أقرّت الحكومة اللبنانية "قانون الفجوة المالية" بوصفه محاولة متأخرة لوضع إطار قانوني للأزمة: إخراج الانهيار من منطقة التعميمات والقيود والإجراءات الاستثنائية إلى مسار تشريعي يحدّد الخسائر ويضع قواعد لتوزيعها، ويُفترض أن يفتح الباب أمام إعادة هيكلة القطاع المصرفي والتفاوض مع صندوق النقد الدولي. خطوة ربما قاسية في تفاصيلها، لكنها على الأقل تحاول تحويل الكارثة من فوضى يومية إلى "قضية" لها لغة قانونية. وهذا بالتحديد ما يحتاجه الناس. ففي بلدٍ نُهبت فيه الودائع بلا ورقة رسمية، وتآكلت الأجور بلا قرار معلن، وتحوّلت المصارف إلى سجون أموال من دون محاكمات، يصبح أي إطار قانوني _مهما كان ناقصًا_ أفضل من استمرار الفوضى التي تُدار بالمزاج، وبالوساطات، وبالتعاميم التي تُغيّر مصير الملايين من دون مساءلة.
من هذه النقطة تحديدًا يمكن قراءة كثيرٍ من الضجيج الذي يعلو اليوم ضد "قانون الفجوة المالية". ليس لأن القانون مثالي، ولا لأن الاعتراض عليه بلا أساس، بل لأن جزءًا كبيرًا من معارضته لا يأتي من رغبة في المحاسبة، بل من رغبةٍ في احتكار سردية المحاسبة. هو رفضٌ لا يطلب مسارًا بديلًا، بل يطلب فقط أن تبقى المحاسبة شعارًا، وأن تبقى الأزمة في منطقة رمادية، حيث يمكن لكل طرف أن يُزايد أخلاقيًا من دون أن يقدّم أدوات فعلية لمساءلة أحد.
لكن الناس لا يعيشون في الشعارات. الناس يعيشون في الطوابير، في صيدليات باتت تبيع الأدوية بالدين، في سوق عملٍ ينهار يومًا بعد يوم. الناس يحتاجون إلى شيء واحد قبل كل شيء: خروج الأزمة من الاستثناء. لأن الاستثناء هو الجريمة الكبرى في لبنان: كل ما يُدار بلا قانون يُدار ضد الناس. وكل ما يبقى بلا إطار يبقى مفتوحًا على السرقة، والتمييز، والصفقات، وعلى مزيدٍ من السلب الذي لا يسمّيه أحد باسمه. في الفوضى دائمًا هناك من يربح، لكنهم ليسوا الذين يقفون في الطوابير.
القانون -أي قانون- يفرض أسماء، يفرض أرقامًا، يفرض تعريفًا للخسارة، ويضعها على طاولة الدولة بدل أن تبقى موزّعة على جيوب المواطنين بالقطّارة. لنبدأ من البديهي: الفجوة ليست اختراعًا تشريعيًا. إنها واقع قائم منذ 2019. المال لم يختفِ فجأة حين وُضع قانون، بل اختفى حين جرى تحويل الودائع إلى أرقام معلّقة في دفاتر مصرفية فارغة من القدرة على السداد. وما عاشه اللبنانيون خلال السنوات الماضية كان محاسبة معكوسة: الناس دفعوا الثمن، لا لأنهم مسؤولون، بل لأنهم الحلقة الأضعف. انهيار العملة، تآكل الأجور، القيود المصرفية، والتعاميم… كلها كانت أدوات توزيع للخسائر من دون أي مساءلة، ومن دون أي إطار قانوني يحدد من ارتكب ومن استفاد ومن غطّى ومن صمت.
قانون الفجوة المالية يضع لأول مرة سؤالًا في موقعه: الخسائر موجودة، فمن يتحمّلها؟ هذا السؤال وحده يوقظ الذعر. لأنه يعني أن مرحلة الإنكار تقترب من نهايتها، وأن مرحلة تحديد المسؤوليات يجب أن تبدأ. وهنا بالضبط تظهر البروباغندا: مزاد أخلاق في بلد بلا قضاء. من يصرخ أكثر يبدو أكثر محاسبة، ومن يرفع شعارًا أوسع يبدو أكثر ثورية، ومن يرفض القانون من دون أن يقدم بديلًا يبدو أكثر نقاء. لكن النقاء لا يُعيد الودائع، والشعار لا يفتح تحقيقًا.
في ظل هذا الواقع، يصبح القانون فرصة لتحويل السرقة غير المعلنة إلى ملف قابل للنقاش والمواجهة. لأن الناس، حين تُنظم الخسائر قانونيًا، يستطيعون أن يطالبوا بتعديلها، أن يحاسبوا من كتبها، أن يعترضوا على موادها أمام القضاء، وأن يواجهوا السلطة بحجج. أما حين تبقى الخسائر بلا قانون، فالناس لا يستطيعون إلا الصراخ.
ويُطلب من الضحية أن تصرخ بدل أن تُحاسِب. لأن الصراخ، هو البديل الرخيص عن العدالة: يُستهلك في الشارع وعلى الشاشات، ثم يعود كل شيء إلى مكانه. أما المحاسبة فتحتاج شرطًا أوليًا: أن تُحوَّل الخسارة إلى ملف، وأن تُحصر المسؤوليات بدل أن تُعوَّم، وأن تُستخرج الجريمة من الضباب إلى الورق. أما جعل المحاسبة شرطًا مسبقًا من دون وجود قانون، فمعناه ببساطة: إبقاء الدولة في منطقة اللاقرار؛ أي حيث لا ملفات تُفتح ولا وقائع تُثبت ولا سلطات تُلزم. إبقاء الأزمة بلا إطار يحدد أين حدثت الخسارة وكيف ومن استفاد منها، بحيث تبقى الخسائر موزّعة يوميًا على الناس بلا اسمٍ ولا توقيع. لذا فإن من يرتدي المحاسبة قناعًا.. لا يبتغيها حقًا.
