عام 2025: عامُ "الطحشة" الأميركيّة

محمود وهبةالخميس 2026/01/01
هوكشتاين.jpg
العام الذي يطوي ورقته خلال أيام هو عام تكريس العودة الأمريكية إلى لبنان (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

في 31 تشرين الأول 2022 انتهت ولاية ميشال عون. منذ تلكَ اللحظة دخل البلد في حالة من الفراغ المضبوط. في أيار من العام نفسه، أجريَت الانتخابات النيابية ولعلّ الصفة الأبرز لهذه الانتخابات تكمنُ في أنّها لم تُنتِج أكثرية واضح، وإنما في النتائج التي أفرزتها كرّست شيئاً من التوازن القادر بقوّة على التعطيل. تجلّى ذلك من خلال الاستحقاق الرئاسي الذي تخلّى عن صفته كملف لبناني وصار جزءاً من اللعبة الإقليميّة التي يتندَّر عليها القاصي والداني.

في أيلول 2022 نتذكّر الجلسة الأولى لانتخاب الرئيس وبعدها جلسات كثيرة تعاقبت وكلّها كانت صبغتُها فاشلة. الفشل المروّع الذي تكفَّل بتحويل الأسماء المطروحة للرئاسة إلى مجرَّد أوراق محروقة تنتظر تأشيرات خضراء أمريكيّة لتنضج وتقول ما لديها. بتعبير آخر تنتظر التسوية الأمريكيّة.

المعطيات السالفة الذكر عُرِضت لتقول إنّ الناظر لا بدّ له أن يرى تعاظيم  الدور الأميركي لبنانياً بعد انسحابه خلال فترة ميشال عون. اهنا يمكن السؤال لو كانت هذهالعودة هي محاولة أمريكيّة لتثبيت إدارة دقيقة للزمن السياسي اللبناني؟ ربما!

لو تذكرّنا عاموس هوكشتاين مثلاً، نجد أنّه سلك طريقه إلى بيروت مراراً ذهاباً وإياباً، وخصوصاً بعد توقيع اتفاق ترسيم الحدود البحرية في تشرين الأول 2022، وهكذا يكون هوكشتاين تخطّى صفته كوسيط تقني. تحوّل المبعوث إلى مرجعيّة غير مُعلنة في ملف الجنوب اللبناني، وغدا اسمه يتردّد كلّما اشتدّ التوتر بين الحزب واسرائيل. اتفاق الترسيم الذي دبّجه الأمريكيون تحوّل إلى اتفاق منجز ولكن لو نظرنا إلى مفاعيله الاقتصاديّة نجد أنّها غائبة أولنقل مؤجلة حتى إشعار آخر. 

في 7 تشرين الأول 2023، ومع اندلاع الحرب على غزة، اشتعلت الجبهة الجنوبيّة لكن هذا الاشتعال بقيَ محسوباً ومضبوطاً. كانت الرسائل تمرّ عبر واشنطن وباريس. لعبت فرنسا دوراً مكملاً منخلال مبادرتها السياسية التي طرحتها في خريف 2023. سعت المبادرة هذه إلى الربط بين انتخاب رئيس الجمهورية وتثبيت التهدئة في الجنوب. إلا أنّ المبادرة اصطدمت بالواقع القائل إنّ القرار لأخير لا هو لبناني ولا هو فرنسي. هو ببساطة حصيلة لمسار التفاوض الأميركي الإيراني، أي الأمريكي.

 

الاستقرار السلبي

العودة إلى العام 2025 تكشف أنّ هذا العام هو عام "الاستقرار السلبي". لم يشهد هذا العام حرباً شاملة وفي الوقت نفسه لم ينجح لبنان في الحصول على تسوية. وسلاح الحزب في هذا العام خرج نهائياً من صفته كموضوع داخلي للحوار أو المواجهة،وتعداه إلى ملف للتفاوض الخارجي المؤجّل. 

العام الذي يطوي ورقته خلال أيام هو عام تكريس العودة الأمريكيّة إلى لبنان. واشنطن على ما يبدو للمتابع استعادت شهيتها القديمة في عمليّة إدارة البلد، وقررت بذلك إدخاله، بلا ضجيج، في مسار من التفاوض الطويل. ما يلفتُ عند متابعة مجريات أحداث هذا العام هو شكل التدخّل الأمريكي. لم يشهد لبنان ضغوطاً فاقعة أو إملاءات مباشرة، وإنّما أساليب مختلفة في الإدارة للملفات بطريقة باردة. يأتي الموفدون ثمّ يغادرون، البيانات والتصريحات التي يخرجون بها صفتها البارزة أنها دقيقة. 

 

دفتر شروط وتهديدات 

هذه التصريحات يتلوها الموفدون الأمريكيون بلغة جافة ومحسوبة توحي بأنّ لدى قائلها دفتر الشروط.يتحدّثون عن الاستقرار والإصلاح ويطالبون لبنان بالالتزام ويذكرونه دائماً بأنّه كيان متفلّت. اللهجة التي يخاطب بها الأمريكيون لبنان أبويّة وتهديديّة طبعاً ولكن مموهة. هكذا يعني يحمل المبعوثون عصا الاقتصاد وجزرة الدعم الدولي ويتكلّمون دون أي التفاتة لتعقيدات الداخل اللبناني. 

نتائج  هذه التصريحات كانت شديدة الوضوح في الداخل اللبناني. يمكن اختصارها بكلمة واحدة "لبنان محضون أمريكياً". يتعاطى الأمريكي مع لبنان وكأنّه حالة مرضيّة مزمنة. هل لهذه الحالة من علاج؟ لا، ما يتوفّر لدينا الآن فقط هو المسكنات. المضحك المبكي هنا أنّ الدبلوماسيّة الأمريكيّة "تلبننت". الموفد الأمريكي يأتي ليجلس في جلسات خاصّة، يشرب القهوة، يصفّف شعره عند حلاق شهير، يلتقط الصور، يحرص على الودّ البارز والفاقع، يسأل أيضاً من أين تأتون بهذه "السكربينات". هكذا ندركُ ونحن نقرأ  كيف تحوّلت السياسة الخارجية إلى وظيفة اجتماعية، تشبه زيارات التعزية أو التهنئة والتبريك في الوقت الذي ينزف فيه البلد ويُقصف يومياً إسرائيلياً!

 

طحشة أمريكيّة

فيما يتعلّق بموضوع السّلاح يجد المتابع أنّه في هذه اللحظات المنصرمة لم يعد موضوع مواجهة. السّلاح أيضاً تدجّن إلى ورقة تفاوض. السّلاح الذي قُدِّم طويلاً على أنه أداة سياديّة أضحى يُدار بمنطق تقني. هذه الطريقة هي بشكل أوبآخر تفاهمات أمريكيّة غير معلنة. تفاهمات بين واشنطن وطهران على التأجيل الدائم. أو على الأقل هكذا تظهر الأمور. 

أمام ما تقدّم يجوز السؤال: ماذا حققت هذه "الطحشة" الأمريكيّة المستجدّة داخل لبنان؟ ربما تكون قد منعت الانهيار الشامل والفلتان الأمني، لكنها لم تُسهم إلى الآن في عمليّة بناء الدولة. ثبّتت خطوط التماس بدلاً من إزالتها. مع هذه "الطحشة" دخل لبنان في ثلاجة سياسيّة. ثلاجة في داخلها سؤال مفتوح على مصير التفاهمات المؤقتة المتعلقة بلبنان كبلد. تفاهمات لا تبني لهذا البلد مستقبلاً إنّما تبقيه راكداً وقريباً من حافة الانفجار.

ندخل ال 2026 وفي جعبتنا أسئلة عديدة ومتشعّبة، هل يمكن للبنان أن يخرج من دائرة الملف التفاوضي، ويعود إلى حيز الحلول والسياسة؟هل نبقى أسرى عام الاتفاق على الورق والضربات الإسرائيليّة تتتالى على لبنان؟ وقائع كثيرة بالتواريخ والأسماء، تُظهر لنا كيف حوّلت الدبلوماسيّة الأمريكيّة لبنان من دولة تبحث عن حلّ، إلى بلد يُدار بالجرعات والتطمينات المؤقتة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث