء للبناء أهم أداة اقتصادية لدى الحرس، وهي ليست مجرد شركة، بل كونسورتيوم يهيمن على مشاريع البنى التحتية الكبرى، من السدود والطرقات وسكك الحديد، إلى أنابيب النفط والغاز، وصولًا إلى المرافئ والمطارات. ويقوم هذا النفوذ على منح عقود بمليارات الدولارات، غالبًا من دون منافسة شفافة، ما يسمح للحرس بالاستحواذ على المشاريع الاستراتيجية، خصوصًا حين تُمنع الشركات الأجنبية من المنافسة أو تنسحب بسبب العقوبات. وفي ظل هذا الواقع، يصبح الحرس المنفّذ الوحيد القادر، لأن الدولة تحتاج إلى جهة تملك القدرة التنفيذية والأمنية في الوقت ذاته.
لا تتجلى سيطرة الحرس في الشركات وحدها، بل في احتكار بوابة الاقتصاد: من يحصل على العقود الحكومية؟ من يُسمح له بدخول قطاع الطاقة والبنية التحتية؟ من ينال رخص استيراد السلع الاستراتيجية؟ ومن يحصل على التراخيص؟ يتم ذلك عبر نفوذ مباشر داخل الحكومة والبرلمان، وداخل القضاء وأجهزة الرقابة، إضافة إلى نفوذ أمني على رجال الأعمال. وهنا تتحول السوق إلى منظومة ولاء: من يوالِ يحصل على المشروع، ومن لا يوالِ يُقصى اقتصاديًا، وكأن الاقتصاد يعمل بقواعد أمنية لا بقوانين المنافسة.
الركيزة الأهم في قوة الحرس هي استفادته من أكبر مصدر دخل في إيران: النفط والغاز. وبسبب العقوبات تشكلت سوق سوداء ضخمة لبيع النفط عبر شبكات وساطة، وسفن وأسماء وهمية، وشركات خارجية، ومسارات مالية ملتوية. وهنا تتجلى السلطة الكاملة للحرس، لأن هذه التجارة لا يستطيع إدارتها إلا جهاز يمتلك القدرة العسكرية والأمنية لحماية الشبكات من الملاحقة والاختراق.
يشكل نفوذ الحرس على الموانئ والمعابر البرية والبحرية أحد أهم مصادر القوة. فهو يمنحه تحكمًا فعليًا بتدفق السلع، ويتيح إدخال بضائع بلا رقابة، وتهريب العملة والذهب والمواد الأساسية، واحتكار الاستيراد وإضعاف المنافسين. وبذلك يخلق الحرس اقتصادًا موازيًا لا يخضع بالكامل للجمارك والسلطات الرسمية، بل يتبع السيادة الأمنية التي يملكها. حتى حين تُفرض عقوبات على مؤسسات مرتبطة بالحرس، يتكيّف الاقتصاد عبر مصارف وشركات تحويل محلية وإقليمية، وشركات واجهة في الخارج، وترتيبات مالية غير رسمية، ومنظومات دفع ملتوية. وبما أن الاقتصاد الإيراني يعاني من عزلة مالية وقيود على التحويلات، يصبح القادر على الحركة هو من يملك شبكات أمنية وعلاقات عابرة للحدود. وهنا تتقاطع المنظومة السياسية والعسكرية مع شبكات اقتصادية رمادية تُدير عمليات معقدة من التهريب والتجارة.
شهدت إيران خلال العقود الماضية ما سُمّي خصخصة، لكن جزءًا كبيرًا منها كان نقلًا لأصول الدولة من القطاع العام إلى قطاع شبه عسكري وشبه حكومي. فبدل أن يصبح الاقتصاد سوقًا حرة، تحول إلى سوق تديره شبكات نفوذ يقودها الحرس. وهذا يفسّر لماذا لا يعمل الحرس كمنافس تجاري طبيعي: فهو قادر على إقصاء المنافسين، والضغط عبر الأمن والقضاء، وفرض إتاوات حماية غير رسمية، والتحكم بنتائج المناقصات. وحين يتحول الاقتصاد إلى مسألة أمن قومي، يصبح الحرس المالك الطبيعي لهذا الاقتصاد.
المفارقة أن العقوبات، التي يفترض أن تُضعف الدولة، تضرب بالدرجة الأولى القطاع الخاص، وتمنع الاستثمار الأجنبي، وتقيّد التجارة الرسمية. والنتيجة أن الاقتصاد يتحول إلى اقتصاد شبكات بدل اقتصاد مؤسسات، والحرس هو الأكثر خبرة وقدرة على إدارة الشبكات. لذلك، كلما اشتدت العقوبات توسعت إمبراطورية الحرس، ولم يعد مجرد قوة عسكرية بل فاعل اقتصادي مهيمن يربط السوق بالولاء والأمن.
وهنا يُثار السؤال حول حجم ثروات الحرس وقادته فتختلف التقديرات بصورة كبيرة: بعضها يقدّر نفوذه بنحو 10% من الاقتصاد الإيراني، وبعضها يرفعه إلى أكثر من 50% عبر الشركات والواجهات. وهذا التباين ناتج عن غياب الشفافية، لكن الفكرة الثابتة أن الحرس يمتلك قدرات مالية ضخمة تُستخدم في الداخل والخارج. وتشير دراسات إلى أن خاتم الأنبياء نفّذت أكثر من 1200 عقد بقيمة تتجاوز 50 مليار دولار على مر السنين، فيما تبقى تقديرات أخرى في نطاق عشرات المليارات. أما فيما يتعلق بقادة الحرس، فمن شبه المستحيل تقدير ثرواتهم الشخصية بدقة، لأن معظم الملكيات تُسجل باسم أقارب وواجهات، وبعض الأصول تُخفى في الخارج، في ظل غياب رقابة مالية وقضائية مستقلة. لذلك فإن أي رقم دقيق عن ثروة قائد بعينه غالبًا ما يعكس تقديرًا سياسيًا أكثر من كونه حقيقة مالية مثبتة.
هنا يأتي السؤال المركزي، ماذا إذا سقط النظام؟ هذا يعني أن النفوذ الاقتصادي للحرس سيتعرض لصدمة جوهرية لأنه قائم أصلًا على النفوذ السياسي والأمني. فإذا انهارت منظومة الولاء التي تحمي الامتيازات، يتحول الحرس من محتكر إلى فاعل اقتصادي مثل غيره، ما يعني انهيار الجزء الأكبر من قوته. وهنا تظهر ثلاثة سيناريوهات: أولها سقوط كامل وتفكيك مؤسسات الحرس يعني مصادرة ممتلكاته وشركاته، وإعادة هيكلة الجيش والأمن، وفتح ملفات الفساد، وتحرير الموانئ والجمارك، ما ينتج ضربة قاصمة للإمبراطورية الاقتصادية. الثاني انتقال تفاوضي وتسوية مع تقليم الأظافر الاقتصادية للحرس وإبقاء نفوذ أمني وعسكري جزئي وتقديم ضمانات لكبار القادة. في هذا السيناريو يخسر الحرس كثيرًا لكنه لا ينهار بالكامل. الثالث فوضى وانقسام داخلي قد يتحول الحرس فيه إلى شلة من أمراء اقتصاد محليين ضمن اقتصاد ميليشياوي يسيطر على معابر ومناطق، ويحافظ على مصادر ربح عبر التهريب رغم ضعف الدولة.
كما أن وصول سلطة جديدة تُحسن علاقتها مع الخارج سيؤدي غالبًا إلى تخفيف أو رفع العقوبات، والانفتاح على الاقتصاد العالمي، وعودة النظام المصرفي، ودخول الشركات الأجنبية، ما يفقد الحرس أهم ميزته في القدرة على إدارة الالتفاف على العقوبات.
لذلك، فإن سقوط النظام بالنسبة للحرس الثوري ليس مجرد خسارة سياسية، بل تهديد وجودي. فهو يعني فقدان النفوذ والامتيازات، وتفكيك المؤسسات، واحتمال المحاكمات أو التصفية، ومصادرة الأموال والشركات. لذلك يصعب، بل يكاد يستحيل، أن يقبل الحرس سقوط النظام من دون مقاومة عنيفة، ليس لأن القتال حتى النهاية قرار آلي، بل لأن ما يخسره يتجاوز السلطة إلى المصير. والحرس ليس كتلة قيادية فقط، بل شبكة اجتماعية واقتصادية ضخمة تضم طبقة بيروقراطية وتجارية ومئات الآلاف من المنتفعين، وشركات ومقاولين ومهربين. وهذه الشبكة ستدفع نحو المقاومة لأنها تعلم أن سقوط النظام يعني سقوط امتيازاتها. إضافة إلى ذلك، يمتلك الحرس أدوات قمع وتنظيم فعالة هي الباسيج، والاستخبارات الداخلية، والنفوذ داخل الجيش والشرطة، ما يمنحه قدرة عملية على إنتاج العنف وإدارته.
غير أن الحرب المفتوحة ليست حتميّة وليس بالضرورة ستتم بشكل واحد، بل قد تتخذ أشكالًا مختلفة منها قمع واسع ضد الشارع في حال استمرار الانتفاضة الداخلية مع اعتقالات، قطع إنترنت، تفعيل الباسيج، ثم تصفية رؤوس الحراك. الاحتمال الثاني هو تراجع تكتيكي في حال حصول انشقاقات داخلية وانهيار اقتصادي وضغط دولي، حين يدرك جزء من الحرس أن القتال خاسر. وهنا تأتي صفقة انتقال كسيناريو أكثر واقعية إن نجح، حيث يقبل الحرس التخلي عن الحكم المباشر مقابل ضمانات وحصانة واحتفاظ بجزء من الثروة.
لكن المؤكد هو أنه لا يمكن اختصار الحرس الثوري بالاقتصاد وحده، لأن بنيته تقوم على ثلاثية متداخلة هي العقيدة الثورية، القوة الأمنية العسكرية، والإمبراطورية الاقتصادية. الاقتصاد هو الأداة، أما العقيدة فهي الروح التي تمنحه معنى ورسالة وتحول الامتيازات إلى حق تاريخي لا مجرد مصلحة مادية. ومن ثم فإن سقوط النظام لا يُقرأ لدى الحرس كتحول سياسي طبيعي، بل كإلغاء لوجوده الرمزي والمادي. لهذا السبب، فإن تغيير النظام في إيران سيواجه غالبًا مقاومة شديدة، وقد لا يمر من دون صراع دموي واسع، إلا في حالة واحدة: إذا أدرك الحرس أن الحرب خاسرة وأن صفقة انتقال تحفظ له البقاء أفضل من القتال.
