يترقّب حزب الله في هذه الفترة سياق التطورات في المنطقة، وعينه على جلسة الحكومة التي يُفترض أن تشهد عرضاً رسمياً للتقرير الرابع والأخير لقيادة الجيش حول حصرية السلاح في منطقة جنوب الليطاني، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية في شمال الليطاني. قائد الجيش، الذي سيشارك في الجلسة، سيعرض حصيلة العمل في المرحلة الأولى من الخطة جنوب الليطاني.
لكن، وفي كل الحالات، استبقت إسرائيل التقرير بتصعيد جنوب الليطاني وشماله، في رسالة تقول إن إسرائيل ستنفّذ المهمة في حال لم يكن الجيش مهيّأً لتنفيذها. وستكون خطة شمال الليطاني ذريعة لتصعيد بات محتوماً، وتبلغ به حزب الله والدولة اللبنانية، لأن إسرائيل في كلا الحالين لم تكن لتركن إلى الجيش وتثق بمهامه. وكل التقارير الصادرة من ناحيتها تتحدث عن ضربة وشيكة، غير معلوم توقيتها أو حدودها الجغرافية.
السلاح مقابل مهلة غير محددة
في لقاءات عدة للسفير الأميركي في لبنان، لم يُخفِ عزم إسرائيل على الاستمرار بتوجيه ضرباتها إلى مناطق مختلفة من لبنان. ويطلب عيسى، الذي بات يمسك منفرداً بملف لبنان، من الدولة اللبنانية إقناع حزب الله بإعلان التعاون وتسليم سلاحه شمال الليطاني بعد جنوبه، وله مقابل هذا الإعلان مهلة غير محددة لتحقيق ذلك.
تتمنى الولايات المتحدة أن يكون التعاطي مختلفاً من رئاسة الجمهورية، وأن يُطلب من حزب الله الالتزام بتعهده بخصوص سلاحه مقابل تعهدات من الرئيس دونالد ترامب. لكن لبنان، الذي يتلقى تهديدات متتالية بمواصلة الحصار الدولي عليه، لا يزال متمسكاً بخطوة إسرائيلية مقابلة للانتهاء من تنفيذ حصرية السلاح جنوب الليطاني، ليتسنى للجيش الإعلان عن انتهاء العمل في المرحلة الأولى.
إلا أن هذه المرحلة قد لا يُعلن الجيش انتهاء العمل منها رسمياً لوجود نقاط عدة لا تزال خاضعة للاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يجعل الانتقال إلى المرحلة الثانية غير ممكن. وسواء أُعلن الانتقال إلى المرحلة الثانية أم لا، فإن المعطيات المتوافرة لدى الدولة كما حزب الله تشير إلى أن اجتماع ترامب مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو انتهى إلى تسليم الأخير ملف لبنان ومنحه ضوءاً أخضر لتنفيذ ضرباته للمزيد من الضغط لسحب السلاح، تحت ذريعة منع وجود تهديد لإسرائيل على حدودها.
ومن باب الضغط، جاء اجتماع لجنة "الميكانيزم" مقتصراً على حضور العسكريين نتيجة خلل أصاب هذه اللجنة، تمثّل أولاً في عدم حسم مصير الموفدة مورغان أورتاغوس في اللجنة التي تغيبت عن اجتماع الأمس، بعدما رفضت الولايات المتحدة اقتراحاً بتمثيل فرنسا بمدنيين في اللجنة. وهي لا تُخفي عزمها تقليص فعالية الفرنسيين كما اليونيفيل في عداد المشاركين.
المحاولات الأميركية قد لا تمنع حضور الموفد الفرنسي جان إيف لودريان الاجتماع المقبل، لكن حضوره سيكون شكلياً بالنظر إلى دور فرنسا الخجول في اللجنة مقارنة بدور الجانب الأميركي ومحاولاته اختصار اللجنة لتكون ثلاثية التمثيل، مقتصرة على وجوده إلى جانب لبنان وإسرائيل، تمهيداً للمفاوضات.
تقديمات من دون مقابل
رغم كل ما أعلنه لبنان من استعداده للتفاوض وقبوله ورقة توم باراك التي أقرتها الحكومة، لم يتلقَّ أي مقابل من قبل أميركا، ولو على سبيل الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها أو الانسحاب من النقاط التي تحتلها. فمن ورقة باراك التي انتهت مفاعيلها إلى زيارات أورتاغوس المكوكية، باتت كل المساعي مقتصرة على مسألة استمرار إسرائيل في العدوان حتى سحب السلاح. وأكثر من ذلك، فإن المعلومات التي توافرت للمسؤولين في لبنان تقول إن لقاء ترامب–نتنياهو أفرز مجموعة عوامل، من بينها ترجيح ضربة إسرائيلية وشيكة على إيران، وإطلاق يد نتنياهو في لبنان، وتوسيع هامش دور تركيا في سوريا التي تريد الولايات المتحدة ضمان استقرار النظام فيها.
المشهد العام يؤشر إلى أن لبنان لا يزال رازحاً تحت ضغوط أميركية – إسرائيلية قوية، عبّر عنها السفير الأميركي في لبنان الذي يستفسر في زياراته للمسؤولين عن إمكانية تجاوب حزب الله مع مقترح تسليم سلاحه، ويعتب على من يتعاطى معه بمرونة، لدرجة أن عيسى أثنى في إحدى جلساته على مواقف رئيس حزب القوات سمير جعجع، سائلاً لماذا لا تكون للرئاسة الأولى مواقف مشابهة حيال حزب الله.
السفير، الذي يبدو مُلِمّاً بحساسية الوضع اللبناني الداخلي على المستوى الشخصي، يتمسّك بموقف بلاده المتشدد حيال حزب الله، ويؤكد أن لا حل إلا بتسليم السلاح، وإلا فالمزيد من الضغط.
ما يؤكد أن المسار الأميركي–الإسرائيلي خرج عملياً من منطق الحوافز إلى منطق الإكراه. المطلوب واضح: سحب السلاح شمال الليطاني، والوسيلة هي التصعيد المفتوح، بتفويض سياسي مباشر. السيناريوهات المرجّحة، تصعيد متدرّج بضربات متقطعة شمال وجنوب الليطاني لرفع الكلفة السياسية على الدولة والحزب.
الوقت ليس في صالح الانتظار. الخيارات تضيق، والقرار يُصنع خارج بيروت، بالمقابل، فإن حزب الله، الذي يخوض نقاشاته مع الوسطاء، لا يزال متمسكاً بموقفه القاضي بعدم القيام بأي خطوة إضافية، أو إصدار أي إعلان نوايا أو بيان رسمي كما طلبت واشنطن، ما لم تلتزم إسرائيل بوقف عدوانها. فماذا ستفعل الحكومة؟ وكيف سيتصرف رئيسها الذي استبق بيان الجيش بالقول إن حكومته مساعدة للانتقال إلى شمال الليطاني بينما لم تمنحه إسرائيل أي خطوة بالمقابل.
