يُردّد أركان الدولة اللبنانية كلاماً موحّداً مفاده أن تطبيق قرار حصر السلاح سيتمّ وفقاً للظروف. وكان موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، إبان زيارته لمعايدة البطريرك بشارة الراعي في بكركي الخميس الفائت، تأكيداً لتوجّه الدولة بأن القرار قد اتُّخذ ولا عودة عنه، إلا أن التطبيق يتطلّب ظروفاً ملائمة غير متوافرة في الوقت الحاضر.
في المقابل، تتعامل "القوات اللبنانية"، بجدّية مع هذا الطرح. فالأهداف واحدة بين أركان الدولة، وخصوصاً الرئيس عون من جهة، و"القوات" من جهة أخرى، غير أن ذلك لا يمنع وجود تباينات من حيث الرؤية لتطبيق قرار حصر السلاح. وتعتبر أوساط مقرّبة من "القوات" أن الصورة باتت واضحة لجهة غياب إرادة الدولة في مواجهة "حزب الله"، بل إنها لا تريد الاصطدام به.
من جهته، جاء كلام الأمين العام لـحوب الله الشيخ نعيم قاسم عالي النبرة، ومتمسّكاً بسلاحه، ومؤكّداً أنه لا شيء يقدّمه سوى ما فعله في جنوب الليطاني، معتبراً أنه لن يسمح بحصر السلاح في شمال الليطاني، ومتوعداً الدولة بعدم تقديم تنازلات لإسرائيل. وقد فُهم كلامه على أنه يقدّم الذرائع لإسرائيل كي تبادر إلى توسيع الحرب ضد لبنان.
وتلفت أوساط "القوات" إلى أن كلام قاسم يجب أن يُواجَه بمنطق الدولة الحازمة، لا بمنطق الانتظار وكسب الوقت: "فنحن عالقون اليوم بين حزب يرفض تسليم سلاحه، وإسرائيل المصرّة على نزعه بالقوة، فيما الدولة توقّفت عن المبادرة بسبب اعتبارات معيّنة، لا تشاطرها إياها القوات". وتشير الأوساط إلى أن الضربات الإسرائيلية اليومية، وإمكان التصعيد بعد لقاء دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وعجز الدولة عن إطلاق ديناميكيتها، تعود أسبابها إلى تمسّك حزب الله بسلاحه.
ولا شك في أن "القوات" تتمايز عن الدولة على هذا المستوى، إذ لا تعتبر أن هناك خطراً من اندلاع حرب أهلية|، إذا قام الجيش بتنفيذ قرار حصر السلاح في شمال الليطاني، "لأن هذه الحرب لا تكون سوى بين مجموعات أهلية وحزبية، لا بين جيش وميليشيا. وعندما تنفّذ الدولة قراراتها تكون دولة بكل ما للكلمة من معنى، وإلا تبقى دولة شكليّة".
وترى أوساط "القوات" أن قرار حصر السلاح كان يجب أن يُتَّخذ منذ العام 1990، وخصوصاً أن المستفيد الأول منه هو الدولة، لأن هذا الفريق المسلّح يصادر قرارها ويُبقيها في حالتي عزلة وشلل.
ولا يقتصر تمايز "القوات" عن الدولة على الملف السيادي فقط، بل يشمل أيضاً الملف المالي وآلية التعيينات وغيرها. إلا أن الأوساط تشير إلى أن "كل هذه التمايزات تبقى تحت سقف المؤسسات، وأن القوات ستستمر في الحكومة، لأنها تؤمن بأن لهذه الحكومة هدفاً مهماً، وهو الوصول إلى دولة فعلية". لكنها، في المقابل، ترى أن على الدولة إفهام حزب الله بأن دوره انتهى، وتذكيره دائماً بأن لا شيء اسمه سلاح خارج الدولة من الآن فصاعداً، ولا شيء اسمه مقاومة بعدما دخلنا زمناً آخر، لا تعلو فيه مصلحة فوق مصلحة لبنان واللبنانيين. وبالتالي، ليس من مصلحة لبنان البقاء على هذا الوضع، ولا الذهاب إلى حرب جديدة مع إسرائيل، ومطلب "القوات" هو أن تحزم الدولة أمرها وتصارح "الحزب" بعدم جواز جرّ لبنان إلى الحرب.
ومن المؤكّد، وفق أوساط "القوات"، أنه إذا تُرك حصر سلاح "الحزب" في شمال الليطاني رهناً بالظروف، فلن يكون هناك استقرار في لبنان. بل إن ترامب، بعد لقائه نتنياهو، اعتبر أن الحكومة عاجزة أمام "الحزب"، ما يعزّز احتمالات الحرب. وبذلك يكون حزب الله قد جرّ لبنان مرة جديدة إلى الدمار والموت، فيما تتحمّل الدولة المسؤولية الأساسية، بعدما اكتفت بحصر السلاح في جنوب الليطاني، وتركَت مسألة حصر السلاح في شمال الليطاني للظروف.
