يصعب على كثيرين في الأوساط الإعلامية والسياسية، إظهار تفاؤل أو بارقة أمل بما سيأتي صوبنا هذا العام. من أهم أسباب ذلك أن ما مرّ على اللبنانيين من مآسي، من حربي العراق وسوريا وسلسلة الاغتيالات الى الانهيار المالي وجائحة كورونا والحرب الاسرائيلية الأخيرة، يجعل التفاؤل ضرباً من الجنون.
لكن العام الماضي مع كل مآسيه في الجنوب والبقاع والضاحية، شهد كذلك عودة للدولة اللبنانية بعد الانتخابات الرئاسية وتكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة. وهذه الحكومة لم تأت من بوابة التوافق والتعطيل كسابقاتها، بل ببرنامج واضح يشمل تمرير قوانين إصلاحية واندفاعة بضغط دولي لحصر السلاح بيد الجيش اللبناني.
صحيح أن النتائج مختلطة، أكان لناحية القوانين التي لم تلب بالكامل الشروط المطلوبة داخلياً وخارجياً، أو لجهة حصر السلاح الذي ينتظر الانتقال لعمليات أوضح شمال الليطاني. لكن تمرير أغلب القوانين خطوة تجنبتها حكومات وبرلمانات سابقة، وبالتالي هي إنجاز يُحسب لهذه السلطة بكافة مكوناتها. في حال مرور قانون الفجوة المالية في البرلمان، نكون أمام فرصة تثبتنا على طريق التعافي المالي والاقتصادي. لو نجحنا في تجنب حرب أخرى، يبدو هذا العام المقبل علينا أفضل اقتصادياً ومالياً مما سبقه.
وكذا الأمر بالنسبة لحصر السلاح جنوب الليطاني، والذي حقق فيه الجيش تقدماً تُقر به الأوساط الدبلوماسية والسياسية على حد سواء. والأهم أن التوافق وطنياً على حصر السلاح بصفته حداً أدنى مقبولاً في الخطاب السياسي والإعلامي، قد صار وراءنا، في حين ينحصر الخلاف على تحديد الآلية وتراتبية الخطوات. باختصار، لم يعد للسلاح أنصار خارج "حزب الله"، إذ لم تترك الحرب الإسرائيلية الأخيرة هامشاً لجبال من أكاذيب الممانعة وشعاراتها الفارهة.
والحقيقة أن انهيار ما يُسمى بتحالف "8 آذار" بإعلامييه وسياسييه وأحزابه كان أسرع مما يتخيله المرء، إذ بدل أركان فيه مواقعهم خلال أيام من هزيمة عام 2024. وحين حلّت جنازة قائدهم، لم يغيبوا فحسب، بل كانوا على المقلب الآخر في السياسة.
هذا مسار من الصعب عكسه اليوم إلا بتحول إقليمي كبير يشمل سوريا كذلك. ولا يبدو ذلك ممكناً على الأقل في المدى القريب. في حال تحييد لبنان عن قائمة الضربات الإسرائيلية والأميركية والمواجهات الكبرى، الأرجح أننا سنشهد تطبيقاً للمرحلة الثانية من حصر السلاح في يد الجيش، بعد الانتهاء من المرحلة الأولى خلال أسابيع. طبعاً ستنعكس أي عملية عسكرية إسرائيلية سلباً على جهود الجيش، سيما لو ترافقت مع احتلال وتهجير أوسع نطاقاً.
يُصعب تخيّل سيناريو يُعيد عقارب الساعة للوراء ومعها نفوذ "حزب الله". يبقى أن للتنظيم تركتين ثقيلتين، أولهما الاحتلال الإسرائيلي وحرية الحركة، وثانيهما ضباط النظام السوري المخلوع وشبكاته التي قد تُستغل لإقحام لبنان في موجة توترات جديدة مع سوريا. لا خيار في حل المشكلة الأولى سوى عبر الدبلوماسية، والتمسك بحقوق لبنان في أراضيه وعودة السكان لمنازلهم. أما بالنسبة لأركان النظام السابق، الحل أمني وأساسه منع توريطنا في مواجهة خارجية أخرى، أكان مع النظام الجديد في سوريا أو غيره.
لا تخلو المرحلة المقبلة من تحديات، لكننا في موقع أفضل هذا العام من السنوات السابقة، وهناك أسباب عدة لنأمل بانتقالنا لمرحلة نتحدث فيها عن مستقبل لنا بعد عقد كامل من الأنفاق المظلمة.
