ليس دفاعًا عن عودة «شرطي العالم» بنسخته الترامبية المبتذلة، المطعّمة بنسخة أكثر ابتذالًا من «لص العالم»، ولا تبريرًا لكيفية إدارته الفظّة للسياسة الدولية، لكن يصعب المرور مرور الكرام على بعض ردود الفعل في منطقتنا، عقب عملية إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وسوقه مخفورًا، مع زوجته، إلى المحاكمة في نيويورك.
ما لفتني ليس السجالات المستهلكة حول «الإمبريالية المتوحشة» و«مقاومة الأحرار للهيمنة الأحادية»، وغيرها من العبارات الصدئة التي لم يعد ينفع نفض الغبار عنها لمناقشتها، إنما خصوصًا تلك «الإبداعات» التي تدفّقت فجأة من يساريين وليبراليين على السواء، وهم يتبارون في استنكار «الانتهاك الصارخ للقانون الدولي» و«تدمير النظام العالمي» و«اغتيال سيادة الدول»، في غيرة مستجدة تثير الريبة أكثر مما تثير الاحترام.
هواة الأوهام
فقد انبرى هواة «الاستمناء» بالقانون الدولي، في مرثيات وبكائيات حارّة على «النظام العالمي»، الذي خرقه «المستبد» ترامب، كأنها حادثة طارئة سقطت من السماء على عالم كان يرفل في رداء العدالة المطلقة، وكأن القانون الدولي أصلًا ليس سوى حالة ضبابية مفاجئة نتجت تراكميًا من انتصارات «المنتصِر» على المهزوم، وتكرّسَ بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أعيد إنتاجه خلال «الحرب الباردة» بوصفه آلية لإدارة النفوذ وتقاسم القارات بين معسكرين كانا يدوران في فلك دولتين «عظميين»: الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي؛ بهدف ضمان ألا يحرق أحدهما أصابع الآخر أثناء التهام العالم.
طبعًا اكتسب هذا المفهوم نظريًا أبعادًا أخلاقية مع الزمن: حقوق إنسان، سيادة دول، حماية مدنيين، محاسبة مجرمي حرب؛ وزيّنت مبادئه ميثاق «منظمة الأمم المتحدة»، التي تحوّلت شيئًا فشيئًا إلى ما يشبه «حائط مبكى» الضعفاء المصرَّح به. وجاءت ممارسات «مجلس الأمن الدولي»، وهو الأداة التنفيذية المفترَضة لهذا القانون، غالبًا لتذكّرنا بالواقع المرّ، وتعيدنا إلى «رشدنا»، وتنبّهنا إلى عدم الانسياق كثيرًا في الآداب والشعر والفنون الجميلة، أو حتى في الفلسفات والنظريات السياسية الأكاديمية المتفائلة (اليسارية الثورية أو الليبرالية التغييرية) التي تعوّدت القراءة في «ما يجب أن يكون» أكثر مما في «ما هو كائن».
ليس لوقت الحاجة!
ولعلّ أكثر ما يثير السخرية أن هذا المصطلح الجميل، بقدر ما يبدو هدفًا نبيلًا في النصوص والبيانات، إلا أنه لم يطبّق يومًا عندما استدعت الحاجة إليه. والأمثلة والشواهد، إن أردتُ إحصاءها، قد لا تسعها صفحات الجريدة هذا النهار. وهو لم يُخرَق فقط من قوى «عظمى»، وإنما أيضًا من دول صغرى تمارس سطوتها وبلطجتها، من دون توقف، على شعوبها وعلى أمم وشعوب أخرى أصغر منها، على مرأى ومسمع من جميع الأمم، متحدةً أم متفرّقة، بميثاقٍ مُدبّجٍ أو من دونه.
من هنا، تبدو استفاقة اليسار على «قدسية القانون الدولي» فضيحة فكرية لا تقلّ عن دفاع الليبراليين التقليدي عنه. وأصلًا «ديناصورات» اليسار عالقون في سرديات أين منها كليشيهات الليبراليين المتواضعة. أيام «الاتحاد السوفياتي العظيم» كانوا يعتبرون القانون الدولي منتجًا رأسماليًا غربيًا لا يعنينا. فالثورة يجب أن تعمّ الكوكب.. وغزو براغ واجتياح بودابست وسحق المعارضات في المعسكر الاشتراكي لم تكن خرقًا لقانون دولي أو لسيادة الدول، إنما كانت حتميات تاريخية!
بعد الانهيار العظيم، والسيطرة الغربية شبه الأحادية على العالم، «اكتشف» اليسار «المجتمع المدني» و«البيئة» و«حقوق الإنسان» و«سيادة الدول» وغيرها من المفاهيم «الكونية»، التي للمفارقة، سنعود ونضعها فورًا على «الرف»، إذا ما اجتاح بوتين أوكرانيا أو التهم أراضي في جورجيا، أو إذا ما هدّدت الصين تايوان، وهدّدت كوريا الشمالية جارتها الجنوبية.. إنها سيادة «انتقائية» وقانون دولي «غبّ الطلب».
إشكالية أخلاقية
في أي حال، هذا ليس تبريرًا سفسطائيًا لدور «بوليس العالم» الجديد-القديم، الذي تقمّصه الرئيس ترامب، وليس دفاعًا عن شخصيته الجشعة. لكنه يحيلنا إلى سؤالٍ بديهي: لماذا نستغرب ما هو متوقَّع؟ لماذا نتفاجأ بانتهاك قانون لم يكن يومًا مُلزِمًا إلا للضعفاء؟
وعندما نسلّم جدلًا بأخلاقية القانون الدولي وواجب الدفاع عنه كقيمة نصّية مكتسَبة، للحفاظ على حدٍ معقول منها، سنقع حكمًا في إشكالية أخلاقية متصلة، وهي مفهومنا «الرجراج» والمرتبط بعلاقاتنا ومصالحنا الاجتماعية، ومدى تأذّي أو انتفاع كل واحدٍ منّا من «مستبدّه المحلي».
ولكن المأزق الأخلاقي الأفدح سيظهر تباعًا: هل من الأخلاق رؤية العالم يتفرّج على «مستبد محلي» يستبدّ بشعبه بأبشع الأساليب، أو بأمم أخرى صغيرة، ولا يردّه عنها أحد بحجة سيادة الدول؟ أن «يطيح» المستبد بوش بالمستبد صدام، أو أن يعتقل المستبد ترامب المستبد مادورو، بغض النظر عن أسباب بوش وترامب اللصوصية والاستبدادية التي لا أغفلها، فإنّ ما يجري سيضع المدافعين عن القانون الدولي في موقف إشكالي، بل ومحرج حقًا.
وتاليًا، هل يحق لنا أن نسأل مواطنًا كويتيًا أو معارضًا عراقيًا لاستبداد صدام، أو مواطنًا لبنانيًا أو معارضًا سوريًا لنظام الأسد، أو معارضًا لنظام «ولي الفقيه» وغيره من الأنظمة، ممن قضى عمره في المعتقلات أو ممن قضى أهله ورفاقه تحت التعذيب في الأقبية، لماذا أنت مع تدخل خارجي يطيح بهذا المستبد؟ ولماذا لن يراها هؤلاء، وهم أول مَن يجب استفتاؤهم، تدخلًا في سيادة دولهم وانتهاكًا للقانون الدولي؟
على العكس، معظمنا، ليبراليًا كان، يساريًا أم إسلاميًا، لم يغفر للرئيس «الامبريالي» باراك أوباما، نكثه بوعوده وخذلان الشعب السوري، عندما تخطّى الأسد «الخطوط الحمر» التي وضعها أوباما بنفسه، واستخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه في «غوطة دمشق» في آب 2013، من دون أن يحرك أوباما ساكنًا. حينها لا أذكرُ أحدًا من المتعاطفين مع الشعب السوري راوده القانون الدولي إلا من باب «حماية الضعيف» ولو على حساب «السيادة» المزعومة. وهذا في الحقيقة فهمٌ حميد ولكن دخيلٌ على «القانون الدولي»، الذي كان تطبيقه الحرفي يعني عمليًا ترك الناس يُذبحون باسم السيادة.
قانون القوة
مناسبة هذا الكلام هي دعوة إلى اعتماد قدر أكبر من الصراحة الفكرية والخروج من هذه السردية الممجوجة: عدم التدخل في سيادة الدول، والقانون الدولي الخ.. نعم، من المشروع تمامًا الاعتراض على أن من يطبّق هذا «القانون» هو مستبد غير أخلاقي بدوره. لكن هذا الاعتراض يعيدنا إلى سؤال جوهري: ما هو القانون الدولي أصلًا؟ من وضعه؟ ولماذا؟ وهل هو حقيقة مُلزِمة؟ ولمَن؟
وهل القانون الدولي هو شيء آخر غير «قانون القوة» الذي حَكَمَنا ويحكمنا طوال الوقت منذ أن نزلنا عن الشجرة؟ في السابق، كان الحق لمن يملك الهراوة الأثقل والذراع الأقوى، وبها كانت تُرسم حدود «السيادة» بين القبائل البدائية. ومع تطور البشرية، لم يتغير الجوهر، بل تغيرت الأدوات والمصطلحات فقط؛ استبدلنا الهراوة بالصواريخ الباليستية، واستبدلنا صرخة الحرب ببيانات «مجلس الأمن» أو «وزارة الدفاع» (ليس عبثًا أن أعاد ترامب تسميتها بوزارة الحرب)!
الحقيقة التي يرتجف «هواة القانون» إزاء الاعتراف بها هي أن القوة هي التي تخلق القانون وليس العكس؛ فالقانون لا يولد في غرف المحاكم، بل يُصاغ فوق طاولات الاستسلام. ولم تكن «اتفاقية فيينا» و«ميثاق الأمم المتحدة» وما تلاها من بروتوكولات لتوجد، لولا أن هناك قوىً منتصرة في حروب طاحنة فرضت رؤيتها للعالم، ثم أطلقت عليها مسمى «الشرعية الدولية». بالتالي، فإن الاحتكام لهذا القانون في مواجهة القوي يشبه تمامًا توسّل الغزال للأسد بضرورة احترام «آداب الطعام».
وما اختراعنا المتواصل للأيديولوجيات، دينية كانت أم قومية أم يسارية أم ليبرالية، سوى محاولة «أنيقة» لتغليف قانون القوة العاري هذا بأغلفة مبهرجة، تضمن لنا استمرارية الاستفادة من القوي، أو تبرير العجز أمامه، ولنوهم أنفسنا بأننا كائنات «حضارية» تجاوزت غريزة الافتراس، والخلود آخر النهار إلى النوم بضمير مرتاح.
مادورو والموت بين الأهل
في المحصلة، اعتقال مادورو ليس خرقًا للقاعدة، بل هو تذكير فجّ بالقاعدة الأصلية. هو إعلان بأن السيادة ليست حقًا إلهيًا أو طبيعيًا يُمنح للدول، بل هي «امتياز» تمنحه القوة وتنزعه متى تشاء. والذين يستنكرون اليوم «بربرية» القوي الخارجي يتناسون أنهم تعايشوا مع «بربرية» القوي المحلي لعقود، فقط لأن الأخير كان يمارس افتراسه تحت سقف «السيادة الوطنية».
فنحن نعيش في عالم محكوم بـ«قانون القوة» الذي لم يتزحزح قيد أنملة؛ قانون يناسب عقولنا وطموحاتنا ومصالحنا أحيانًا، وأحيانًا يكون لدينا ترف تدبيج مقالات بكل لغات العالم نستنكر فيها بربرية «الآخر»، ونتغاضى عن «برابرتنا» المحليين، لأن «الموت بين الأهل نعاس».
