سوريا كما الصومال في قلب مشروع التفكيك الإسرائيلي

خلدون الشريفالاثنين 2026/01/05
Image-1767521219
لا ينفصل تفكيك الدولة السورية عن مسار موازٍ في لبنان (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تشهد المنطقة اليوم صراعات منفصلة بقدر ما تعيش مواجهة واحدة: كيفية إعادة تشكيلها المستقبلي. من اليمن إلى السودان، ومن سوريا إلى ليبيا، مرورًا بساحل البحر الأحمر والقرن الإفريقي، تتواجه رؤى إقليمية متناقضة حول مصير وطبيعة "الدولة" وحدود السيادة، ومعنى الاستقرار. ما يجري ليس فوضى عشوائية ولا مجرد تراكم أزمات، بل عمل دؤوب على إدارة التفكك: من يوظّفه، من يخشاه، ومن يحاول احتواءه قبل أن يتحول إلى انهيار شامل.

في هذا الإطار، لا يمكن فهم الساحات المختلفة بوصفها ملفات مستقلة، بل كمسرح واحد تُختبر فوقه مشاريع إقليمية متعارضة، تلتقي أحيانًا عند الأدوات وتتصادم عند الغايات. جوهر الصراع لا يدور حول من ينتصر عسكريًا، بل حول شكل الكيان السياسي الذي سيبقى بعد الاستنزاف والانهيار.

 

سوريا: القلب العاري لمشروع التفكيك

تشكّل سوريا اليوم القلب العاري لمشروع التفكيك الإقليمي، لا بوصفها ساحة نفوذ متنازعًا عليها فحسب، بل باعتبارها المساحة التي تُختبر فوقها، بأقصى درجات الوضوح، عقيدة التفكيك الإسرائيلية في صورتها الكاملة. دولة منهكة، سيادة مجتزأة، وجغرافيا تُعاد هندستها أمنيًا على مهل، تحت رعاية إسرائيلية مباشرة، لا تستهدف إسقاط الدولة دفعة واحدة، بل تفريغها من مضمونها السيادي ووظيفتها الإقليمية.

في هذا السياق، لا يُعاد تشكيل الفاعلين المحليين فقط، بل يُعاد رسم المجال الجغرافي نفسه، من قمم جبل الشيخ جنوبًا، مرورًا بالجنوب السوري والبادية، وصولًا إلى تخوم تدمر والحدود العراقية، بهدف إنتاج عمق أمني إسرائيلي متصل داخل الجغرافيا السورية، يحوّل الفراغ السياسي إلى واقع استراتيجي دائم. ليست هذه إجراءات ردعية أو ضربات وقائية، بل مسارًا مدروسًا لمنع أي إمكانية مستقبلية لإعادة بناء دولة سورية موحّدة قادرة على استعادة قرارها وحدودها ودورها في موازين الإقليم.

 

لبنان: تحييد الجغرافيا وكسر وحدة الساحات

ولا ينفصل تفكيك الدولة السورية عن مسار موازٍ في لبنان، يتمثل في العمل المنهجي على تحييد الجغرافيا الدرزية الممتدة من جبل الشيخ جنوب سوريا إلى راشيا في البقاع الغربي، وتحويلها إلى حزام صديق لإسرائيل. في الحالتين، لا يتعلق الأمر بتسويات محلية أو اعتبارات داخلية، بل بإعادة رسم الخريطة السياسية للجغرافيا، بما يكسر وحدة الساحات الذي تكسَّر فعلًا، ويمنع كذلك تشكّل أي امتداد جغرافي أو سياسي جديد قادر على إنتاج مواجهة متماسكة، حتى لو لم تكن عسكرية. 

بهذا المعنى، لا يُستهدف لبنان كساحة مستقلة، بل كحلقة في سلسلة تهدف إلى تفكيك الترابط الجغرافي والسيادي بين دول المشرق، وتحويل الحدود من خطوط مواجهة محتملة إلى أحزمة عازلة تخدم أمنًا اسرائيليًا إقليميًا طويل الأمد.

 

ليبيا: الانقسام كمدخل للنفوذ

ولا تختلف ليبيا كثيرًا في هذا السياق، إذ تحوّلت منذ سنوات إلى مسرح مفتوح لتنازع مشاريع إقليمية ودولية ترى في الانقسام المدخل الأسهل للنفوذ، وفي الدولة الموحّدة خطرًا مباشرًا على مصالحها. لم يعد الصراع الليبي يدور حول شكل النظام أو آليات الحكم، بل حول منع إعادة إنتاج سلطة مركزية قادرة على ضبط الجغرافيا والموارد والقرار السيادي.

هكذا جرى تفكيك ليبيا عمليًا إلى مناطق نفوذ متداخلة، تُدار عبر تحالفات محلية هشّة وقوى أمر واقع عسكرية واقتصادية، بما يُبقي البلاد في حالة سيولة دائمة: لا حربًا فاصلة تحسم الصراع، ولا سلامًا جامعًا يسمح بقيام الدولة.

 

السودان: الحرب كأداة تفكيك

الأمر نفسه يتكرر، بحدّة أشد، في السودان، حيث لم تعد الحرب مجرّد صراع على السلطة، بل تحوّلت إلى آلية تفكيك منهجية للدولة ذاتها. فالصدام بين الجيش والميليشيا لم يُنتج توازنًا قابلًا للبناء عليه، بل فتح الباب أمام تفتيت جغرافي وسيادي يهدد بتحويل السودان من دولة مركزية محتملة إلى مساحات نفوذ متنازعة.

تتقاطع فوق هذه المساحات مصالح إقليمية ترى في الانهيار المضبوط فرصة قابلة للإدارة، وفي قيام دولة موحّدة خطرًا يصعب التحكم بمساره. هنا أيضًا، لا يبدو التفكك نتيجة عرضية للحرب، بل مسارًا يُترك ليتعمّق ما دام يمنع تشكّل سلطة وطنية جامعة.

 

الصومال: التفكك المُدار بدل الدولة

أما الصومال، فيمثّل النسخة الأكثر تقدّمًا من هذا النموذج. دولة تُستبدل تدريجيًا بشبكة أقاليم وكيانات محلية، يُتعامل معها بوصفها وحدات مستقلة بحكم الأمر الواقع، فيما تُفرغ الدولة المركزية من معناها ووظيفتها السيادية.

الرهان هنا لا يقوم على إعادة بناء الدولة، بل على إدارة التفكك أيضًا، وتحويل الجغرافيا الصومالية إلى عقد موانئ وقواعد وممرات نفوذ، تُدار بمنطق المصالح لا بمنطق السيادة، بما يرسّخ التفكيك كحالة مستقرة لا كمرحلة انتقالية.

 

تلاقٍ بلا مشروع: الخوف من الانهيار لا رؤية للبديل

في مواجهة هذا المسار التفكيكي، لا يبرز تحالف إقليمي صلب بقدر ما يظهر تلاقٍ لمصالح متباينة، تفرضه المخاوف أكثر مما يجمعه الاتفاق. السعودية وتركيا ومصر تشكّل، بدرجات مختلفة، نواة هذا التلاقي، لكنها نواة تفتقر إلى رؤية موحّدة لشكل الإقليم بقدر ما يجمعها إدراك مشترك لمخاطر الانهيار الكامل. هذا التلاقي لا ينبع من مشروع بديل متكامل، بل من محاولة تعطيل التفكيك حينًا، أو احتوائه حينًا آخر، أو تأجيل أسوأ نتائجه من دون القدرة على قلب مساره.

 

السعودية: دول ضعيفة أفضل من الفوضى

تنظر السعودية إلى التفكك بوصفه خطرًا ارتداديًا مباشرًا على أمنها وحدودها وهوياتها الوطنية. تجربتها الطويلة مع محيط مضطرب جعلتها ترى في انهيار الدول المجاورة مدخلًا لفوضى تترك آثارًا سلبية على المملكة وتؤخر مشاريعها الاقتصادية والتنموية. لذلك تميل اليوم، في اليمن والسودان وسوريا، إلى تسويات تُبقي على شكل الدولة وهيكلها، ولو ضعيفة، بدل الانزلاق إلى كيانات متصارعة بلا سقف. الاستقرار، من منظورها، لا يعني بالضرورة دولة قوية، بل دولة قائمة يمكن التفاوض معها وضبطها ومنع تحوّلها إلى مصدر تهديد مفتوح.

 

تركيا: رفض التفكيك الهويّاتي

تركيا، من جهتها، تختلف في دوافعها لكنها تلتقي في النتيجة. فهي لا تخشى التفكك بوصفه فوضى إقليمية فقط، بل كتهديد وجودي مرتبط مباشرة بالمسألة الكردية وبتهديد وحدة الأناضول. لذلك تفضّل دولًا موحّدة بسلطات منقوصة على كيانات إثنية مستقلة، وتتصادم لهذا السبب مع مشاريع التفكيك الهويّاتي في سوريا والعراق، كما تتحفّظ على مسارات مشابهة في ليبيا والقرن الإفريقي. تركيا لا تحب بالضرورة المركزيات الصلبة، لكنها تكره التفتيت الذي يعيد تعريف الهوية والسيادة ويكسر حدود الدولة.

 

مصر: هاجس الدولة وحدود الدور

تمثّل مصر الحالة الأكثر تعقيدًا وترددًا داخل هذا التلاقي. فهي تنطلق من عقيدة دولة تقليدية ترى في وحدة الكيانات الوطنية شرطًا للاستقرار الإقليمي، لكنها محكومة في الوقت نفسه بهاجس الأمن المباشر وحدود الدور. الحرب على غزة شكلت تهديدًا غير مسبوق لمصر. اما في ليبيا، فلا ترى القاهرة مجرد أزمة جوار، بل تهديدًا استراتيجيًا لأمنها الغربي، ما يدفعها إلى تفضيل قوى قادرة على فرض حد أدنى من السيطرة، حتى ولو على حساب مسار سياسي جامع.

وفي السودان، تتصرف بالمنطق نفسه: دولة موحّدة ضعيفة أفضل من انهيار شامل يفتح الباب أمام فوضى غير قابلة للضبط على خاصرتها الجنوبية. أما في سوريا، فيراوح موقفها بين دعم عودة الدولة كمفهوم، كما فعلت خلال مرحلة حكم بشار الأسد ورفض الإسلام السياسي ولو في صيغته الشكلية، وبين تجنّب الانخراط العميق في صراع تتشابك فيه قوى إقليمية ودولية تتجاوز قدرتها على التأثير الحاسم. هذا التردد لا يعكس غموضًا بقدر ما يعكس حدود الدور.

 

الإمارات: التفكيك كأداة نفوذ

داخل هذا التلاقي الهش، تبرز الإمارات بوصفها عنصر التناقض الأوضح. فهي تشارك في خطاب رفض التقسيم، لكنها تتعامل معه عمليًا كفرصة. التفكيك، من منظورها، ليس خطرًا وجوديًا بل أداة نفوذ. حيث تسقط الدولة، يمكن للمال والموانئ والتحالفات المحلية أن تملأ الفراغ. من اليمن إلى السودان، ومن ليبيا إلى القرن الإفريقي، تراهن أبو ظبي على تفكيك مُدار لا على انهيار شامل، يتيح إنتاج كيانات محلية ضعيفة قابلة للاحتواء والتحكّم.

 

إيران: دولة ضعيفة نعم، دولة مقسّمة لا

إيران، في هذا المشهد، تقف على مسافة رمادية. فهي ترفع شعار وحدة الدول ورفض التقسيم، لكنها عمليًا تستفيد من تفكيك السيادة ووهنها، لا من انهيار الجغرافيا. تفضّل دولًا هشّة مخترقة، وميليشيات شيعية صلبة ومتماسكة حيثما تتوفر لها إمكانات بنائها، بما يسمح لها بالتحكّم بالقرار السياسي من داخل الدولة من دون المساس بوحدتها الشكلية. لذلك تعارض التقسيم الرسمي، لكنها لا تعارض إضعاف الدولة إلى الحد الذي يتيح لشبكاتها العمل بحرية.

 

حين يصبح التفكيك سياسة إقليمية

من هنا، لا يمكن فهم ما يجري في اليمن، أو السودان، أو ليبيا، أو سوريا بوصفه أزمات منفصلة. نحن أمام مسرح واحد تُدار فوقه معركة واحدة: معركة على شكل ما يبقى بعد الانهيار. دولة؟ كيانات؟ أم فراغ؟

الصراع الحقيقي في الإقليم ليس على من ينتصر عسكريًا، بل على من يفرض تعريفه على تشكيله. وطالما ظل التلاقي الرافض للتقسيم والتفتيت منقسمًا بين من يراه خطرًا وجوديًا ومن يتعامل معه كأداة نفوذ، سيبقى المشروع الإسرائيلي الأقدر على التمدّد وتحقيق أهدافه. في هذا السياق، يصبح الرهان على نجاح هذا المشروع، لدى بعض الدول والجماعات الإثنية والطائفية، رهانًا على "الرابح" لا على "الخاسر"، فتبتعد الصراعات الدموية عن حدود فلسطين المحتلة لتشتعل في الصومال والمشرق العربي والجزيرة وتركيا وشمال أفريقيا، فيما يرسّخ الإسرائيليون سيطرتهم ويفرضون وقائعهم بأقل كلفة مباشرة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث