في سياق الفوضى العالمية

أحمد جابرالسبت 2026/01/10
Image-1767976745
المصلحة الوطنية مقياس كل سياسة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تبدأ الفوضى العالمية في فنزويلا، ولا يبدو أنها ستحطّ الرحال بعد الغزوة الليلية التي تعرّضت لها.

لم تسمح اللوحة العالمية بطرح سؤال ثنائي يجمع بين المخاض والفوضى، ذلك أن المخاض عتبة انتظارية لمولود جديد، وهذا ممّا لا يبدو أنه قيد الوقت القريب، على توقيت ساعة الأحداث العالمية المتسارعة.

 

زمنيّاً، بدأت أولى حملات الفوضى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. مع الزلزال العالمي "الاشتراكي- الشيوعي"، تحرّكت حرب بينيّة بين "دول الاتحاد"، وفي مدى نفوذها في ناغورنو كاراباخ، وفي جورجيا، وفي العراق، والآن وعلى مدى النظر اليومي الحرب المندلعة في أوكرانيا.

صفارة الفوضى انطلقت من لحظة "السقوط الامبراطوري"، وتداعياتها وتردّداتها رافقت عدداً من الرؤساء الأميركيين، ثمّ حطّت الرحال بين يديّ الحالة الترمبية التي تزاوج بين زئبقية صاحبها، وبين سوء انعكاساتها على مجموع الدول العالمية... وكلٌّ بمقدار.

لقد اكتسحت الفوضى التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية ما أسفرت عنه الحرب العالمية الثانية من مواثيق ومعاهدات وتعهدات أممية عديدة، كذلك كرّست الفوضى الخلاصة العالمية النهائية لمفاعيل الانهيار السوفياتي، من خلال استعادة الأحادية القطبية ولو حتى حين، ومن خلال دفع روسيا إلى موقع طالب النجدة، بعد أن انزلقت إلى الوهدة الأوكرانية.

 

انتجت الحرب العالمية الثانية "عولمة" سياسية جديدة، تمثلت في التوافق على نظام دولي يقوم على مبادئ منظمة الأمم المتحدة، تتابع وتشرف على مسائل حفظ السلام الدولي، وتسعى إلى منع اندلاع حروب جديدة، وتؤكد على الوسائل السلمية في حل النزاعات. هذه "المنظومة" الأممية، معزَّزة بمجلس أمن الدول المنتصرة، وحقها في النقض، انزاحت إلى عولمة أمن جماعي، وإلى عولمة حقوق الإنسان، وإلى إدارة الجرائم الحربية التي تؤدي إلى الإبادة الجماعية، وإلى التعرض للحقوق الإنسانية.

وإذا كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هو "درّة تاج" العولمة السياسية، فإنّ التطورات اللاحقة، والراهنة، قد أسقطت تلك الدرّة، وبأساليب مريعة، فوق الأرض الفلسطينية عموماً، وفي قطاع غزّة على وجه الخصوص.

لم تكن العولمة السياسية وحيدة في سقوطها، بل إنّ سقوط فرعياتها الأمنية والاقتصادية والمالية قد سقطت معها، وكان الأهم من كل ذلك، سقوط الآمال "الأممية" بقيامة عالم بلا حدود، والاعتقاد بنشوء "قرية كونية" تكون مطابقة لاسمها.

الوقوف على حال السياق العالمي، وإضافة كلمة الفوضى إليه، ضروري لتبيّن أحوال "الأمركة" التي تعتمد جهراً وعلانية، مبدأ "الحق للقوة"، والحرية تكون فقط حيث تطأ أقدام الجنود، والغاية توسيع مدى السيطرة على الموارد، كردّ "ناجع" وحيد، على معالجة الأزمة الرأسمالية الخانقة التي تلفّ العالم بأسره، بعد أن اندلعت نارها من داخل الإمبراطورية الأميركية منذ العام 2008، ولم تفلح كل الإجراءات في تلافي انعكاساتها.

 

إذن الأمركة التي بدأت مع الرئيس بوش ما بعد السوفيات، تطورت إلى أميركا أولاً مع الرئيس ترمب، وهي مرشحة لأن تعيد اتصالها الوثيق بما كان للولايات المتحدة الأميركية من حروب، وفق شعارات تلمع عمومية، لكن شحوبها "القاري" الأميركي لا تخطئه عين.

في إزاء هذه الأمركة المنفلته من عقالها، ماذا عن الحالة العربية؟ وفي الإطار العربي، ماذا عن الأحوال اللبنانية؟ ومع الواقع العربي العام، ماذا عن التوسعية الإسرائيلية المهجوسة بأمنها، المنقادة إلى سلام مع جوارها لا يعدو كونه استسلاماً ملطّفاً بعبارة التطبيع أو السلام أو الفائدة الإقليمية المشتركة؟ هذه الأسئلة وغيرها يجب أن تظل في مدار المراقبة والمتابعة، القريبة والبعيدة، أما الأسئلة اللبنانية في سياق الفوضى العامة، فيجب أن تكون في إطار المعالجة اللصيقة، ما دامت الأمركة العامة قد أوكلت اليوميات إلى حليفها الإسرائيلي، وما دام هذا الحليف يتحرك على خريطة المصالح الأميركية، التي تحفظ مصالحه، فتسمح له بتحقيق ما يفيده، وتمنعه من الانزلاق صوب ما قد يلحق الضرر بخطة الأمركة العامة.

 

لبنانيّاً، وهذا بيت قصيد استعراض الظرف السياسي العام، سيظل اللبنانيون دولة ومؤسسات، مطالبين بالتحرك الواقعي العقلاني على خطين متلازمين متقاطعين متداخلين، هما خط الداخل اللبناني، بتعقيداته وبإشكالاته، وخطوط الخارج، العربية والإقليمية الدولية، بتقاطعاتها وبمقارباتها، وبسياساتها المختلفة. في هذا السياق ماذا عن السياسة اللبنانية؟

ليس تضخيماً مفتعلاً القول، إن الوضع اللبناني يواجه ظروفاً صعبة وحرجة، لذلك، يقتضي الإدلاء بقول واضح يتناسب وخطورة الأوضاع التي يواجهها المستقبل اللبناني: إعادة الاعتبار إلى النظر في أحوال الداخل الأهلي هو العنوان ذو الألوية القصوى، فالأساسي سيظل الانتباه إلى أن تفكك الداخل واصطراعه هما "البنية التحتية" للاستهداف وللتوظيف والاستثمار، الذي يأتي من الخارج.

الداخل المفكك اللبناني ما زال يدور حول موضوع السيادة الذي أُشْبِعَ مديحاً، وحول موضوع المقاومة الذي فاض كأس كلامه الهجائي. الاحتكام إلى لحظة الفوضى العالمية، يجعل الواقعية المسؤولة مدخلاً إلى تهدئة العناوين الخلافية. مدخل التهدئة شعاران اليوم، أحدهما يحرص في مداخلته وفي ممارسته على إفهام من يعنيهم الأمر، أن أصحاب الشعار هنا هم في صدد تمرير العاصفة الفوضوية من دون دفع كلفة مجانية عشوائية. أما الشعار الثاني فهو المطلوب من قبل فريق المقاومة، والذي يجب أن يكون واضحاً في إحالته أمر قرار الحرب والسلم على المؤسسات الرسمية الوطنية.

من السياسة المسؤولة الطبيعية، ألاّ يكون تمرير العاصفة فعل انبطاح أمام حرب اللغة المتداولة، وألا يكون الإقرار بمسؤولية "الدولة" عن كل الشؤون الدولتية، السلمية والحربية، فعل استسلام مزدوج من قبل المرجعية الرسمية، أو من قبل البيئة الوطنية الشعبية العامة.

حصيلة هكذا سياسة شعبية ورسمية مشتركة، شعار أوحد: أين تكمن المصلحة الوطنية في هذه المرحلة الفوضوية؟ وما السبيل إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، إذا كان الربح القليل غير متاحٍ بسبب أحكام المرحلة ذاتها؟

 

في الجواب عن المصلحة الوطنية، يجب منع كل سياسة تسيء إلى هذه المصلحة، ما كان منها من سياسة اللعب الداخلي، أو ما كان منها من سياسات التلاعب الخارجي. في هذا المضمار، تصير المصلحة الوطنية مقياس كل سياسة، وعلى ذلك يمكن فرز من "بكى" وطنيّاً، عمّن "تباكى" من خارج كل سياق وطني. المقياس المصلحي الداخلي، هو المقياس في وجه الخارج أيضاً.

للنقاش، ولمراجعة الحسابات، لا يستطيع لبنان، وفي هذا الوقت تحديداً، أن يكون خارج الحصيلة العربية العامة، في موقع إدارة المسائل العربية عموماً، وفي موقع تحديد ما يستطيعه لبنان وما لا يستطيعه ضمن سياسات الإدارة العامة.

أمر آخر، سيكون مرفوضاً كل تدخل إقليمي يستغل البلد كمنبر لأقواله، وكميدان لتثمير سياساته وأفعاله. نشير إلى إيران وإلى علاقتها الخاصة بطيف لبناني واسع، للقول إن على السياسة الإيرانية، التي تصيبها سهام أضرار الفوضى العالمية، أن تقيم مع لبنان، ومع المحيط العربي علاقة لقاء بين المتضررين حالياً من تطورات السياسة العالمية، الأميركية وغير الأميركية.

نستطرد من ذلك إلى القول، إن انكفاء السياسة الإيرانية عن لغتها اللبنانية السابقة، هو بمثابة واجب، ورد جميل للبنانيين الذين أعطوا إيران ولم يأخذوا منها، والذين خاصموا سياساتها، لكنهم لم يبلغوا مع الجمهورية الإسلامية حدود العداء.

 

تتسع لائحة لقاء المتضررين إقليمياً، مثلما تتسع للجيران الأبعدين الراغبين بدرء مخاطر اللغة الاستحواذية الغربية، بلغة عرض التسويات، وبلغة الحوار معها والالتفاف عليها، ما دامت المواجهة الآنية غير ممكنة، وما دام الصمود الآمن غير متوفر في المدى المنظور.

هل يفضي العرض السالف إلى خلاصة تقول بتأبيد الموازين الدولية الحالية أو القول بديمومة الحالة الفوضوية وباستدامة عشوائية وعدوانية سياساتها؟ الجواب هو أنه ليس من الواقعي افتراض ذلك، ما دامت الحركية صفة ملازمة للحياة. لكن مما يجب الانتباه إليه، هي أن الحركية من فعل فاعلين، فإن غاب هؤلاء طال أمد الفوضى، فإن هدأت، كان الهدوء حصاداً صافياً لمن افتعل الفوضى، ولمن أحسن إدارتها عند هبوب عاصفتها، ولمن أجاد لحظة تثميرها عندما آن القطاف.

في غياب الفعل، يتفاقم التفاوت، وفي غياب الاعتراض المدروس، تتعمق التبعية، ويطغى الاستغلال، فهل ستكون مبادرات عربية ولبنانية لاختيار سياسات الفعل المناسبة؟ وماذا عن سائر المتضررين.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث