عار لبنان ومأساته

يوسف بزيالخميس 2026/01/01
roumieh1.jpg
السجون هي أدق تعبير عن أحوال لبنان (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قد يكون أدق تعبير عن أحوال لبنان، تلك التقارير عن أوضاع سجونه ومساجينه. الأمراض القاتلة المنتشرة، سوء التغذية والمعاملة، تلوث المياه، ندرة الرعاية الصحية، الاكتظاظ غير الإنساني في المهاجع والزنزانات، حبس بلا محاكمة لسنوات مديدة، عدد ضخم من المعتقلين اللبنانيين والسوريين على خلفية مساندتهم الثورة السورية وأيضاً بلا أي محاكمة، تكشّفت مظلوميتهم أكثر مع انفضاح وثائق التعاون بين نظام الأسد والمحكمة العسكرية في لبنان، ذات الصيت المعروف ببطشها بخصوم حزب الله تحديداً. 

 

باختصار، السجون في لبنان هي العار الذي يكلل جسم العدالة في لبنان، بل هي عارنا جميعاً. آلاف السجناء بلا حكم قضائي، وآلاف المعتقلين لأسباب سياسية، في الوقت الذي لم تنجز مؤسسات العدالة ولو محاكمة واحدة لأي جريمة سياسية أو مالية، ولا أكملت تحقيقاً واحداً في أي قضية كبرى مست حياة اللبنانيين وحقوقهم وأمنهم. بل وفي أحيان كثيرة أعفت كبار المجرمين وكبار المرتكبين من أي عقوبة أو ملاحقة وتركتهم طلقاء. 

عار غياب العدالة، وعجز القضاء والمفاسد التي تنخره، والشكوك العميقة باستقلاليته، والسطوة السياسية والحزبية والطائفية التي تديره (أو بالأحرى تخرّبه)، يعود كله إلى الانهيار المديد للنظام السياسي وفساده، كما إلى ضياع الدولة وسيادتها، كفكرة ومؤسسات وسلطة وولاء.

حال السجون والمساجين، هي التعبير الأمثل (والمتطرف) عن أحوال اللبنانيين وما صنعوه بأيديهم: بلد حبيس زنزانة العتمة والإذلال واللايقين والمصير المجهول والمرض والتهالك. 

 

المفارقة أن رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، من القضاة المشهود لهم دولياً، وحقوقي من الطراز الأول، وبالتأكيد على دراية تامة بكل ما يسمى "ملفات" قضائية. ونحن أيضاً على يقين أنه شديد الاستياء من تلك الأخبار الآتية من السجون ومراكز الاعتقال، وغاضب من كيفية اشتغال الجسم القضائي وما يتحكم به، لكن وكما قال أحدهم: روما من تحت ليست كما روما من فوق. وبمعنى آخر، السلطة الدستورية شيء، والسلطة الخفية شيء آخر تماماً. 

فمن هي تلك السلطة الخفية؟ 

 

ندرك أن العنوانين الكبيرين في لبنان اليوم، هما سلاح حزب الله والنظام المالي-المصرفي. وهما -كما اختبرنا وعرفنا يقيناً منذ 2019- متصلان اتصالاً حميماً، على نحو يكشف بنية نظام سياسي- مافياوي- ميليشياوي، متضامن ومتشابك في المصلحة السياسية وفي الفساد والنهب وفي الإفلات من العقاب.

هذا النظام، الذي تعرض لضربات كبرى، إن في العزلة والعقوبات أو في انهيار المصارف ومالية الدولة وقيمة العملة الوطنية، أو في الحرب المستمرة التي قصمت ظهر الحزب الحاكم.. ما زال يعاند في إطلاق سراح البلد وأهله. ما زال مصراً على سجن لبنان حتى التعفن، ومنعه من التحرر. وهو بمعونة نكوص معظم اللبنانيين إلى غرائزهم الطائفية وتسليم رقابهم لحصرية حزبية (متمردة باستمرار) أو زعامتية (مارقة دوماً وفاجرة أخلاقياً)، واندماجهم الكامل بمنظومة الزبائنية والإفساد والفساد، يستطيع هذا النظام الخفي والمعلوم أن يبقى هو السلطة الفعلية المتغلغلة في المؤسسات كما في النفوس، والقادر على تكبيل السلطات الدستورية، بل ودوس الدستور والقوانين والتلاعب بمقدرات البلد أو تخريبه أو أخذه إلى التهلكة.

يصح هذا في منظومة الصرف الصحي، أو في "الجامعة اللبنانية" أو في قانون الانتخاب، أو في الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أو في قضية انفجار المرفأ، أو في تعيين أصغر موظف.. إلخ. 

 

يحدث كل هذا، فيما المسيّرة الإسرائيلية "تتلصص" وتلاحق وتقتل حزب السلاح الذي سبب تلك الاستباحة التامة، وما عاد قادراً على إطلاق رصاصة واحدة تجاه إسرائيل، لكنه بارع حتى اليوم في حماية المنظومة القاتلة والفاسدة التي هندسها وسلّطها على البلاد، كـ"دولة عميقة" مارقة، لا قدرة على الخلاص منها. 

وعلى هذه الحال، وما بعد الهزيمة العسكرية الساحقة، لا غرابة أن يقودنا هذا النظام الخفي الفاسد إلى السجن الإسرائيلي الكبير، الذي يرتبه نتنياهو لطوائف وجماعات المشرق العربي التعس.  

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث