صفحة بيضاء تخرق عام القلق جنوباً: تضحيات الجيش لإعادة الأمان

لارا الهاشمالأربعاء 2025/12/31
GettyImages-2199525304.jpg
بعد ساعات قليلة ستطفأ شمعة عام مليء بالأحزان والقلق، لكن وسط هذا المشهد السوداوي تكتب صفحة بيضاء. (المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

"ما النا نفس عالعيد، الواحد رزقو وبيوتو راحوا كيف بدوا يعيّد؟" هكذا يستقبل أبو شادي، ابن كفركلا، السنة الجديدة بعد أكثر من عام على التهجير. ففي مثل هذا اليوم من العام 2024 كان أبناء كفركلا الحدودية كسائر أبناء الجنوب يترقبون انتهاء فترة الستين يوماً من الهدنة التي بدأت في 27 تشرين الثاني من أجل العودة إلى قراهم. 

أقصى ما كانوا يحلمون به كان تفقد أرزاقهم وذكرياتهم، ولمسُ الحجارة التي ترعرعوا على سطحها منذ نعومة أظافرهم. بالنسبة إليهم لم يكن للعيد معنى بل كان مجرّد تعداد عكسيّ للأيام والدقائق في انتظار العودة.

 

سنة جديدة على رأسها الإحتلال

في فترة ما عرف بالهدنة التي بدأت في 27 تشرين الثاني ال 2024 كان من المفترض أن يستعد الإحتلال الاسرائيلي للانسحاب من جنوب لبنان خلال ستين يوماً، لكن ما حصل هو العكس. ما بين 27 تشرين الثاني ال 2024 و27 كانون الثاني 2024 توغّلت إسرائيل في وديان لم تكن قد دخلتها في فترة الحرب كواديي الحجير والسلوقي. فخّخت وفجّرت ودمّرت قرى بأكملها وقطعت أوصال البنى التحتية فيها.

كانت فترة توغّل بامتياز وصل فيها الجيش الإسرائيلي الى عمق ستة كيلومترات تقريباً داخل الأراضي اللبنانية إلى أن قرر تمديد فترة احتلاله لبعض قرى الشريط مثل ميس الجبل وحولا وبليدا ومحيبيب وكفركلا شهراً إضافياً، أي حتى 18 شباط 2025. 

طيلة فترة الهدنة وما بعدها غابت كل معاني العيد عن أهالي تلك القرى وحضر الخوف من المجهول نتيجة التهجير، أما اليوم فيتفاوت المشهد بين بلدة أخرى بفعل الدمار فيها، ومدى تماسها مع الحدود كما مساحتها الجغرافية. 

في ميس الجبل، ثاني أكبر مدينة بعد الخيام في قضاء مرجعيون، عدد كبير من السكان عاد وافتتحت مدرستها الرسمية على الرغم من الحذر. فمساحة البلدة الجغرافية تتيح لمن يملكون منازل بعيدة عن الحدود العودة إليها، لكن من دون أن ينسى أحد من تحدثت اليهم المدن التأكيد على أن الجزء الأكبر مما هدم في ميس الجبل حصل خلال فترة الهدنة. 

في كفركلا يختلف الوضع بحكم أن معظم منازل البلدة واقعة على الشريط ما أصابها بدمار هائل، أما من حاول من أهلها ترتيب وضعه بتركيب منازل مجهّزة مسبقاً فلم يفلح بسبب الاستهدافات الإسرائيلية لمنع إعادة الإعمار.

من القطاع الشرقي إلى الغربي، تعكس بلدة الناقورة واقع قلق لا يفارق أبناء الجنوب. يخبرك عباس عواضة، عضو المجلس البلدي أنه في مثل هذا اليوم من العام الماضي كانت البلدة الحدودية خالية من سكانها فعاث فيها الإحتلال الاسرائيلي خراباً.

يقول أحد سكان البلدة لـ"المدن" إنه على الرغم من الاشتباكات العنيفة التي شهدتها الناقورة خلال الحرب، فالجزء الأكبر منها دمّر خلال فترة الهدنة التي توغل فيها الإحتلال الإسرائيلي إلى العمق، فدمّر بناها التحتية إضافة إلى حوالى 90% من منازلها. لكن على الرغم من صعوبة العيش والقلق الدائم،  يحاول بعض الأهالي بمساعدة البلدية إعادة ضخّ الحياة في البلدة بعد عام على العودة، لكن بحذر. 

يقول عباس أن الحركة والتنقلات على الطرق تخفت مع غروب الشمس خوفاً من أي استهداف إسرائيلي، خصوصاً في ظل انعدام الإنارة بسبب تضرر شبكة الكهرباء خلال الحرب وما بعدها في فترة الهدنة.

الناقورة إذاً، وقبل ساعات قليلة على انقضاء الـ2025 وحلول الـ 2026، لم تعد هي إياها. فالبلدة التي كانت تنبض بالحياة والطاقة والإحتفالات مع استقبال كل عام جديد قبل بدء حرب الإسناد، هي اليوم في حالة حداد على نفسها وعلى جيرانها.

 

غصة الأهالي توازيها تضحيات الجيش

مع توسع الحرب الاسرائيلية على جنوب لبنان أخلى الجيش اللبناني مراكزه الأمامية التي تعرضت للتدمير والحرق منذ الحرب حتى الهدنة المفترضة. الجيش الذي اعتاد عناصره السهر على زناد أسلحتهم حماية للحدود في كل أيام السنة، أحرقت مراكز حدودية له وصل عددها إلى عشرين بفعل استمرار التوغلات الاسرائيلية حتى في فترة الهدنة، تحت ذريعة تدمير البنى التحتية لحزب الله. ليلة رأس السنة، 31 كانون الثاني 2024، كانت مراكز الجيش الحدودية مظلمة وكان جرح الجنوبيين على شهدائهم لم يلتئم بعد. 

لكن منذ وقف إطلاق النار، بدأ أمر العمليات وكلف الجيش بمهمة "درع الجنوب" التي تغطي منطقة جنوب الليطاني في بقعة عمليات على مساحة 1200 كيلومتر مربع تقريباً.

بعد عام أتمّ الجيش كل ما كلّف به في كامل البقعة، باسثناء المناطقة التي تحتلها اسرائيل على مساحة  11 ألف متر مربع تقريباً، تتوزّع بين التلال المحتلة والخروقات الدائمة للخط الأزرق كما النقاط الـ 13 المتحفظ على ترسيمها من قبل لبنان. بعد عام على بدء خطة "درع الجنوب" بات الجيش منتشراً في 200 مركز أي بزيادة مرتين ونصف تقريباً عما كان عليه قبل تلك الفترة، عبر تثبيت مراكز ونقاط تفتيش ووضع نقاط مراقبة وتسيير دوريات راجلة ومحمولة، هذا عدا عن عمليات المسح الضخمة لكامل قطاع جنوب الليطاني. وفي إطار بسط سلطته على كامل الحدود، يقفل الجيش تباعاً كل الثغرات التي يمكن للجيش الاسرائيلي التوغّل عبرها إلى الأراضي اللبنانية، وفقاً لما تظهره المراكز التي استحدثها في بليدا وعيترون والتي ينوي استحداثها في ميس الجبل. 

تعزيز الإنتشار حتّم بطبيعة الحال رفع عدد العناصر من 4500 تقريباً قبل الحرب إلى حوالى العشرة آلاف اليوم، استكمالاً لخطة حصر السلاح التي ينفذ الجيش جزءاً كبيراً منها منفرداً، واستعداداً لانتهاء مهمة اليونيفل في نهاية العام المقبل، إذ ستكون قد قلّصت 30% من عديدها بحلول 31/12/2025. 

في النتيجة، بعد ساعات قليلة، ستطفأ شمعة عام مليء بالأحزان والقلق. لكن وسط هذا المشهد السوداوي تكتب صفحة بيضاء تسطرها تضحيات الجيش اللبناني لتحقيق الهدف الأسمى، إعادة الأمان إلى أبناء الجنوب.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث