يدخل القضاء اللبناني العام 2026 بعد عامٍ زاخرٍ بالمُتغيّرات السياسية في لبنان والمنطقة. ليس سرًا أنّ القضاء يتأثر بمجريات السياسة. وهذا كان من الأسباب الرئيسية التي جعلت من 2025 سنة تحوّلٍ جذريّ في الحركة القضائية في لبنان. فأكثر الملفات التي انطلقت شرارتها لم تكن، قبل سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، حاضرةً. وكذلك لم تكن، لو لم يشهد لبنان التحوّل السياسي الأساسيّ بانتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية، وتكليف القاضي نواف سلام رئاسة الوزراء.
لم يكن تشكيل حكومة الرئيس سلام مشابهًا للحكومات المُتعاقبة منذ ما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 2005، ولا يُشبه أيضاً حكومات ما بعد 2008. إذ كانت الحكومة الحالية شكلًا وسيّاسةً عكس ذلك تمامًا. فكانت حكومة تبنت قرار حصر السلاح بيد الدولة في بيانها الوزاري وفي قراريها الشهيرين في آب الماضي.
المهمّ أن ما سرى من مفاعيل في السياسة، أرخى بظلاله على مسار الحياة القضائية، مثل تحريك بعض الملفات المُحاصرة سياسيًا، كملف التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، وأيضًا ملاحقة تجار المُخدرات بفاعلية غير مسبوقة، بعد سقوط منظومة الأخوين بشار وماهر الأسد في سوريا، وكذلك البدء بالبحث الجدّي، وللمرة الأولى، في إطلاق الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية.
التشكيلات و"استقلالية القضاء"
انطلاقًا من ذلك نستعرضُ أبرز المحطات القضائيّة التي تُمثل هذه التحولات التي انطلقت منذ مطلع 2025.
كان الأساس لكل هذه التحولات والمحطات شكل الحكومة، الذي أرخى بظلاله على مسار التشكيلات القضائية التي أبصرت النور في 2025 بعد سنوات من الانتظار. وفي بلد كلبنان، حيث يصعب إبعاد السياسة وتدخلاتها في التشكيلات، إلا أنّ تعيينات القضاء الأخيرة كانت النسخة التي تحمل أقلّ قدر من التدخّلات السياسية، إذا ما قورنت بتشكيلات العهود الماضية. لكنها، على رغم ذلك، لم تخلُ من تدخلات سياسية واضحة على مراكز أساسية في القضاء.
كما أنّ التغيير السياسي الذي شهده لبنان أفرج عن "قانون تنظيم القضاء العدلي" أو ما يعرف بـ"قانون استقلالية القضاء". وعلى رغم الملاحظات التي أبدتها الرئاسة الأولى على بعض مواد القانون وتفاصيله، إلّا أنّ مجرّد إقراره يُعتبر إنجازًا في الحياة القضائيّة والقانونية في لبنان، بعد تغييب البتّ بالقانون في السنوات الماضية.
المرفأ.. حضور السياسيين والأمنيين
لا يُمكن إغفال أنّ العام 2025 الذي قلب صفحته شهدَ تحوّلًا أساسيًّا في ملف التحقيقات في انفجار مرفأ بيروت 2020.
إذ شهدت فترة ما بعد الحرب الإسرائيلية وتوقيع اتفاق "وقف الأعمال العدائية" في تشرين الثاني 2024، تراجع نفوذ حزب الله وحلفائه في القضاء. هذا التراجع ساهم في إعادة عجلة العمل بتحقيقات انفجار المرفأ. وشهدَ العام مثول شخصيات أمام القاضي طارق البيطار، لم تكن في وارد الحضور إلى التحقيق أصلًا، كرئيس الحكومة الأسبق حسان دياب، واللواء عباس إبراهيم، واللواء طوني صليبا وغيرهم.
يضاف إلى ذلك أن البيطار تحرّر من القيود القضائية والقانونية التي كانت تُعيق مسار التحقيق، بدعمٍ واضحٍ من وزير العدل عادل نصار ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود والنائب العام التمييزي جمال الحجار، الذي رفع قرار منع السفر عنه أخيرًا.
ملاحقة الوزراء.. كسر الـ"Taboo"
كذلك شهدت سنة 2025 تحوّلًا بارزًا في المسار القضائي لتحقيقات الفساد، لا تقلّ أهمية عن كل المحطات التي مر بها لبنان.
التحول كان في استجواب وتوقيف والادعاء على وزراء بشبهة تورطهم في ملفات فساد. أبرز هذه التوقيفات كانت توقيف وزير الاقتصاد في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي أمين سلام وشقيقه كريم بجرائم اختلاس وإبرام عقودٍ مشبوهة والإثراء غير المشروع، ليُفرج عنهما قبل أيام بكفالة بلغت 100 ألف دولار لكل منهما، بعد منعهما من السفر.
الخطوة الأخرى أيضًا كانت الادعاء على وزير الصناعة السابق جورج بوشيكيان بالرشوة والإثراء غير المشروع. وعلى رغم أن بوشيكيان لم يسلّم نفسه للقضاء وغادر لبنان، لكن التحول الأساسي كان رفع مجلس النواب الحصانة عنه بأكثرية 99 صوتًا.
هذه الادعاءات والتوقيفات تؤكد أنّ المسار في القضاء اختلفَ، وأن ما كانَ يُعتبر سابقًا من "المحرمات" لم يعد قائمًا.
عام الكفالات المالية المرتفعة!
كذلك لا يمكن إغفال قرارات إخلاء السبيل التي شملت حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة بكفالة "تاريخية" اعتُبرت الأعلى بتاريخ لبنان بـ 20 مليون دولار، خفّضتها الهيئة الاتهامية في نهاية أيلول إلى 14 مليون دولار. يضاف إلى إخلاء سبيل سلامة أيضًا، الإفراج عن نجل الزعيم الليبي الراحل هانيبال معمّر القذافي الذي كان موقوفًا منذ العام 2015 بكفالةٍ ماليّة بلغت 900 ألف دولار أميركي، بعدما خفضها القضاء من 11 مليون دولار في شهر تشرين الثّاني الماضي.
وشكل الإفراج عن القذافي الإبن عنوانًا لإقفال ملف توقيفه، بعدما سلّمَت السلطات الليبية القضاء اللبناني ملفات التحقيقات في قضية اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيْه. لكنّ القضاء اعتبر أنّ الملف الليبي لم يأتِ بجديدٍ.
الموقوفون السّوريون والمخدّرات..
الملف الأبرز في المسار القضائي - السياسي هو بدء البحث الجدي بين القضاءين اللبناني والسوري لتفاهمٍ مُشترك يفضي إلى الإفراج عن أكثر من 2300 موقوفٍ سوريّ في السجون اللبنانية. وعلى الرغم من أن مسار التفاوض في هذا الملف ليس سهلًا، إلّا أن بدء البحث به هو إنجاز وتحول بحدّ ذاته.
يعكس هذا البحث التغيير السياسي الذي شهده لبنان وسوريا. وهو مدخل أساسي لطي صفحة حقبة آل الأسد بين لبنان وسوريا، بخاصة أن كثيرًا من الموقوفين السوريين دخلوا السجون بتهمة مناصرة الثورة السورية أو الانتماء إلى "جبهة النصرة" (هيئة تحرير الشام).
شكل لبنان فريقًا سيّاسيًّا – تقنيًا يُشرف عليه نائب رئيس الحكومة طارق متري لرسمِ معالم العلاقة القضائية بين بيروت ودمشق، وإنصاف المُعتقلين السياسيين والجنائيين السوريين في السجون اللبنانية.
هذا يعني أيضًا أن العلاقة بين بيروت ودمشق لم تعد علاقة تدخلٍ، بل علاقة مؤسسات وقانون واحترامٍ متبادل، وهذا هو الأساس السياسي في هذا الملف الذي ظاهره قضائي، لكن باطنه سياسي يتأثر بشكل مباشر بالتحولات السياسية والحقبة الجديدة التي دخلها لبنان وسوريا معًا منذ اتفاق تشرين الثاني 2024 في بيروت، وسقوط نظام بشارالأسد في كانون الأول من العام نفسه.
لم يقف تأثير الحقبة الجديدة في بيروت ودمشق عند حدود المعتقلين. إذ تحرك القضاء والأمن في لبنان للمرة الأولى بجدية مُطلقة لضرب شبكات تجارة وتهريب وتصنيع المُخدرات، التي انهار غطاؤها السياسي العابر للحدود مع تهاوي حكم آل الأسد، وكانت المحطات الأبرز في لبنان عنوانها: ضرب المصانع وطرق التهريب، وقتل تاجر الكوكايين الشهير علي منذر زعيتر (أبو سلّة)، من دون أن نُغفل اعتقال القوة الضاربة لمخابرات الجيش تاجر المخدرات الاشهر في لبنان وسوريا نوح زعيتر.
في الخلاصة، ومع بدء العام 2026، العديد من الملفات ستتابع داخل القضاء اللبنانيّ، وأهمها محاكمة الفنان فضل شاكر الذي سلّم نفسه في العام 2025 لمخابرات الجيش اللبنانيّ، ومحاكمة نوح زعيتر للمرة الأولى في القضاء العسكري والعدلي، إضافة إلى اصدار القرار الاتهاميّ في ملف المرفأ بعد مرور 6 سنوات على انفجار مرفأ بيروت!
