لم يعد ملف فلول النظام السوري مادة سجالية أو جزءًا من بازار التخوين السياسي، بعد أن تكشّف تباعًا من معطيات ميدانية وأمنية وإعلامية، تفرض مقاربة مختلفة لهذه الاشكالية من مختلف جوانبها.
إعادة التجميع خارج الحدود
لا تتعلق المسألة هُنا بأفراد هاربين أو بضباط سابقين يبحثون عن ملاذ آمن، بل بشبكة يُشتبه في أنها تعمل على إعادة تجميع قدرات عسكرية وأمنية خارج الأراضي السورية، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. ووفق المعلومات المتداولة، فإن هذه الشبكة تقوم على مثلث قيادي واضح: رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، في موقع رأس الهرم والمُمسك بمفاصل التمويل، يليه غياث دلّا، القائد السابق للواء 42، وسهيل الحسن، قائد القوات الخاصة السابق في الجيش السوري، والذي يلعب الدور الرئيس إعداداً وتنظيماً.
في هذا السياق، يُعطي اختراق هاتف سهيل الحسن -بحسب التقرير الذي بثّته قناة الجزيرة-دلالة تتجاوز البعد الإعلامي. فأخطر ما في المكالمة استدراج الحسن إلى القول من دون مواربة: "لدينا الكثير الكثير من المقاتلين من ضباط وجنود"، بدعم مباشر يقدّمه رامي مخلوف.
الأرقام المتداولة عن عدد هؤلاء المقاتلين، والتي تصل إلى نحو 168 ألف عنصر، بغالبيتهم داخل سوريا مع وجود جزء غير يسير داخل لبنان، تفتح الباب على أعداد إضافيّة. بحيث تشير المعلومات إلى وجود نحو عشرين طيارًا منتمين للنظام السابق، يتقدّمهم اللواء محمود حصّوري، يُعتقد أنهم يقيمون في أحد الفنادق داخل الأراضي اللبنانية. وجود بهذا المستوى من الحساسية لا يمكن أن يمر من دون غطاء أو علم أو تقصير فادح...
شمال لبنان مساحة لإعادة التنظيم
الأخطر من ذلك هو ما يُحكى عن تحويل أجزاء من شمال لبنان إلى مساحة إعادة تنظيم وتوجيه وقيادة. فالمعلومات تشير إلى تجهيز مكتب ضخم في منطقة الحيصة، على مسافة تقل عن تسعة كيلومترات من الحدود السورية، ليكون مقرًا لقيادة عمليات عسكرية. وتتكامل هذه الصورة مع الحديث عن قائد مجموعات لبناني يُدعى محمود السلمان في منطقة ضهر بشير، وعن مجمّع تدريب يُعرف بمجمّع عبود الأحمر في منطقة الحوشب، إضافة إلى معطيات عن وجود غياث دلّا في إحدى المناطق العكارية، ويُرجّح أنها المسعودية.
أما في جبل محسن، فتظهر أسماء يُقال إنها على صلة بهذه الشبكة، أبرزها شخص يُدعى دانيال، وآخر يُعرف بالجزّار، إلى جانب ما يُسمّى برؤساء حظائر، من بينهم ب. عثمان ون. إسماعيل. هذه المعطيات لم تبقَ في إطار التداول الإعلامي، إذ دفعت مخابرات الجيش اللبناني إلى تنفيذ مداهمات أسفرت عن توقيف ثلاثة مطلوبين.
وعن جبل محسن، يعاد اليوم طرح سؤال قديم لم يلقَ جوابًا : لماذا لم يُسلَّم سلاح الحزب العربي الديمقراطي إلى الدولة اللبنانية؟ وهل لهذا السلاح أي صلة مباشرة أو غير مباشرة بهذه الشبكات؟ ومن يملك القدرة أو القرار على الفصل بين "سلاح محلي" وارتباطات إقليمية محتملة؟
حدود سائبة
لا يمكن فصل كل ما سبق عمّا جرى يوم الجمعة في السادس والعشرين من كانون الأول، حين أُوقف اثنا عشر عنصرًا وضابطًا مرتبطين بالنظام السوري المخلوع أثناء محاولتهم عبور الحدود اللبنانية باتجاه محافظة تلكلخ في ريف حمص الغربي. كما لا يمكن تجاهل وصول تعزيزات وأرتال للجيش السوري إلى تلكلخ في الرابع من كانون الثاني 2026، في رسالة واضحة بأن ما يجري على جانبي الحدود مترابط وغير منفصل.
وحين جالت "المدن" على بعض المناطق الحدودية، بدت المعابر غير الشرعية حقيقة فاضحة أكثر منها سرًا أمنيًا..حيث بدت عشرات المعابر البعيدة عن أعين الرقابة مما جعلها تشكّل البنية التحتية لأي تحرّك عسكري أو أمني ضد حكومة دمشق.
رفض شعبي..والخوف من كيانات مذهبيّة
في موازاة ذلك، بدأت تظهر ملامح رفض شعبي واضح، تُرجم بتحركات سلمية عبر بيانات من بعض البلدات العكارية (تل معيان) ووقفات احتجاجية، كان آخرها الوقفة التي شهدتها بلدة الكواشرة، حيث عبّر المشاركون عن رفضهم القاطع لتحويل عكار وشمال لبنان إلى ساحة تحرّك للفلول أو إلى ملاذ آمن لمن ارتبطت أسماؤهم بجرائم تفجيرات ومجازر في سوريا ولبنان.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يتجاوز التفاصيل الأمنية: هل نحن أمام محاولة لإعادة خلط الأوراق في سوريا انطلاقًا من خارجها؟ وإذا كانت سوريا تتجه، ولو نظريًا، نحو مسار سياسي جديد، فهل يُراد للبنان أن يكون الخاصرة الرخوة التي تُدار منها معارك الماضي؟ وهل يعني ذلك فتح الباب، مرة أخرى، أمام سيناريوهات التقسيم وإنشاء كيانات طائفية ومذهبيّة تأتي على ما تبقى من كيانات وحدود رُسمت منذ سايكس–بيكو؟
بالمقابل، يلفت موقف النائب أشرف ريفي، الذي قال في اتصال هاتفي مع "المدن" إن "علاقات لبنان مع النظام السوري الجديد يجب أن تكون إيجابية، وألا يكون لبنان مقرّاً أو مستقرًا لمن يؤذي هذا النظام"، معتبرًا أننا أمام لحظة يقول فيها النظام السوري للبنان للمرة الأولى إنه يحترم سيادته.
غير أن احترام السيادة لا يُقاس بالتصريحات، بل بالوقائع، وأولها ألا يُستخدم لبنان منصة أو ساحة لتصفية حسابات سورية – سورية.
التردد ينذر بالخطر
الخطر اليوم لا يكمن فقط في ما يُحاك، بل في التردد في مواجهته بوضوح. فلبنان، الغارق في أزماته، لا يحتمل وطأة استضافة حروب الآخرين ولا فلولهم. وكل تأخير في مقاربة هذا الملف كقضية سيادية جامعة، سيحوّل السؤال من: هل هناك خطر؟ إلى: أين سيبلغ وما المحصلة..؟
