ماذا فعل لبنان ليستحق هذا؟

عارف العبدالجمعة 2026/01/02
Image-1767297520
الانهيار والحرب أحالا البلاد يباباً مدمراً (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

في روايته الصادرة حديثاً تحت عنوان: "طانيوس شاهين، ماذا فعلت لأستحق هذا؟" يستعيد الباحث والكاتب حسان الزين قصة الانتفاضة اللبنانية الأولى عام 1858، وكيف انتهت أمال وتطلعات شيخ شباب ريفون وباقي رفاقه الفلاحين الفقراء، في قرى منطقة كسروان وجبل لبنان، إلى البؤس والأسف والتعاسة.

بعد أن نجحت "القومة" أو الانتفاضة الفلاحية في اقتلاع وتهجير المشايخ المقاطعجية من آل الخازن الذين كانوا "متسلبطين" يومها على أنحاء قرى كسروان، وبعد النجاح بالسيطرة الفلاحية على قراهم وتهجيرهم خارج المنطقة، وإحكام القبضة على مناطق نفوذهم وإحراق بعض منازلهم، انتهى قائدها المكاري الثائر، إلى مصير بائس وحزين، وذلك بسبب تداخل الثورة مع الفتنة الطائفية، المتقاطعة مع صراع أهلي طائفي إقليمي دولي. 

كان الفلاح المنتفض و"المحربص والمخنوق بدم أبيه المقتول"، والثائر على ظلم المشايخ، قد نجح في قيادة الحركة الفلاحية الاعتراضية الأولى على ظلم المشايخ و"المقاطعجية" في قسم من جبل لبنان.

 

طبعاً، كل هذه الحركة الجديدة يومها، تقاطعت مع وجود بطرك ماروني من خارج دائرة سلطة العائلات "المقاطعجية"، الحاكمة والمتحكمة  إضافة إلى تدخلات الدول المعنية مع بداية اندلاع "المسألة الشرقية" وصدور أول فرمان أو خط همايون سلطاني يدعو للإصلاح في السلطنة العثمانية، المعروف "بخط شريف كلخانة" .

هذه التقاطعات بالتوازي مع فتنة 1860 الطائفية، في الجبل بين الدروز والموارنة، حتمت التدخل الدولي الإقليمي لإعادة الأمور إلى نصابها وانتظامها، وإعادة الأمن والأمان وعاد الفلاحون إلى أعمالهم، وأوضاعهم البائسة.

 كما هو معروف خرج إثر ذلك، أي بعد هذه "الثورة والفتنة" في جبل لبنان، نظام المتصرفية الذي أرسى نظام المحاصصة الطائفي اللبناني في الإدارة والمناصب السياسية والإدارية والذي لا يزال ثابتاً ومتفاقماً إلى يومنا هذا.

مدهشة هي التقاطعات المتكررة والمستعادة مع سياقنا وأحوالنا الراهنة.

 

خلال وقائع أحداث الرواية يردد بطلها، أكثر من مرة، وفي أكثر من مكان، خوفه من عودة السيطرة إذا ما فشلت حركته مع أقرانه، للمشايخ المقاطعجية، الذين كانوا يتحكمون بالأهالي الفلاحين وبحياتهم وأعمالهم ومصائرهم، بالتوازي مع دعم ومساندة واستغلال ما أسماهم " الديينة بالفايض"؛ أي الأثرياء أصحاب الأموال، الذين يقرضون الفلاحين مقابل الفوائد المرتفعة ويتاجرون في الربى ويتحكمون بمصائرهم.

كما هو معروف، فان المرادف الحديث راهنا لـ"الديينة بالفايض" أيام طانيوس شاهين، هم أصحاب المصارف الأن، الذين عادوا بعد أن خرجوا عن القواعد المهنية والقانونية المصرفية، المعروفة عالمياً، مع كبيرهم وقائدهم المُخلى سبيله راهناً بكفالة، وكانوا أخرجوا قسماً كبيراً من أموالهم إلى خارج لبنان، واستولوا على قسم كبير من ودائع اللبنانيين، إلى "السلبطة" والتنمر والتحكم برقاب وأحوال الشعب اللبناني ومدخراته.

أصحاب المصارف راهناً أو "الديينة بالفايض" سابقاً، ينتظرون الآن بأية طريقة الانقضاض، إذا تمكنوا واستطاعوا، على ما تبقى من أملاك عمومية للدولة اللبنانية حتى لو كانت سبائك محفوظة ومصانة بقانون. 

 

المعضلة الآن، وفي أساسها ليست مالية تقنية فقط، أي ليست قصة أبطال و"حرامية"، بل هي قصة فشل إدارة دولة وفشل إدارة سياسية غاشمة وفاسدة، تفضل التباهي والتصرف بشعبوية ومن دون مسؤولية حتى لو غرق المركب بمن فيه. (تجربة الإنفاق المفرط على تمويل عجز الكهرباء  الذي فاق الـ50 مليار دولار وبعض القطاعات الوظيفية، من دون إقامة معامل إنتاج جديدة أو تطوير الرؤية وإصلاح والمؤسسة).

إنفاق هائل من دون ضوابط على سبيل المثال، على وهم إقامة سدود مائية فاشلة بدراسات ضعيفة غب الطلب، ورغبات شعبوية مريضة، تحولت أغلبها إلى حفر مجوفة، وفضيحة سد المسيلحة ليست وحيدة ومستفردة أو لوحدها.

 التآمر والسكوت والاستفادة للمحاسيب، وغض الطرف، تتكرر وتستمر، بالعمل والعيش بالأسلوب نفسه والنمط والأداء وطريقة التفكير والتعاطي، من دون إصلاح جدي جذري عميق مرفق بالمحاسبة، بالحد الأدنى العادل والمطلوب.

سبب أساس النكبة الراهنة والمستمرة في بلدنا، الخروج على القوانين المقرة والموجودة، والخروج على الدستور وإهمال التطبيق الأمين لبنود وثيقة الوفاق الوطني اللبناني الذي أقر في الطائف والخروج عليه.

كان بالإمكان لو اتبعت القواعد المهنية الطبيعية، معرفة المصير المؤكد الذي كنا نتجه إليه. لكن طغمة المسؤولين الشعبويين لدى كل الطوائف والأطراف، قررت التغاضي والسير بالفوضى والحالة التي كانت سائدة في الفقاعة الخادعة، والتي كان ظاهرها بحبوحة ظرفية، وباطنها وأساسها، مقتلة حتمية كما جرى وظهر وتبدى. 

التأكيد على المعرفة الدقيقة بالمصير والأزمة، التي كانت مقبلة وحتمية، هو عمليات إخراج الرساميل من قبل أصحاب الثروات لأموالهم خارج البلاد قبل الانهيار المالي وخلاله.

 

الموضوع لا يقف فقط عند تجربة الانهيار المالي، والذي ولد انهياراً اقتصادياً عميقاً وكاسحاً، ولد تراجعاً وهبوطاً وطنياً شاملاً وعاماً، ليس من السهولة الخروج منه. 

أوضح دليل على هذه النتيجة، تجربة جريمة انفجار مرفأ بيروت. 

حتى قائد وقبطان السفينة "روسوس" بوريس بروكوشيف، التي حملت شحنة الموت، أبدى استغرابه كيف قبلت سلطات المرفأ في لبنان استقبال شحنته المسمومة، وكيف أفرغتها في المرفأ، وفي أحد عنابره، بدل أن تنقل الشحنة خارج حرم المرفأ، بعيداً عن العاصمة والأماكن السكنية.

من يطلع على الوثائق المنشورة والمذكورة في وسائل الإعلام، ويتابع ما نشر عن رسائل متبادلة بين المسؤولين، وأن أغلبيه الأجهزة الأمنية والمسؤولين المعنيين، كانت تعرف خطورة تخزين المادة، وقد دبجت وكُتبت تقارير عن ضرورة إخراج الكمية المخزنة لخطورتها.

بالرغم من ذلك، بقيت المواد الخطرة في العنبر رقم 12 إلى أن وقعت الكارثة التي عرف بخطورتها الجميع ولم يحرك أحد ساكناً للخلاص منها.

ودمرت العاصمة المنكوبة أساساً مرة جديدة.

وحتى الآن، فإن "مادوف لبنان" وحماته والشركاء معه خارج المحاسبة، والمسؤولين عن انفجار العنبر بمواده القاتلة لم يمسهم أحد. 

فوق ذلك كله أتت حرب الإسناد، بقرار حزب الله المنفرد المغطى إيرانياً، ما أحال البلاد يباباً مدمراً.

بعد هذه الإرتكابات والمخالفات والتجاوزات، يسأل البعض ماهي مصيبتنا، وماذا فعل لبنان ليستحق هذا المصير؟ وهل من الممكن أن يعود بلدنا إلى الحالة الطبيعة مثل باقي البلدان؟    

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث