وضع اجتماع دار الفتوى اليوم حدًّا لكلّ التكهنات والنقاط الخلافية الأخيرة، مساهِمًا في توحيد موقف المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وذلك بحضور ودعم رئيس الحكومة نواف سلام، في إطار دعم متبادل بينه وبين المجلس، وتوحّدٍ في مقاربة قضية أبو عمر، التي لم تعد تترتّب عليها أي تداعيات على دار الفتوى.
وعلى مستوى الساحة السنيّة، سُجِّلت جملة من التوضيحات لم تظهر إلى العلن حول ملفات كان يشوبها بعض الالتباس، ولا سيّما في ما يتعلّق بالتعيينات الإدارية وملف الموقوفين الإسلاميين والسوريين، ما أسهم في تكريس مبدأ الشورى، تمهيدًا لإطلاق ورشة إصلاح بدأت ملامحها تظهر، في خطوة لافتة لم يتّخذ فيها المفتي دريان أي إجراءات إقصائية بحق معارضيه داخل المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، على الرغم من الدعوات التي طالبت بتقديم استقالته على خلفية التشكيك بشرعيته.
جلسة مفصلية لكل القضايا
وفي هذا السياق، أكد عضو المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى كفاح الكسار لـ"المدن"، أن" المفتي دريان تعامل بأبوية تجاه القاضي حمزة شرف الدين ومنع الغمز حتى تجاهه بعد أن دعا لاستقالة المفتي"، مشدداً على أنه " لن يتم اتخاذ أي إجراء بحقه وهو عضو ينتمي إلى المجلس الشرعي يمثل منطقته وإخراجه أو إبقاؤه يحتاج إلى إقناع كل أعضاء المجلس".
ودعا القاضي حمزة إلى أن "يرجع للمجلس وأن يعبر عن صدقه وغيرته واحترامه لدار الفتوى في الدائرة الضيقة، منعاً لاستغلال هذا الخلاف لصالح المتربصين بأهل السنة في لبنان"، معتبراً أن "المفتي دريان هو رأس الطائفة السنية التي يجب أن نجلها، وأن احترامنا له هو جزء من احترامنا لهويتنا، وأننا جمعينا غير معصومين عن الخطأ، إلا أنه الأجدر بنا أولاً تصحيح الأخطاء قبل أي شيء آخر".
وعن الخلافات السياسية السنية، لفت الكسار إلى أن "جلسة اليوم كانت محطة مفصلية لإعادة ترتيب البيت السني الواحد والاتفاق على اعتباره واجباً أخلاقياً وشرعياً".
وفي ما يخص قضية الأمير المزعوم "أبوعمر"، أوضح أنه "لم يتم التطرق إلى هذه القضية خلال اجتماع المجلس الشرعي، إلا أنه في الخلوة بين سلام والمفتي دريان، اتفق الطرفان على أنه لا غطاء لأي أحد مهما علا شأنه في هذه القضية، وأن القضاء هو الحاكم الأوحد فيها".
لا تفريط بحقوق السنّة
وإلى ذلك، أشار الكسار إلى أنه "خلال اجتماع المجلس مع سلام، أثبت أن التفريط بحقوق الطائفة السنية في التعيينات الإدارية، لا صحة له، شارحاً بأن المقتضى الإداري هو من يحكم توزيع الوظائف في الإدارات بمنهج خوازمي"، وبحسب الكسار أعطى مثالاً عن تكليف القناصل اللبنانيبن في الخارج، بأنه حين عيّن ماروني في قنصلية ملبورن في أستراليا تم استبدال القنصل الماروني في البرازيل بقنصل سني".
وعن ملف الموقوفين الإسلاميين، ذكر الكسار أنه "تم وضع خطة خلال الاجتماع لتشكيل فريق من دار الفتوى لمتابعة هذه القضية حصرياً ومباشرة وبشكل يومي مع الرئيس سلام". أما بخصوص ملف الموقوفين السوريين، قال الكسار، إن "سلام أكد حرفياً في الاجتماع أنه يريد إنهاء هذا الملف ليعطيه كهدية للإدارة السورية، لأن سلام اعتبر أن سوريا تحيط لبنان من أكثر من ثلاثة أرباع مساحته الحدودية ولا يمكن أن نتخلى عن علاقتنا معها ابداً"، لافتاً إلى أن المشكلة تكمن في نصوص قانونية تقيد هذه العملية يحاول سلام مع دار الفتوى أن يجد لها مخرجات قانونية".
في المحصّلة، عكس اجتماع دار الفتوى محاولة واضحة لاحتواء التباينات الداخلية وإعادة ضبط آليات العمل داخل المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، في ظلّ تحديات سياسية وقضائية وإدارية متشابكة. وبين التأكيد على مرجعية المؤسسات الدينية ودور القضاء، تبقى الأنظار متجهة إلى الخطوات العملية المرتقبة لترجمة التفاهمات التي أُعلنت، ومدى انعكاسها استقرارًا على الساحة السنيّة في المرحلة المقبلة.
