وصلت إيران إلى مفترق أساسي بفعل التحركات الاحتجاجية التي اندلعت، معطوفة على دعم خارجي أو تهديدات للنظام. المسارات التاريخية تشير إلى أن النظام الإيراني لطالما وصل إلى حافة الهاوية، ليتراجع بعدها، سياسياً أو تفاوضياً، فينجح في حماية نفسه بالارتكاز إلى التفاهمات الخارجية. وهو ما حصل في الثورة الخضراء، وغيرها من المحطات، وصولاً إلى ثورة العام 2022. لدى السلطة الإيرانية خبرة كافية في كيفية التعامل الأمني مع التظاهرات وفي كيفية ضبطها والحد منها، لكن المسألة لم تعد مرتبطة بالتكتيك بل بالوجهة الاستراتيجية، خصوصاً في ظل المواقف الأميركية الواضحة التي يطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مع الاستعدادات لإمكانية تنفيذ ضربات عسكرية. كل القراءات داخل إيران وخارجها تفيد بأن التغيير سيحصل، لكن السؤال يبقى حول توقيت هذا التغيير وحجمه، مع استبعاد أن يكون التغيير دراماتيكياً أو على شكل انهيار النظام ككل.
الإضعاف أفضل
حتى الآن لا مؤشرات على أن الأميركيين يريدون إسقاط النظام، خصوصاً أن انهياره وإسقاطه سيؤدي إلى تشظيات كبرى، لا سيما أن إيران دولة ذات مساحة جغرافية واسعة جداً، وشعبها يضم مكونات مختلفة، ولكل مكون له امتداد خارجي. أي هناك قوميات لها امتدادات على مساحات ودول أخرى. وهذا يعني أن تداعيات أي انهيار أو فوضى ستطال الدول المجاورة ككل. لذا، فإن الحل قد يكون بإضعاف النظام على نحو يفتح الطريق أمام إمكانية التغيير من داخله. وهذا ما يتعاطى وفقه الإصلاحيون المعارضون للسلطة الحالية، وفي الوقت نفسه هم في صلب النظام أو الثورة الإسلامية.
تجربة 2009
التحركات في إيران حتى الآن لم تصل إلى لحظة العام 2009 والثورة الخضراء التي كان على رأسها الإصلاحيون، وأبرزهم مير حسين موسوي ومهدي كروبي. الفارق الأساسي هو أنه في العام 2009 كان هناك قيادة للتحركات الاعتراضية، معلنة ومعروفة، وهي من داخل كيان الثورة الإسلامية، وهو ما أعطى دافعاً أقوى للتحركات. وهذا ما يختلف عن احتجاجات اليوم، التي أبدت السلطات الإيرانية الاستعداد الكامل لتطويقها وإنهائها إن اقتضى الأمر، ولو باستخدام الأسلوب الأمني أو عبر تحريك الشارع المضاد، وهو ما شهدته إيران يوم الإثنين، من حشود كبيرة وتظاهرات مؤيدة للنظام، بالإضافة إلى اتهام المتظاهرين المعارضين بأنه يتم تحريكهم من قبل جهات خارجية، ولا سيما من قبل الأميركيين والإسرائيليين. وما ساعد في ترويج هذه الفكرة هو غياب قيادة فعلية وعلنية للتحركات.
إصلاحيون
في المعلومات، هناك جهات دولية عديدة تفضل التعامل مع شخصيات إصلاحية وسياسية تنتمي للثورة الإسلامية، على أن تكون هذه الشخصيات مستعدة للاتجاه نحو عقد تفاهمات مع الأميركيين ومع الدول المحيطة بإيران. من بين الأسماء المرجحة للعمل، يبقى اسم الرئيس مسعود بزشكيان قائماً، وكذلك وزير الخارجية عباس عراقجي، مع أدوار توجيهية مثلاً لمحمد خاتمي، الذي أصبح متقدماً بالعمر، لكن يعوّل عليه ليشكل ضمانة لوحدة موقف القوى المعارضة أو الإصلاحية، وكذلك بالنسبة إلى كروبي ومير حسين موسوي. كما لا تغيب أسماء حسن روحاني ومحمد جواد ظريف.
الصواريخ هي المشكلة
كل ذلك سيدفع النظام في إيران إلى التعاطي مع التحولات الداخلية والخارجية، بهدف إعطاء الرئيس الإيراني وحكومته صلاحيات أوسع، على المستويات السياسية والاقتصادية، بالإضافة إلى إطلاق يدها في مسار التفاوض مع الأميركيين. وهو الدور الذي يفترض أن يكون مناطاً بوزير الخارجية عباس عراقجي، الذي قال بوضوح إن التواصل مفتوح مع الأميركيين، وسط معلومات عن اتصال مباشر حصل بينه وبين ستيف ويتكوف. ووسط معلومات إيرانية تشير إلى أن طهران تبدي استعدادها لتجميد العمل في تخصيب اليورانيوم. أما المعضلة الحقيقية فتبقى متعلقة بالصواريخ البالستية، والتي ترجح المصادر أنه في ظل عدم استعداد الإيرانيين للتخلي عنها، سيتم ضربها عسكرياً وتدميرها، تماماً كما فعلت إسرائيل بالجيش السوري بعيد سقوط نظام بشار الأسد. كما أن المسألة الأخرى الأساسية هي قوة الحرس الثوري ونفوذه، وكيفية السعي لإضعافه وكبح تأثيره على القرارات السياسية للدولة.
الشروط الأميركية
وعلى الرغم من كل المسار التفاوضي القائم، فإن ذلك لا يلغي الحسابات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، واحتمالات تنفيذ عمليات عسكرية لإضعاف إيران أكثر، بالتزامن مع التفاوض. فما تريده واشنطن هو إنهاء المشروع الإقليمي لإيران، والوصول إلى تفاهم معها حول وقف المشروع النووي ووقف إنتاج الصواريخ البالستية. وأي ضربة عسكرية سيكون هدفها دفع إيران إلى الاقتناع بالشروط الأميركية في أي مفاوضات مقبلة، ويكون مضموناً أن تصل المفاوضات إلى اتفاق يتلاءم مع تلك الشروط.
طموحات إسرائيل
اسرائيل ترفض حتى الآن أي تغيير من قلب النظام، ومن مصلحتها تفكيك إيران أو إشغالها بصراعاتها الداخلية. وهي تتخوف من أن تبقى حالة العداء الإيرانية لإسرائيل قائمة. وأقصى ما يمكن أن تطمح له تل أبيب هو قيام نظام جديد يبدي الاستعداد الفوري للتحالف مع إسرائيل. إلا أن ذلك -إن حدث- سيشكل خطراً أكبر على دول المنطقة ككل، ولا سيما دول الخليج وتركيا. فهذه الدول لن يكون في مصلحتها وجود نظام إيراني يتحالف مع إسرائيل، لأن ذلك سيؤدي إلى الإخلال الكبير والعميق بموازين القوى.
الخليج وتركيا
أي اهتزاز بنيوي في إيران، يشكل قلقاً للدول المحيطة. ولا أحد من هذه الدول يريد أن تعيد إسرائيل إنتاج أو إحياء ما كان يسمى أيام حكم الشاه بـ"تحالف محيط إسرائيل". لذا، من مصلحة تركيا ودول الخليج بقاء الوضع في إيران على حاله، وبقاء النظام الحالي ولو بحالة ضعف، أفضل من أن يتغير لصالح التحالف مع الغرب.
في هذا الإطار تندرج المساعي التركية والخليجية مع إيران، والعمل معها في سبيل تفادي حصول انهيار كبير أو فوضى في الداخل الإيراني، بالإضافة إلى سعيها لمنع إسرائيل من تحقيق رؤيتها وأهدافها على الساحة الإيرانية. وهنا تفيد المعطيات بأن زيارة وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأميركية، كانت تتعلق أيضاً بالبحث في الملف الإيراني، وفي كيفية العمل على توفير مناخ سياسي داخل إيران، يكون ملائماً للتفاهم مع الولايات المتحدة ومع دول الخليج، بشكل لا تعود فيه إيران تشكل خطراً أو تهديداً للخليج. ومن الواضح أن دول الخليج لا تشارك في دعم التحركات والتظاهرات في داخل إيران، بل تبحث في كيفية نسج تفاهمات على مستوى إقليمي بين إيران، دول الخليج، وتركيا... لمنع إسرائيل من أن تكون هي الدولة صاحبة التحكم المطلق في المنطقة.
