في الأيام التي تتصدّع فيها الأنظمة، لا تُقاس الحقيقة بحجم الرصاص ولا بعدد المعتقلين، بل بلحظة صغيرة واحدة تفضح كل شيء: لحظة تعترف فيها السلطة -ولو من دون قصد- أنها فقدت الحق في الكلام باسم الله، وأن خطابها المقدّس تحوّل إلى ورقة مالية بائخة. ذلك ما فعله النظام الإيراني حين أعلن منح كل مواطن ما يعادل سبعة دولارات شهريًا لمدة أربعة أشهر، كرصيد لشراء سلع محددة، في محاولة لاحتواء غضب الشارع، بعد احتجاجات انفجرت بسبب الانهيار المعيشي.
قد يبدو القرار مسألة اقتصادية. لكنّه في الحقيقة إعلان سياسي عن انهيار مشروعٍ بكامله: الثيوقراطية لم تعد تملك شيئًا تقدمه سوى الفتات. وحين تصل الثيوقراطية إلى هنا، فهي لا تتراجع… بل تسقط.
جوهر الأنظمة الدينية ليس القانون، بل القداسة. وما يمنحها القدرة على الحكم ليس فقط احتكار العنف، بل احتكار السماء. لذلك، الشرعية هنا ليست سياسية قابلة للتفاوض، بل شرعية لاهوتية تُعامل المجتمع كقاصر، وتعامل الاعتراض ككفر، وتحوّل السياسة إلى امتحان إيماني: من يعارض يُشيطن. من يحتج يُتّهم بالفتنة. من يتألم يُطلب منه الصبر. لكن الشرعية اللاهوتية تحمل في داخلها تناقضًا قاتلًا: إذا فشلت في تأمين الحياة، تتحول إلى فضيحة دينية لا إلى أزمة سياسية.
إذا كان الإنسان في إيران يعيش في تضخم تجاوز 52%، وعملة فقدت أكثر من ثلث قيمتها خلال عام واحد، وحدّ أدنى للأجور يراوح حول 100 دولار، ومتوسط راتب قرابة 200 دولار، فإن إعلان السلطة سبعة دولارات ليس محاولة إنقاذ، بل دليل على أن السلطة خرجت من عالم المعنى إلى عالم الرشوة. سبعة دولارات هي لغة العجز حين تفشل الأيديولوجيا في إنتاج أي تفسير مقنع للألم.
كل أيديولوجيا -دينية كانت أو قومية أو ثورية- تؤدي وظيفة واحدة: أن تمنح الناس إطارًا يفهمون فيه حياتهم، ويبررون فيه الألم، ويقايضون به الحرمان بوعد أكبر. الثيوقراطية خصوصًا تحتاج معنى أكبر، لأنها تطلب من الناس تضحيات باسم "المطلق". لكن حين يتجاوز الألم قدرة الخطاب على تفسيره، تتآكل الأيديولوجيا من الداخل. وفي حالة النظام الإيراني، يأتي هذا الاعتراف كاملاً: إنه اعتراف بأنه لم يعد يمتلك من الثورة سوى الأجهزة الأمنية، ولا من الدين سوى استخدامه كغطاء، ولا من الدولة سوى قدرتها على القمع.
وهنا تحدث الكارثة: النظام يفقد سلطة التفسير، ولا يبقى له سوى سلطة العصا. والنظام الذي لا ينتج معنى، لا يحكم… بل يسيطر فقط.
هذه المرحلة هي الأخيرة في حياة الثيوقراطيات: مرحلة الحكم بصفقات صغيرة وعنف كبير. وحين تضطر ثيوقراطية إلى شراء شعبها، فهي لا تشتري الوقت فقط، بل تُوقّع، من حيث لا تدري، شهادة وفاتها. لذا، السبعة دولارات ليست ورقة نقدية… إنها شهادة وفاة.
