عندما يمسرح يحيى جابر "أساطير" الجماعات اللبنانية

يوسف بزيالخميس 2026/01/08
Image-1767876149
مع "القرنة البيضاء" يكمل جابر سيره البارع في حقل ألغام الجماعات وحكاياتها (حمزة الحريري)
حجم الخط
مشاركة عبر

لكل "جماعة" لبنانية أساطيرها، التي تختلط فيها الوقائع التاريخية والمعتقدات الدينية والأباطيل أيضاً. بعضها مدوّن وأغلبها شفهي، وشبه مقدسة قداسة الهوية الثابتة، والتي تتواجه حتماً مع هوية الجماعات الأخرى غير المأمونة الجانب أبداً. 

 

تلك الأساطير هي بتعريف أهلها "تابو"، لا يقاربها تشكيك أو نقد، ولا يجوز الخروج عليها. هي صانعة العصبية ومنبت كل سياسة، وناظمة بأعرافها للتراتبية والانتظام الاجتماعي. 

مع ذلك، تخزّن كل جماعة خطاياها وأسرارها السيئة وعيوبها وتتهامس بها، ولا بأس من السخرية منها (ومن الذات أيضاً)، شرط أن تظل حبيسة الأهل وفيما بينهم، لا تخرج إلى العلنية الفاضحة.

وبعد تواريخ من حروب أهلية و"فتن" وصدامات طائفية أو مناطقية، تصلبت تلك الجماعات وتفاقمت غرائزها ومخاوفها "الوجودية"، وتم النفخ بأساطيرها وتضخيمها على نحو يصعب تجاوزها. وبات لكل جماعة ثقافتها المغلقة، ولهجتها ومخيالها وتاريخها الخاص، ما يسهم حتى اليوم في استعصاء هوية وطنية جامعة. 

على هذا النحو، اعتاد اللبنانيون عدم نقد أي ظاهرة أو حدث قد يتصل أو يمس بـ"حساسية" جماعة أو طائفة. فهذا قد يجر إلى غضبها الذي لا تحمد عقباه، وقد يهدد ذلك "السلم الأهلي" ويمهد لفتنة. فأي انتقاد -ولو على نحو فني وكوميدي- يستدعي استنفاراً من ما يسمى المرجعيات الدينية أو الحزبية، التي لا تتورع عن التهديد بالعقاب أو تجيير القضاء لأحكام تعسفية وقمعية، بل وقد يسبب هكذا انتقاد اضطراباً سياسياً لا مانع من أن يتحول إلى صدامات مسلحة ودموية. 

 

في حقل الألغام هذا، سار يحيى جابر بمسرحه على نحو حاذق، لتفكيك تلك الاساطير من غير عداوة أو رغبة بالتحطيم أو الاستفزاز. وحمل ما هو مكتوم من أسرار وحكايا كل جماعة وأخرجها إلى علنية المسرح والفرجة والقول.

وسر جابر بعدم إثارة حفيظ هذه الجماعة أو تلك، هو التعاطف والتفهم أولاً، واستعمال لسانها ومخيالها، بل وفكاهتها الخاصة، وما تتهامسه هي، فتتمرأى ذاتها على مسرحه بلا تشويه، بما يرغمها على تقبّل "فضحها" مسرحياً. 

ثم أن انحياز جابر إلى أسلوب حكواتي حديث ورشيق، على خشبة متقشفة ومونودرامية، وصنعه لجمالية متأتية من أدوات بالغة البساطة وأغراض أليفة ومنزلية، إنما يبتدع فضاء حميمياً وعاطفياً ومفعماً بمتعة الفرجة والإنصات.

ومن قوة الفن وإغوائه، وحميمية الحكواتية يتحصن النص والتمثيل من أي شبهة "اعتداء" أو "تجريح"، ويكتسب المسرح شرعية تفكيك الحكايات "المقدسة".  

من "ابتسم أنت لبناني" إلى "الطريق الجديدة" و"من كفرشيما للمدفون"، و"مجدرة حمرا" و"شو منلبس"، يصل اليوم إلى محطة جديدة مع مسرحية "القرنة البيضاء".

 

من أجل عمله الجديد هذا، غامر جابر مستكشفاً تلك الجماعة المارونية الشمالية، القابعة بين زغرتا وإهدن، بصحبة الممثلة ماريا الدويهي ابنة تلك "البيئة" وسليلة إحدى أشهر عائلاتها.

على مستوى أول، كان على جابر أن يستمع ويدون وينبش ذاكرة الجماعة وأمكنتها ومروياتها وأسرارها، قبل أن "يفنتزها" (من فانتازيا)، أي لتتموه السردية الأهلية بما هو مخترع وخيالي وافتراضي، تماماً كما يفعل فن الرواية الحديث. فليس عمله تأريخياً بقدر ما هو ابتداع نص يخضع لدراماتورجية مسرحية، صنيعة جابر وحده، الذي يمزج المفارقة الشعرية بالخفة الكوميدية، في سردية لا تخلو من قسوة درامية صادمة ومحزنة. وهو دوماً يدوّن نصه بلهجة موضوعه المحلية: جنوبية، بيروتية، جبل-لبنانية، وزغرتاوية. فيكون الصوت طالعاً من حنجرة أهله، ما يمنحه قوة إيحائية وتعبيرية.

بالطبع، ليس المسرح هنا لتكريس السردية السائدة ولا لتمجيدها، بل العكس. المسرح يصير عملاً تطهرياً، أو طقساً للتخفف من وطأة هذا "التراث" المتصلب، وتفكيكاً للحكاية ولما هو تابو ومقدس.

على مستوى ثانٍ، كان على ماريا الدويهي أن تدخل ورشة جابر، وتكتسب "طريقته" في التمثيل. أي أن تخون هويتها المسرحية والتمثيلية (وهي أستاذة مسرح). وبهذا المعنى، كان على جابر أيضاً أن يفكك لغتها الجسمانية ويعيد تأليف جسد تمثيلي، جديد على الدويهي تماماً. ومستثمراً في الوقت نفسه، قوتها وبراعتها في الغناء بصوت نقي.

تبدو الدويهي، بجسدها الجبلي الممشوق ووجهها "الأيقوني"، وصوتها الأوبرالي، والمتحولة باستمرار على خشبة المسرح ما بين نسوة ريفيات فلاحات أو قديسات أو سيدات بيوت.. وكأنها عصف درامي لشخصيات متراكبة ومنفجرة من جسد واحد.

 

مع "القرنة البيضاء" يكمل يحيى جابر سيره البارع والجذاب في حقل ألغام الجماعات وحكاياتها. أما أداة نجاته فهي هذا الانحياز العميق والدائم لحساسية النساء ومنظورهن ولسانهن في الروي. وغالباً ما يكون ذلك تهفيتاً للذكورية وعنفها المجاني والأبله.

ومن هذا التهفيت بالذات، ينجح جابر (ونساؤه) في تفكيك تلك الأساطير التي تكبل الجماعات وتحيلها كتلاً مأزومة أبداً.

 

(*) تعرض المسرحية على خشبة "المونو" في بيروت.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث