الحدث الفنزويلي والدولة الأميركية العميقة

مصطفى علّوشالخميس 2026/01/08
Image-1767811956
لم يأت ترامب من خارج المنظومة الراعية للسلطة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"السيف أصدق إنباءً من الكتب   في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف   في متونهن جلاء الشك والريب" (أبو تمام)

 

يُستَخدم مصطلح الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأميركية بطرقٍ مختلفة، وغالبًا ما يحمل معاني سياسية وإعلامية أكثر من كونه مفهومًا علميًا دقيقًا. فيما يلي عرضٌ تحليلي موجز يوضح أصول الفكرة وكيف تُفهم عادةً. يشير المصطلح في الخطاب العام إلى فكرة وجود شبكةٍ من المؤسسات والبيروقراطيات والأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخبارية التي تمتلك نفوذًا مستمرًا عبر تغيّر الإدارات المنتخبة، وتؤثر في صياغة القرار والسياسات الاستراتيجية، وتعمل وفق منطق مؤسسي طويل الأمد يتجاوز دور السياسيين المنتخبين، غير أن هذا الاستخدام ليس متفقًا عليه أكاديميًا، وغالبًا ما يرتبط بالسجال السياسي.

 

ظهر مفهوم الدولة العميقة تاريخيًا في سياقات أخرى مثل تركيا ومصر وباكستان، لوصف تداخل أجهزة أمنية وعسكرية مع شبكات نفوذ غير خاضعة تمامًا للرقابة الديمقراطية، أو علاقات بين مؤسسات الحكم ومصالح اقتصادية وسياسية متجذّرة، ومع الوقت انتقل المصطلح إلى الخطاب الأميركي، خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر والحروب الخارجية، حيث جرت نقاشات حول دور أجهزة الاستخبارات. كما زاد الجدل حول تسريب المعلومات وملفات الأمن القومي بالإضافة إلى تصاعد الشعبوية السياسية.

هناك ثلاث مقاربات رئيسية لفهم هذا المصطلح. فيرى بعض الباحثين والنقاد أن الدولة العميقة في الولايات المتحدة تعني أن هناك وزناً كبيراً للمؤسسة العسكرية-الصناعية كما نفوذ أجهزة الاستخبارات والأمن القومي والبيروقراطية الفيدرالية الضخمة وشبكات الخبراء واللوبيات ومجمّع الشركات مع الحكومة. وهذا الأمر يتقاطع مع تحليلات قديمة تحدثت عن المجمع الصناعي-العسكري أيام الرئيس أيزنهاور ونخبة القوة. لكن هذا الأمر لا يُفترض وجود مؤامرة خفية، بل منظومات مصالح مؤسسية مستقرة. بعض التيارات السياسية تستخدم المصطلح للدلالة على مقاومة البيروقراطية غير المنتخبة لبرامج الحكومات الجديدة، أو تصوير المؤسسات الرسمية كخصمٍ لإرادة الشعب، ويشيع هذا الاستخدام في الحملات السياسية والإعلام الحزبي.وتظهر أحيانًا روايات تتحدث عن شبكة خفية تتلاعب بالسياسة والاقتصاد والإعلام، لكنها قراءة غير مدعومة بأدلة موثوقة وتميل إلى التبسيط أو التهويل من دون تبيان القرائن المؤكدة.

 

الأبحاث الأكاديمية الجادة تميل إلى الحديث عن مسألة استمرارية الدولة البيروقراطية عبر الزمن، مع سيادة منطق المؤسسات الأمنية والعسكرية واستمرار توازن القوى بين الكونغرس/الرئاسة/الأجهزة التنفيذية من دون غلبة لأي منها، كما وجود شبكات المصالح واللوبيات. الأبحاث هنا تُفسَّر هذه الظواهر غالبًا بوصفها ديناميات مؤسسية معقّدة لكنها ليست سلطة سرّية موحّدة. من هنا، يستنتج الباحثون أنه، في السياق الأميركي، الدولة العميقة ليست كيانًا واحدًا منظمًا، بل هي تعبير سياسي عن الفجوة بين السلطة المنتخبة المتغيرة حسب نتائج الانتخابات والبيروقراطية الدائمة. 

ولكن، مع ذلك، توجد بالفعل مراكز نفوذ مؤسسية قوية تستحق الدراسة النقدية. وهنا من الواجب التمييز بين التحليل المؤسسي الجاد والتفسيرات المؤامراتية ذات الطابع الشعبوي. فمن الواضح هو أن الاستمرارية والثبات السياسي في الولايات المتحدة لا ينتجان عادةً عن كيان سري، بل عبر البيروقراطية الفيدرالية المستدامة في وزارتي الخارجية والدفاع وأجهزة الاستخبارات والخزانة والمؤسسات الاقتصادية والدبلوماسية والمناصب المهنية غير السياسية. فهذه الأجهزة المستدامة مع تغيير المؤسسات المنتخبة، تمتلك ذاكرة مؤسسية طويلة وتعمل وفق تخطيط بعيد المدى لكونها لا تتغيّر بالكامل مع الانتخابات.

المؤكد هو وجودشبكة المصالح والتحالفات تشمل المجمع الصناعي-العسكري وشركات التكنولوجيا والطاقة ومراكز التفكير وجماعات الضغط. لكن هذه الجهات ليست تنظيمًا خفيًا، وإنما هي قوى مستدامة رغم نتائج الانتخابات، وهي تدفع نحو سياسات مستقرة تقاوم التغييرات الجذرية المفاجئة، وتفكر بمنطق استراتيجي لا انتخابي. فالنظام الأميركي صُمم بحيث يحدّ من التقلبات الحادة الناتجة عن الانتخابات ويوزع السلطة بين الكونغرس والرئاسة والقضاء، ويفرض آليات بطيئة للتغيير. وهذا يجعل السياسات الكبرى، خصوصًا الأمنية والعسكرية والاقتصادية، أقل خضوعًا لمدّ وجزر السياسة الحزبية.

 

هل هذا يعني أن الديموقراطية مجرد غطاء لاستمرار الثابت في السلطة؟ يمكن النظر إلى المسألة بطريقتين. فهذه البنية تحول دون المغامرات السياسية المفاجئة وتحمي الالتزامات الدولية، كما توفر استمرارية في السياسة الخارجية والأمن القومي. أي أنّها نوع من تعقل الدولة طويل الأمد. في المقابل، هي تجعل التغيير الديمقراطي الفعلي صعبًا، وتحد من قدرة الناخبين على تغيير المسار الاستراتيجي، وتمنح المؤسسات غير المنتخبة وزنًا أكبر من الإرادة الانتخابية. وهنا تظهر الدولة العميقة كبيروقراطية تمتلك قوة فوق–سياسية بحكم الواقع لا بحكم المؤامرة.

هذه القوى لا تتحكم مباشرة في نتائج الانتخابات، أي التزوير مثلًا، لكنها تؤثر بشكل قوي وغير مباشر فيما هو ممكن وما هو مقبول وما هو قابل للفوز سياسيًا، عبر منظومة واسعة من التمويل والإعلام والبيروقراطية والخبراء ومراكز القوى.

ففيمرحلة ما قبل الانتخابات، هناك مجموعة من الفاعلين يقومون بترسيم نطاق الخيارات الواقعية، وهم الممولون الكبار وحملات التبرع والأحزاب والقيادات الداخلية وجماعات الضغط مثل اللوبي اليهودي و"وول ستريت"، وقطاع الطاقة، كما مراكز التفكير والخبراء الأمنيين، والأهم، الإعلام والمؤسسات الأكاديمية. أثرهم الأساسي هو في دعم مرشحين منسجمين مع الإجماع الاستراتيجي، وتهميش الأصوات الراديكالية أو غير الموثوقة مؤسسيًا، ومن ثم صناعة صورة من هو المرشح القابل للحكم. وهكذا تتقلص الخيارات قبل أن يختار الناخب.

من ثم، يجريتشكيل الرأي العام عبر الإعلام والخطاب الأمني. فالإعلام الأميركي، رغم تعدديته، متشابك مع المؤسسات الأمنية وشبكات المال والاقتصاد ودوائر السياسة الخارجية. والإعلام يؤدي دوره عبر تحديد ما هو تهديد، أو مصلحة وطنية، أو حليف، أو خصم، وتكثيف خطاب الخطر من روسيا، الصين، الإرهاب… وتهميش رؤى بديلة للسياسة الخارجية أو الاقتصادية. ومن ثم، لا يُفرض على الناخب ماذا يصوّت، بل يُشكَّل إطار التفكير الذي يُصوِّت من خلاله، وهذه العملية أقرب إلى توجيه إدراكي لا سيطرة مباشرة.

 

القوة الأكبر تأتي من التمويل، أي من المتبرعين الكبار مقابل النفوذ السياسي والشركات الكبرى وجماعات المصالح القطاعية ولجان العمل السياسي. من يملك التمويل هنا يتحكم بوصول الرسائل الإعلامية، ويرفع من فرص منافسة مرشحه ويضع أجندة القضايا الأساسية. هذا حتمًا لا يعني تزوير التصويت، بل يعني جعل الترشح خارج الإجماع المؤسسي مستحيلًا.

أما الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية، فتؤثر عبر تقديم تقديرات تهديد محددة وضبط الخطاب العمومي حول المخاطر، وتفضيل المرشحين المنضبطين استراتيجيًا، وتسريب أو تقييد معلومات في لحظات حساسة أحيانًا. لكنها لا تدير العملية الانتخابية ولا تملك شرعية قانونية للتدخل المباشر، لكنها تؤثر في توجيه مسار النقاش الوطني.

ومن المنطقي الاستنتاج هنا أيضًا بأن ذلك يحدّ من حرية الاختيار الفعلي، ويحوّل الديمقراطية إلى إدارة داخل حدود مرسومة مسبقًا، ويجعل التغيير الجذري شبه مستحيل. بعبارة مختصرة، فإن الناخب حر في الاختيار، لكن داخل فضاء سياسي جرى تشكيله ضمن المؤسسة مسبقًا.

 

لماذا كل هذا الكلام الآن، والعالم منشغل بفعلة دونالد ترامب في فنزويلا، ويتطلع إلى ما بعدها وكأنه خارج السياق التاريخي، ومرتبط بفعل وجود "شخص استثنائي"، كاوبوي الطابع، في سدة الرئاسة في أميركا، لتظهر وجهها الاستعماري الذي يستخدم القوة الجامحة لتغيير وقائع السياسات الدولية، بدل الاكتفاء بإظهار وجه "القوة الناعمة" ومسار الديموقراطية والحريات العامة والجامعات المتميزة ومسار المؤسسات المستقلة، التي ترعى القوانين وتحمي الدستور وتضع حدًا لطغيان الحاكم. رغم تلك الضوابط الحقيقية، فإن الحاجات الدولية والمحلية لتبقى الولايات المتحدة على ناصية العالم، تتطلب استحضار فترة من الزمن يمكن فيها تجاوز القوة الناعمة واستخدام الردع الفج. والعالم بمختلف توجهاته السياسية، عليه مراعاة الأمر الواقع الذي يفرضه وجود شخصية ترمبية أو بوشية أو غيرها من الأسماء، حسب الظروف، حتى تحدث "التعديل" العالمي المطلوب، ومن ثم تأتي إدارة جديدة تنطلق من الواقع الجديد الذي فرضته ولاية رئيس استثنائي. عندها يتنفس العالم الصعداء لعودة الرشد إلى الإدارة الأميركية وعودة مسار القوة الناعمة المدججة بالتكنولوجيا والاقتصاد والديموقراطية وحقوق الإنسان. هذا يعني أن ترامب لم يأت من خارج المنظومة الراعية للسلطة في الولايات المتحدة، وإنما جاء لمهمة "سواد الوجه" من أجل استمرار المنظومة وليس ضدها. 

 

إن ترابط القوة العسكرية مع القوة الناعمة وقوة الاقتصاد ليس ترابطًا عرضيًا، بل يُشكّل ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ"القوة الشاملة للدولة". كل عنصر يعزز الآخر، وأي خلل في واحد منها يُضعف البقية. فالقوة العسكرية لا تقتصر على السلاح والجيوش، بل تشمل القدرة على حماية الحدود والموارد والردع الاستراتيجي ضد التهديدات وفرض الهيبة في الإقليم ودعم النفوذ السياسي. لكنها تعتمد بشكل مباشر على الاقتصاد. فالتسليح يحتاج تمويلاً وتقنية وصناعة. كما أن صيانة الجيوش والتكنولوجيا مكلفة، إضافة إلى أن البحث العسكري يستهلك موارد بشرية ومادية كبيرة.

من ناحية أخرى، الاقتصاد القوي يتيح للدولة تمويل الجيش والتحديث العسكري والاستثمار في التعليم والبحث العلمي وبناء البنية التكنولوجية وتحسين مستوى المعيشة (وهو عنصر القوة الناعمةً). كما يمنحها أدوات نفوذ غير عسكرية مثل فرض العقوبات الاقتصادية وتقديم المساعدات والتنمية، كما النفوذ المالي والاستثماري. هنا يظهر مفهوم القوة الذكية الاقتصادية في استخدام الاقتصاد للضغط أو الجذب من دون اللجوء للقوة العسكرية.

أما القوة الناعمة فتشمل الثقافة والفنون والتعليم والإعلام والرواية الحضارية والجامعات والدبلوماسية الأكاديمية ومكانة الدولة العلمية والطبية كما الجاذبية القيمية والنموذج الاجتماعي. وظيفة هذه القوة الأساسية هي بناء صورة إيجابية للدولة وكسب الحلفاء بدل إخضاعهم وخلق قبول دولي لسياساتها. لكن هذا يأتي بالتكامل مع القوة العسكرية التي تفرض الاحترام والقوة الاقتصادية التي تمنح القدرة والقوة الناعمة التي تمنح الشرعية.

 

وهكذا فإن الاقتصاد يمول الصناعات الدفاعية، والصناعات الدفاعية تقود الابتكار التقني، والابتكار التقني يعزز الاقتصاد في حلقة متكاملة. والتكامل مع القوة الناعمة يمنح الدولة صورة إيجابية لتحشد دعم الحلفاء وتبرر تحركاتها العسكرية مع امتلاك نفوذ سياسي أكبر. في حين أن الدولة المفتقرة للقوة الناعمة يُنظر لقوتها العسكرية كتهديد وتواجه عزلة دولية.

كما أن الدولة التي تملك نفوذًا اقتصاديًا وحضورًا ثقافيًا وشبكة تحالفات تستطيع تحقيق أهدافها بالنفوذ الدبلوماسي والضغوط الاقتصادية والاتفاقات الاستراتيجية من دون الحاجة لتدخل عسكري مباشر. وهذا ما يُسمى "القوة الذكية" في الدمج المتوازن بين القوة العسكرية والقوة الاقتصادية والقوة الناعمة. وهذا باختصار سر الولايات المتحدة الأميركية اليوم بدونالد ترمب أو من دونه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث