ما فائدة شجرة العيد من دون هدايا؟

نزيه درويشالأربعاء 2025/12/31
Image-1765795170
، لم يعد طريق الهاوية محتومًا ليس لأننا نضجنا واستوعبنا واقع المنطقة المستجَد (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

باكرًا وضعَنا والدانا أمام حقيقة لم تكن سهلة الاستيعاب: كل الأولاد يحبون «بابا نويل»، وينتظرونه ليس فقط للهدايا التي يحملها على ظهره، بل أيضا لشكله الطيب والكريم و«المهضوم». إلا أن الحقيقة أبسط وأكثر قسوة: حسنًا، بابا نويل ليس موجودًا حقًا! فاجأنا والدانا باعتراف مدوٍّ: نحن نستأجر شخصًا ليقوم بمهمة خداعكم؛ نفعل ذلك كي تفرحوا كما يفعل بقية الأطفال. أما الهدايا التي يحملها لكم، فهي في الغالب ما تتمنونه فعلًا، وقد قامت والدتكم بهذا الجزء من «الخديعة» على مدى أيام أو ربما أسابيع، لتتأكد مما ترغبون فيه، وأحيانا تلمِّح وتزرع الفكرة في عقولكم.

حينها، شكّل ذلك صدمة كبرى لنا، صاحَبها أسى كبير. لا أتذكر إن ذُرفَت دموع، ولكن بالتأكيد خيبة الأمل لم تبارحنا لأيام.. بعدها صار «بابا نويل» في كل سنة، هو البابا أو الماما. اختفت البراءة ولكن لم تختفِ المتعة تمامًا، طالما أن الهدايا المنتَظَرة بقيت تجد طريقها إلى قاعدة الشجرة بطريقة أو بأخرى.

هذه القصة ليست شخصية تمامًا؛ أعتقد أن كل الأولاد سيمرون بفصول مشابهة في عمر معيَّن من حياتهم، ومنهم مَن يطول استمتاعهم بالفكرة الجميلة أكثر من غيرهم. ولكن ما لم يتبرّع الأهل بكشف الحقيقة يومًا ما، سيتولى الأمر صديق طفولة أو زميل دراسة مبكرة أو «ابنة جيران».

مناسبة هذه القصة بسيطة ومخيفة في آن: ماذا ينتظرنا كلبنانيين في السنة الجديدة؟ هل ستكون هناك هدايا كالتي ينتظرها الأطفال تحت شجرة الميلاد؟ أم صدمات قاسية تفوق خيبات أملهم؟ وفي كل الأحوال، هل يحقّ لنا الاستمرار بادّعاء البراءة وانتظار «سانتا»؟

 

على المفترق

ولكن قبل الوصول إلى شجرة العيد، لعلّ العام المنصرم 2025 كان مفصليًا، بعد عقود من المراوحة والخيبات وهدر الوقت والفرص. فقد انتهى باحتمال تحوّل دراماتيكي؛ ليس أكيدًا تمامًا ولكنه احتمال جدّي إن أحسنّا اختيار أحد المنعطفَين اللذين برزا فجأة أمامنا خلال السنة، وكنّا نعتقد أن طريق الهاوية محتوم.

وفي الحقيقة العارية، لم يعد طريق الهاوية محتومًا؛ ليس لأننا نضجنا واستوعبنا واقع المنطقة المستجَّد والمتبدّل على إيقاع التغيّر الكبير في العالم، واستخلصنا أين تكمن مصلحتنا. وإنما، للمفارقة ومع الأسف، لأننا لم نفعل ذلك! بل غامرنا بالذهاب في الاتجاه المعاكس تمامًا: فتَحَ «حزب الله»، مدعومًا من إيران، جبهة عسكرية على إسرائيل مهدِّدًا بـ«اقتحام الجليل»، فكان ردُّ إسرائيل سحقُ الحزب بشكلٍ شبه كامل: البنية التحتية والفوقية، والقيادات والتمويل، وتفريغ القرى والبلدات المحاذية للجليل من سكّانها، مناصرين وغير مناصرين. ولكن أيضًا خسر الحزب هالته وهيبته، ليس تجاه عدوه فقط، بل تجاه اللبنانيين أيضًا، بمن فيهم حلفاؤه الذين بدأوا ينفضّون من حوله الواحد تلو الآخر. كل ما استثمرته إيران في الحزب على مدى عقود، خسرته في أقل من سنة. 

 

تراجع وتقدّم

ترنُّحُ الحزب من هذه الصفعات المؤلمة القاسية، معطوفةً على سقوط نظام الأسد في دمشق وقطع الإمداد، وضرب المشروع النووي العقائدي، وتقدّم محور «الخوَنة»، كما كان الحزب يحب أن يطلق على معظم العرب، كلّ ذلك سمحَ بانتخاب رئيس جديدٍ للجمهورية بعد شغورٍ طويل، وتكليف رئيس حكومة من خارج «النادي» الذي طوّعه الحزب بمشاركته في الفساد حينًا وبالسلاح أغلب الأحيان. 

وكرّت سبحة «تواضع» الحزب أمام: تشكيل حكومة تشبه رئيسها ورئيس الجمهورية، بيان وزاري سحبَ الثلاثية المشؤومة التي شرّعت سلاحه، إلتزام حكومي بالقرارات الدولية ولا سيما القرار 1701 ومندرجاته التي وافق عليها الحزب لوقف الحرب، إعلان حكومي بالبدء بتنفيذ خطة بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي بدءًا من جنوب نهر الليطاني، والشروع ببعض الإصلاحات المالية المطلوبة من صندوق النقد الدولي.

هذا بالظبط ما جعل شجرة العيد واقعًا قائمًا بعد طول فقدان، وعادت الهدايا تحتها لتكون احتمالًا معقولًا بعد أن كانت حلم أطفال مجنون. ولكن في نهاية المطاف، ما الفائدة من وجود شجرة العيد وزينتها البرّاقة، من دون الهدايا؟ 

 

سانتا لم يعد سرًا.. وكذلك الهدايا

أولى الهدايا المنتظَرة، وأثمنها وأصعبها، هي استكمال خطة بسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها، وتسلّم كل سلاح غير شرعي، والانتهاء من منطق «المقاومة» خارج إطار الدولة الرسمي. لا أزعم أن هذه الهدية هي ببساطة الكلمات التي أغلّفها بها. ولكننا لا نستطيع استمرار ادعاء البراءة أو المراوغة والكذب على الذات والآخرين، في حين كان سانتا واضحًا هذه المرّة من دون بزّته المرصعة الحمراء وضحكته المجلجلة؛ فإما أن نسير هذه الأمتار القليلة الصعبة المتبقية ونجتاز المنعطف بهدوء ولكن بثبات، وإما خطر أن تقوم إسرائيل بالعمل قد يطيح بالطريق كاملا وبمنعطفاته كافة.

ما يضاعف الخطورة، تردّد الحكم في المضي واتخاذ المنعطف الصحيح. وقد خفّف من سرعة المحرّك عمدًا، كمَن يحاول تأجيل ما يُفترض أن تعهّده بتنفيذه هو ما وفّر علينا استمرار الحرب الشرسة التي ركضت الدولة وهرول الحزب لوقفها. فجأة يُصبح الحديث عن «احتواء» السلاح وليس احتكاره، وعن رهن التطبيق بالظروف، وليس بأي جدولٍ زمني قصير أو متوسط المدى، في مغامرة لن تتردد إسرائيل، هي الأخرى، في ركوبها. 

فأمام كل تردد أو تراجع للدولة يتقدّم الحزب، ولو شفهيًّا، في رفضه تطبيق ما ترفض إيران أن يطبّقه قبل المقايضة المنتظرة مع الولايات المتحدة. إيران لديها هامش المغامرة بالحزب، ولكن هل لدى اللبنانيين هامش المغامرة بلبنان وبالطائفة الشيعية الرهينة؟

هدية ثانية ينتظرها اللبنانيون في السنة الجديدة، ولكن هي الأخرى قد تضحى مجرّد احتمال غير أكيد. وهي الانتخابات النيابية المفترض إجراؤها في شهر أيار المقبل. ضيّعت الحكومة فرصة وضع قانون انتخابات متطوّر جديد، كما وعَد خطاب قسم رئيس الجمهورية. وضيّعت فرصة «تحديث» القانون الساري نظرًا لصعوبة تطبيقه من دون تعديل. لم تتجرأ أصلًا على طرح مشروع تعديلات تلغي حرمان المغتربين من حقهم في الإقتراع كالمقيمين. تلعثم وزير الداخلية في مصارحة مجلس النواب واللبنانيين بعقبات القانون سمح للـ«الثنائي الشيعي» وحلفائهم بالمضي بسردية عطّلت القانون وقد تعطّل إجراء الانتخابات كاملة. لم تدافع الحكومة لا عن تقريرها التقني (دقائق تطبيق القانون) الذي ألزمها القانون رفعه إلى المجلس النيابي، ولا عن مشروع القانون المعجّل الذي تأخرت كثيرًا في إرساله إلى المجلس. رمت الكرة إلى المجلس وجلست تتفرّج كيف ركلها إلى خارج الملعب، غير عابئ بقوانين اللعبة ولا بالحكّام؛ فبدا وكأن في الأمر تواطئًا ضمنيًا مع رئيسه.. وها هي «الترويكا» بدأت تمدّ رأسها مجدّدًا.

تردّد آخر ومغامرة أخرى أصاب هدية ثمينة أخرى كان يُفترض أن تكون تحت الشجرة.

هدية ثالثة محتملة كانت قانون «الفجوة المالية». ومن المفترض أن يعالج كيفية إستعادة أموال المودعين من المصارف، وإعادة الثقة بالعمل المصرفي. أقرّته الحكومة منذ أيام وانقسمت وانقسم الشارع والهيئات والأحزاب والنواب حوله. من المنتظر أن يناقشه مجلس النواب بدءًا من مطلع السنة الجديدة. قانون لم يعجب أحدًا. المودعون سمعوا مرارًا أن الحكومة شطبت كلمة شطب الودائع؛ ولكنهم وجدوا أنها عمليًا لم تعط الضمانات المقنعة والكافية لذلك. وأنها قفزت فوق المحاسبة والمساءلة العادلة للمرتكبين. الأمل شبه معدوم بأن لا يطيّر المجلس، في شهور ولايته المتبقية، مشروع القانون بأكمله بدلًا من تحسينه، فتضيع هدية أخرى!

هدية رابعة صارت ممكنة، هي صدور القرار الظني في جريمة انفجار مرفأ بيروت بعد أكثر من خمس سنوات على وقوعه. فالقوى التي منعت وهددت وأرهبت ونجحت في تعطيل التحقيق لم تعد قادرة اليوم على فعل ذلك. وبات الأمل كبيرًا في وصول العدالة إلى حقيقة ما حصل، كيف ولماذا ومَن المسؤول؟

هدية خامسة ممكنة خلال السنة القادمة هي تطبيع العلاقات مع سوريا الجديدة، عبر بناء جسور ثقة سليمة والخروج من رواسب الماضي الثقيل على الطرفين. فمسائل ترسيم الحدود البرية والبحرية، وعودة النازحين السوريين إلى بلدهم، وحل لمسألة المسجونين السوريين في لبنان يرضي الطرفين، وغيرها من الملفات الاقتصادية والأمنية التي تبدو معقدة، تتطلّب فقط مقاربات مختلفة، وأشخاص مختلفين. وقد بدا واضحًا أن مَن يتولون المسؤولية في لبنان عن هذه الملفات، متملّقين أم مكابرين، قد فشلوا في التقدّم خطوة جدية واحدة في أيٍ منها. 

إلى هدايا أخرى، أقل صعوبة نظريًا ولكن ليست أقل أهمية، ينتظرها اللبنانيون منذ زمن طويل وباتت كأحلام الأطفال الخرافية: مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين حقًا، قضاء نزيه وسريع، كهرباء دائمة، مياه نظيفة، هاتف غير متقطّع، الإنترنت السريع، وباقي الخدمات الأساسية التي أدخلتها الأمم الحضارية في شرعة حقوق المواطنين ضمن الحق في مستوى معيشي لائق. كان حري بالحكومة الانكباب عليها قبل توقيع شراكات وتفاهمات  مُضحكة مع شركات الذكاء الاصطناعي العالمية ودعوتها للاستثمار في غبائنا البشري.

 

هل من «بابا نويل» للبنان؟

في عام 2026، يدرك اللبنانيون، كما أدركنا في طفولتنا، أن لا وجود لـ «بابا نويل» سياسي يهبط من السماء ليوزع الحلول والحلوى والهدايا. ويدركون أن السنة الجديدة هي سنة حساب لا سنة وعود.

بابا نويل اللبناني لم يعد مقنعًا لأحد؛ لا لحية اصطناعية بيضاء، ولا أكياس هدايا، ولا قصص مسلّية. ما ينتظر اللبنانيين ليس مفاجآت جميلة، بل قرارات مؤلمة، ولكنها ضرورية لتجاوز مرحلة الخطر المدمّر. فإما أن يبسط الجيش سلطته وتعلن الدولة نفسها، وتنجح العملية الديمقراطية، كي نعبر نحو «عهود خطاب القَسَم»، أو ستظل روزنامة السنة «مفخخة» بالتردد واللعب على الكلمات وترقّب التبعات، لنكتشف في نهاية العام القادم أننا بقينا حيث نحن، وأن الهدايا تحت الشجرة لم تكن سوى آمال أخرى معلّقة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث