تحرّكنا في العام 2019 تحت راية "لبنان ينتفض" من أجل مواجهة نظامٍ سياسي لم يقدّم شيئاً سوى "لعنة الانتظار". واليوم، في العام 2026، سلّمنا الراية ونحن ننتظر مخلّصاً قد يجد حلاً للمسرحية التراجيدية التي نعيشها. البعض يريد مخلّصاً أميركياً قد ينقذنا من مغامرات إيران المأزومة. والبعض يريد مخلّصاً إيرانياً قد يحرّرنا من وصاية أميركية فُرضت على رؤوسنا بعد الهزيمة. الأول يريد "السلام" من الأميركي والثاني يريد "الكرامة" من الإيراني. الأول يريد "الازدهار الأميركي" المادي، والثاني يريد "الروحية الإيرانية" المعنوية. الأول يريد "العقل" من الولايات المتحدة، والثاني يريد "الروح والقلب" من الجمهورية الإسلامية. الأول يريد "الاستقرار" من استسلامنا لأميركا، والثاني يريد الهيبة من بندقية إيران العبثية.
لبنان ينتظر مبادرات الآخرين كي يفرح أو يحزن. نعم، حجمنا اليوم يُقاس بقدرتنا على تقييم مشاعرنا: نُدين، نرحّب، نستنكر، نستقبل، وننتظر. ننتظر مصيرنا وهو يُحدَّد على طاولات التفاوض بين محاور ودول لا تنتظر الإجماع اللبناني، بل تستثمر في عجزنا المتمثّل بنظامٍ يعتمد على الإجماع.
لكن، رغم الثقة الكبيرة بمبادرات عنجهية واستغلالية نحو ما يُسمّى "السلام" (كما نرى في فنزويلا)، لم تتعلّم الإدارة الأميركية من فشل تجربة بشير وأمين الجميل. ورغم ثقتها العنيدة والجنونية بعناوين فقدت الثقة الشعبية بشكل كامل، لم تتعلّم الجمهورية الإسلامية من فشل تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. الكل يذهب باتجاهاتٍ عنيفة تُترجم بشكل مباشر على الحياة اليومية لسكان جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، بهدف تحقيق مكسب سياسي أميركي، أو للحفاظ على وجود جثّة إيرانية إقليمية انتهت صلاحيتها.
أميركا: نحو سلامٍ من دون شعوبٍ
السلام بالنسبة إلى البعض مسألة بديهية، ولا سيّما بعد عقودٍ من التوتر المجتمعي والأمني العارم. نجد اليوم شرائح واسعة في المجتمع اللبناني لا تريد شيئاً من هذه المنطقة سوى حسّ الاستقرار وفرص التبادل التجاري والاقتصادي، بغضّ النظر عن تداعياتها الفعلية.
تطرح إدارة ترامب اليوم بنوداً ثابتة في تعاطيها مع المسألة اللبنانية: (1) "منطقة اقتصادية" عازلة في جنوب لبنان، من دون وظائف أو فرص للجنوبيين أنفسهم. (2) تطبيع العلاقات الاقتصادية والسياسية مع إسرائيل نتنياهو، من دون الأخذ في الاعتبار رأي أغلب اللبنانيين. (3) ضرب قوة وهيمنة حزب الله في الدولة العميقة، نحو استبدالها بهيمنة مالية وأمنية بوجوهٍ أخرى.
النقطة الثالثة تبقى ملتبسة، وترتبط بقدرة بعض المصالح على التأثير في السياسة الخارجية المنبثقة من واشنطن. وفي حال لم نوافق، كلبنانيين، بشكل رسمي على هذه البنود، نواجَه بالقنابل والمحو.
في واشنطن ولبنان، هناك من يعتقد أنّ كلّ هذا هو "الحلّ"، أي أنّ النتيجة الطبيعية للسياسة أعلاه هي "لبنان من دون حزب الله"، و"لبنان من دون نزاعات أهلية طائفية". وأكثر من ذلك، هناك من يشير إلى أنّ الرافضين لهذه السياسة هم "أصدقاء حزب الله وطهران"، أو ببساطة مجموعة من "الأخلاقويين" الذين لا يعترفون بالواقعية السياسية (العنف والمجازر والتطهير العرقي) كمنهج لحلّ نزاعات المنطقة.
ولكن هذه ليست المرّة الأولى التي يُطرح فيها هذا النموذج من "الحلول". الحرب الأهلية اللبنانية شهدت غزواً إسرائيلياً لم يستهدف فقط منظمة التحرير الفلسطينية، بل استهدف أيضاً الداخل اللبناني سياسياً. اعتبرت إسرائيل أنّ بإمكانها خلق صيغة سياسية جديدة بقوة الدبابة والقصف الجوي. ونظراً للانقسام اللبناني الحاد آنذاك، اعتبرت بعض القوى السياسية اللبنانية أنّ الحل "يتطلّب الحسم"، وهذا النوع من "الحسم" "يستوجب" مرحلة انتقالية قاتلة وتغيّرات جذرية في العلاقات الإسرائيلية-اللبنانية.
ولكن هذه القوى لم تجد نهاية سعيدة للقصة. انتهت للمرة الأولى عند اغتيال بشير الجميل، وللمرة الثانية عند إسقاط اتفاق 17 أيار. بغضّ النظر عن رأينا ببشير الجميل والاتفاق، لم تنجح المهمة. في الواقع، كان النجاح مستحيلاً: طرح تركيبة سياسية جديدة يحتاج إلى الشرعية، وليس فقط إلى القوة.
إيران: مأسسة "الخسارة" كسياسة خارجية
النظام القائم في إيران ليس وليد اللحظة الحالية، فهو تعلّم من التجارب القومية و"التحررية" التي سبقته، من الناصرية إلى الأحزاب البعثية، إلى الإخوان المسلمين، إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى منظمة التحرير الفلسطينية. على عكس بعض القوى القومية واليسارية حوله، أظهرت الجمهورية الإسلامية وحلفاؤها الإسلاميون في المنطقة قدرات مذهلة في استيعاب المشاكل التقنية والضربات المتكررة. وامتصت عدداً من التناقضات الكبيرة في الساحة الإيرانية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً.
وعلى عكس تجربة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان عام 1982، قاوم حزب الله بعنادٍ شديدٍ التصعيد العسكري الإسرائيلي المرعب في جنوب لبنان في أيلول 2024، وقدّم آلاف الشهداء في شهرٍ واحدٍ من القتال الدموي. تحوّلت هذه الخسائر بحدّ ذاتها إلى "عنوان الصمود الانتصار". في عقيدته القتالية العامة، عمل النظام الإيراني على تحويل كلّ خسارة عسكرية إلى كلفة دموية، ومن ثمّ إلى انتصار سياسي وأيديولوجي يُثبّت استدامة التنظيمات الخمينية أمام عواصف عاتية. فتبيّن مع الزمن أنّ هذه الصيغة المعسكرة للإسلام السياسي قدّمت نموذجاً تنظيمياً صلباً، نموذجاً لا يعرف الهزيمة، وقادراً على استيعاب اللحظات الصعبة نحو تطوير صلابة التنظيم. ولكن هذه التجربة تشبه منظمة التحرير من حيث أنّها لم تكن قادرة على تطوير رؤية للمجتمع والدولة بعيداً عن اعتبارات التنظيم المباشرة.
النظام الإيراني يواجه تحرّكات شعبية في الداخل أمام ضغوط اقتصادية ومعيشية كبيرة. ترافقت هذه التطورات مع توسّع ملحوظ للحالة الإيرانية "الانعزالية" في مواجهة السياسة الخارجية المعتمدة من قبل الحرس الثوري الإيراني. استوعبت شرائح واسعة من الشعب الإيراني واقع المواجهة مع إسرائيل كما هو: هزيمة تاريخية وغير مسبوقة ذات تداعيات وجودية. أدرك الشعب الإيراني اليوم، كما أدرك الشعب الفلسطيني في عام 1982، أنّ المرحلة تستوجب تحوّلاً جذرياً نحو أدوات جديدة للعمل. ولكن، رغم هذه الصرخة، يتمسّك النظام في إيران بموقف "تطبيع الخسارة الأبدية". وكرّس أمين عام حزب الله نعيم قاسم هذا المنهج -منهج شراء الوقت- عندما يرفض حسم ملف السلاح. الجمهورية الإسلامية اليوم تتمسّك بحقّ "الخسارة"، ولكن عبر جثثٍ أتت من جبل عامل والبقاع.
لبنان لا يزال ينتظر
الولايات المتحدة تعمل على خطة واضحة: كسر حزب الله عسكرياً وسياسياً؛ تحويل القرى الحدودية في جنوب لبنان إلى منطقة عازلة منزوعة السلاح (والسكان)؛ تطبيع العلاقات بين لبنان وإسرائيل سياسياً واقتصادياً.
إيران تعمل على خطة واضحة: تقليل الخسائر والحفاظ على البنى العسكرية والموارد المالية الموجودة لدى حزب الله؛ توظيف التوترات الطائفية في لبنان نحو السيطرة على القرار الشيعي، مما يكرّس شرعية إيران المحلية.
أما بالنسبة للقوى السياسية الطاغية في لبنان، فمن البديهي أن الخطط التي تطرحها اليوم ليست نتاج إرادة مستقلة بالكامل، رغم أهمية العامل المحلي. هي حصيلة وقائع مفروضة عليها، وفرص تُمنح لها من قبل لاعبين يمتلكون أوراق القوة ويحدّدون مساراتها وحدود حركتها. ولكن لا يصحّ توصيف ما يجري على أنه "حروب الآخرين على أرضنا" فقط؛ فهي أيضاً حروبنا نحن، ننتظرها دورياً لكي نعيد إنتاج "سلطة جديدة" كل ثلاثين عاماً. لكنها في الحقيقة ليست جديدة، بل هي البُنى ذاتها التي يعاد تدويرها، لتكريس مصالح محددة على حساب مصالح أخرى، تُحدد بحسب مرحلة الدولة العميقة وأولوية الوصاية القائمة. والهدف، في كل مرة، واحد لا يتغيّر: حماية نظام الحرب الأهلية الدائمة، ولو بأشكال وأقنعة مختلفة.
انطلاقاً من هذا الواقع، يصبح السؤال الجوهري الذي ينبغي التفكير فيه والعمل عليه في لبنان هو سؤال الخسائر: كيف يمكن وقف النزيف الإنساني والاجتماعي والاقتصادي، وكيف يمكن حماية ما تبقّى من قدرتنا الجماعية على الصمود في جنوب لبنان، إن كانت هذه القدرة لا تزال ممكنة أصلاً؟ ليس المطلوب وهماً جديداً ولا سردية خلاص سريعة، بل مقاربة واقعية ومسؤولة تضع حدّاً لمنطق الاستنزاف المفتوح، وتعيد طرح السياسة كفعل إنقاذ لا كإدارة دائمة للانهيار. فإما أن ننجح في كسر حلقة إعادة إنتاج الخراب، أو نبقى أسرى نظام لا يعيش إلا على "ترتيب اللحظة" و"غنائمها السياسية" المؤقتة.
