السجال مع عناوين الأهليات العصبيّة

أحمد جابرالسبت 2026/01/03
Image-1767388780
الخلاف على كل شيء سمة الجماعات اللبنانية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتحكم بالوضعية اللبنانية "ثقافة" العصبيات الأهلية، وتتخذ لغلبتها على المسارات الاجتماعية، عناوين متنوعة، لكن النتائج تظل متشابهة، في كل المجموعات التي تقودها هذه العصبيات. ثمة مشتركات "عصبوية" وثمة تمايزات، لكن هذه وتلك، تتلون فقط بألوان الخط "التطوري" الخاص، الذي سلكته كل مجموعة أهلية، فباتت تعرف من خلال سياقه، وتعرّف نفسها به، لدى كل احتكاك "عصبوي- أهلي" عام. وفقاً لذلك، يصير من قَصَرِ النظر قراءة التوترات الأمنية والسياسية، بمنظار التحليل الفردي، أو بمنطق التحليل "المنعزل"، إذ لا "حوادث فردية" بين مجموعات الأهل، اللبنانية، حتى لو كانت البداية فردية أو شخصية، فإنها لا تستطيع أن تصمد فوق أرض "شخصانيتها وفردانيتها"، لأن في كل احتكاك، محكّ للهيبة الأهلية الخاصة، ومسّ بوضعيتها، وتهديد لمكانتها في محفل الأهليات العام.

 

يترتب على ذلك، نَزْعُ المصداقية عن الخطاب الأهلي، حتى ولو أعلن أصحابه إيمانهم الوطني، جهراً، لأنهم أعدّوا للاعتداء عليه، سرّاً، ولأنهم سيعودون لإشهار "كُفْرِهِم" به وانقلابهم عليه، كلما دَعَت عصبيّة المجموعة إلى ذلك! بكلمات: السياسة بوجهيها، "الإيماني والجاحد"، تراكم وقائع مختلفة، ومن يعرف "بِذَارَ الأهل"، يدرك ما ستكون عليه أحوال "بيادرهم".

منوّعات التضليل الثقافية، العصبوية، كثيرة، ووسائل ترهيبها كذلك. يبدأ التضليل من الاكتفاء من كل موضوع بذكْره فقط، ومن إعفاء النفس من ضرورات شرحه، هذا لأن اليقين ممنوح سلفاً للقائل، ولأن الاستجابة مضمونة سلفاً، من قبل المستمع. التواطؤ على فعل التضليل مشترك، والخضوع لمندرجات إنفاذه طوعي، والخروج من السرب، له عواقب رَدْعِيّة، فيها خليط تكفيري وتخويني وإقصائي، وفيها حصار ونبذ، وحرمان من مظلة "الأمان" الأهلية.

 

يحتلّ السجال مع الثقافة العصبية، وموروثاتها وأسانيدها وتعبيراتها عن ذاتها، مكانة هامة وحساسة، لدى كل الناطقين بما يخالف "فذلكاتها". إذا غاب السجال هذا، عن تفكير المعترضين والمناوئين والمخاصمين والرافضين، فماذا يبقى من ادعاء "الوجهة المدنية" مثلاً؟ وكيف يصمد نداء النظرة العلمانية؟ وماذا يرسب من أحاديث وأمنيات المبشرين بالديمقراطية؟ مبتدى خَلْخَلة الثقافة السائدة، التأسيس لبدائلها، وهذا لا يكون إلا بنقدها فكرياً، تمهيداً لنقضها نظرياً وعملياً. عليه، أين يقف أبناء "المجتمع المدني"؟ وهل تنقصهم المادة السجالية؟ تبدو حركة "المُدنيين" أقرب إلى مواكبة الأحداث، وتلتزم موقع التعليق الخجول عليها، وترتضي الفصل بين السياسة والمدنية عملياً، وتقبل الحواجز التعسّفية التي يقيمها "أهل الحلّ والربط"، بين منطوق السياسة، والعمل من أجل ترجمته وقائعياً. هذا الواقع أحال ويحيل، القوى المحجمة عن "أضعف الإيمان" النقاشي، إلى الهامش، ويجعل دعوتها المدنية أقرب إلى التبشير الذي يفتقر إلى مرتكزاته ودعائمه المادية. على سبيل الخلاصة، الموقف المعترض والمختلف هو المطلوب أولاً، كي لا يكون مشهد الثقافة العصبية، هو "مِسْكُ ختام" المسلسل اللبناني المتمادي، والمباشرة بتعليل الاختلاف والاعتراض، هي المطلوبة استطراداً، حتى لا تتحوّل المادة الاعتراضية إلى "ثرثرات" عابرة، لا وظيفة لها إلا تنفيس الغضب والترويح عن "الذات المدنية"، بنتائجها وتجاربها، الفردية والجماعية. 

 

من ضمن العناوين الكثيرة، التي تحفل بها اليوميات اللبنانية، يمكن اختيار أمثلة دالة، بعضها مقرر في وجهة الاجتماع الأهلي العام، وبعضها الآخر ذو دلالات، وعلى هذا وذاك، تترتب سياسات تمسّ بمجمل المواضيع "الكيانية اللبنانية"، فتؤسس بدورها لمقومات مقاربتها، جادة مفتوحة على المستقبل، أو تضيف إلى معضلاتها الموروثة، معضلات إضافية، فتجعلها مربوطة بعجلة الارتكاس والنكوص، والاستغراق في مخاطبة الحلول الماضوية!

لا ينبغي المررو السهل على مسمّيات الثقافات السائدة راهناً. بل ينبغي التمحيص في معنى كل منها، وفي خلفيّاته. عليه، ما الذي يُوحي به مصطلح "العيش المشترك"؟ وما سُبُل تحقيقه؟ وما المضامين الحقيقية الكامنة فيه؟ في السياق ذاته، ما شرح كلمة "ثقافة المقاومة"؟ وما مدلولها السياسي والاجتماعي؟ ولماذا الإحجام عن تفنيدها، والتوقف عند خطوطها السياسية الحمراء؟. على نفس المنهج "السجالي التفكيكي"، لماذا التسليم بمقولة "لبنان المقاوم" وبمقولة "لبنان الحيادي"؟، السؤال يتطلب التفسير، لأن قبول "المعنى" أو رفضه، يقتضي التعليل في الحالتين. نضيف إلى ما تقدم الخطب التي تتوجه إلى "الشعوب اللبنانية"، فتبقى من دون ردّ تحليلي عليها. هكذا، وفي مرمى أسماع "المدنيين، وأفكارهم، تطلق الصيحات الاستنهاضية، في صفوف "شعب المتن، وشعب كسروان، وشعب المقاومة، وشعب عكار وشعب بيروت، وبين شعوب الأحياء والزواريب!!. المسكوت عنه، من قبل الناشطين في سبيل الدولة المدنية، هو تغييب المواطن والمواطنية، أي التخلّي عن المهمة التأسيسية، التي تقود مهماتها المتناسلة، إلى طرح فكرة الوطن، منظوراً إليها في سياقها التاريخي، وفي مساراتها الاجتماعية، وفي إطارها الجغرافي المحدَّد، وفي جملة السياسات الداخلية والخارجية، المتدخلة في حياكة نسيجها. 

 

الاعتراف بوطأة الواقع اللبناني، الذي يضغط على "الوطنية" فيقصيها حتى يكاد يلغيها، هو تأكيد لمعطى عجز القوى الأهلية عن القيام بعبء بناء البلد، بناءً غير مشوّه أو معيوب. هذا يعيد الاعتبار إلى مسألة إزاحة هذه القوى، إزاحة اجتماعية وسياسية، كي يتسنى الطموح إلى قيام الدولة البديلة. نزعم أن الإزاحة تشكل الهدف الاستراتيجي البعيد، لكل القوى "التغييرية"، ومهمّة هؤلاء، تأخذ في الاعتبار موازين القوى، أمّا التوازنات الحالية، ليست مقفلة إلى الحدّ الذي يمنع التفكير والترويج، للأساسي من الخلاصات النظرية المستقبلية.

لماذا الإلحاح الآن على الذهاب إلى المواضيع والمسائل الأصلية؟ 

هذا لأن يوميات العصبيات الحالية التي تحفل بالخلاف على كل شيء، تتراشق بالإحالة على عنوان "الدولة"، ولأن السجال مشحون "بعصاب" العصبيّات، التي ما زالت حاجزاً مانعاً صلباً، يعترض فكرة الدولة، هذا قبل الحديث عن شروط قيامها كبنيان أعلى يدير شؤون "العصبيّة" البنيوية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث