بين أحلام أردوغان وأطماع نتنياهو: كيف تُدار المنطقة أميركيًا

خلدون الشريفالاثنين 2025/12/29
(getty) أردوغان وترامب
تتحول سوريا إلى مسرح لإدارة التناقضات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا تسعى الإدارة الأميركية في عهد دونالد ترامب إلى التوفيق بين مشاريع إقليمية متعارضة في الشرق الأوسط، ولا إلى إنتاج تسويات مستقرة بين حلفائها المتنافسين. على العكس، يقوم النهج الأميركي على إدارة التناقضات لا حلّها، وعلى إبقاء الصراعات ضمن حدود قابلة للتحكّم، بما يسمح بتقليص الانخراط المباشر من دون خسارة النفوذ. في هذا الإطار، لا تبدو العلاقة بين طموحات رجب طيب أردوغان وأطماع بنيامين نتنياهو أزمةً ينبغي معالجتها، بل أداةً يُعاد توظيفها باستمرار.

 

أردوغان: طموح إقليمي بلا ضمانات

يسعى أردوغان إلى استعادة روح ما يُسمّى «السلام التركي» (Pax Turkica)، مستحضرًا مرحلة عثمانية وفّرت حدًّا من الاستقرار على طرق التجارة والفضاءات المتعدّدة الأعراق. اليوم، يريد نظامًا إقليميًا تدور محاوره حول أنقرة: تركيا مركزًا لوجستيًا وسياسيًا، وسوريا ما بعد الأسد دولةً مركزية متحالفة معها، وخالية من النفوذ الإيراني، مع شبكة تحالفات تمتد من العراق إلى ليبيا وأذربيجان، ومن دون قطيعة مع طهران، خصوصًا في ما يتصل بالملف الكردي والأمن الحدودي.

واشنطن لا تمانع هذا الطموح طالما يخفّف عنها الأعباء. مُنح أردوغان اعترافًا بدور إقليمي وحضورًا في ترتيبات ما بعد الأسد، لكن من دون ضمانات حقيقية: رفع محدود للعقوبات عن سوريا، لا مشاركة في إعادة الإعمار، ولا استعداد لكبح إسرائيل دفاعًا عن الدور التركي. ما مُنح لأنقرة هو هامش حركة، لا تفويض ببناء نظام.

تُضاف إلى ذلك قيود بنيوية واضحة: اقتصاد تركي هشّ، مديونية مرتفعة، وقدرة محدودة على تحمّل كلفة إعادة الإعمار أو الوجود العسكري طويل الأمد. لذلك يبقى الطموح التركي معتمدًا على الغطاء الأميركي أكثر من اعتماده على القوة الذاتية، وهو ما يضع سقفًا منخفضًا لأي مشروع جيوسياسي مستدام.

 

نتنياهو: تفوّق عسكري بلا شراكة إقليمية

في المقابل، تتحرّك إسرائيل من منطلق مختلف. فبعد الحرب مع إيران وتوسّع عملياتها في لبنان وسوريا، رسّخت تفوّقها العسكري وتسعى إلى تحويله إلى معادلة ردع طويلة الأمد. رؤيتها لسوريا واضحة: دولة ضعيفة، لامركزية، مع مناطق عازلة تمنع قيام سلطة مركزية قادرة على تهديد حدودها الشمالية.

من هذا المنظور، يُنظر إلى أي نفوذ تركي منظّم في سوريا بوصفه خطرًا محتملًا. محور سنّي تقوده أنقرة قد يحدّ من حرية الحركة الإسرائيلية ويُنتج بيئة أقل قابلية للضبط. لذلك لا تُخفي إسرائيل معارضتها لدور تركي موسّع، وقد ترجمت ذلك عمليًا عبر ضرب مواقع مرتبطة بالوجود التركي، وتوسيع مناطق عازلة بحكم الأمر الواقع.

ترامب يمنح نتنياهو هامشًا واسعًا للتحرّك العسكري، لكنه لا يمنحه حسمًا كاملًا. ما تضمنه واشنطن لإسرائيل هو التفوّق العسكري، لا النظام الإقليمي الذي تطمح إليه.

 

سوريا: ساحة موازنة لا دولة

هكذا تتحوّل سوريا إلى مسرح لإدارة التناقضات. يُسمح لتركيا بالتقدّم خطوة، ثم تُعاد خطوة إلى الخلف بالقوة. تُطرح أفكار قواعد عسكرية، ويُباشَر بترميم بنيتها التحتية، قبل أن تُستهدف بضربات إسرائيلية دقيقة تعيد رسم حدود الدور المسموح.

في المقابل، تتمدّد منطقة عازلة إسرائيلية من دون اعتراف دولي كامل، ولكن أيضًا من دون اعتراض فعلي. أمّا دمشق، فتُترك معلّقة بين خطاب الدولة وواقع الشلل الميداني، عاجزة عن فرض سيادتها حيث تمدّ إسرائيل نفوذها.

لا يُسمح لأي طرف بالانتصار الكامل، كما لا يُدفَع أيٌّ منهم إلى الهزيمة. الجميع محكومون بحركة محسوبة داخل ساحة مفتوحة تُدار فيها الصراعات لتبقى قابلة للتحكّم، لا للحسم.

 

غزة: الرمزية وحدود الدور التركي

إذا كانت سوريا ساحة إدارة التناقض، فإن غزة هي عقدته الأخطر. هنا لا يعود الصراع تقنيًا أو أمنيًا، بل يتحوّل إلى مواجهة على المعنى والشرعية. أردوغان قدّم نفسه، منذ اندلاع الحرب، بوصفه المدافع الأبرز عن القضية الفلسطينية، مستثمرًا الغضب الشعبي التركي لإعادة تموضع أنقرة رمزيًا في قلب الملف الفلسطيني.

غير أنّ هذا الحضور بقي محكومًا بسقف أميركي–إسرائيلي صارم. سُمح لتركيا بالخطاب العالي النبرة، لا بالفعل السياسي. لم تُمنح أي دور في هندسة ما بعد الحرب، حتى حين استُخدمت قنواتها في التواصل مع «حماس». الرسالة واضحة: يُسمح لتركيا أن تتحدّث باسم فلسطين، لا أن تُقرّر مصيرها.

بالنسبة إلى إسرائيل، غزة خط أحمر. قد تتحمّل الانتقاد، لكنها لن تقبل بتحوّل تركيا إلى لاعب مؤثّر في معادلة ما بعد الحرب. هنا يصبح التوازن أكثر هشاشة: تصعيد تركي في الكلام، مقابل إطلاق يد إسرائيل في الميدان.

 

امتداد واسع بلا مركز قرار

من القوقاز إلى ليبيا والعراق، تبدو تركيا حاضرة في ساحات متعدّدة. هذا الانتشار يمنحها صورة «القوة العائدة»، لكنه يكشف في الوقت نفسه غياب المركز الجامع. تركيا تتحرّك كثيرًا، لكنها لا تحسم، ولا تملك القدرة الاقتصادية أو الغطاء الدولي لتحويل هذا الحضور إلى نظام متماسك.

واشنطن ترى في هذا الدور فائدة مزدوجة: تركيا تملأ الفراغ وتضبط ساحات، من دون أن تتحوّل إلى قائد إقليمي. فاعل ميداني، لا شريك في القرار.

 

فلسطين: ذاكرة حيّة لا سيادة

تكتسب فلسطين في خطاب أردوغان بُعدًا رمزيًا إضافيًا. فهي ليست فقط قضية سياسية، بل استدعاء لذاكرة عثمانية خرجت من المشرق قبل قرن. غير أنّ هذه العودة تبقى رمزية: حضور في الذاكرة والخطاب، لا في القرار والسيادة.

إسرائيل تدرك هذا البعد، ولذلك تتعامل مع الدور التركي بحساسية مضاعفة. المسألة ليست «حماس» فقط، بل الخشية من تحوّل تركيا إلى مرجعية سنّية سياسية وأخلاقية في فلسطين.

 

إدارة الصراع بدل حلّه: توازن بلا عدالة 

في المحصّلة، لا تُدار العلاقة بين أحلام أردوغان وأطماع نتنياهو بوصفها صراع مشاريع متكافئة، بل كأداة وظيفية داخل استراتيجية أميركية أوسع تُحسن استخدام التناقضات من دون أن تسمح لأيٍّ منها بالخروج عن السيطرة. يُسمح لتركيا بالتمدّد والاشتباك الرمزي ورفع السقف الخطابي، ما دامت لا تتحوّل إلى لاعب سيادي قادر على فرض معادلات، ويُمنح لإسرائيل تفوّق عسكري مطلق، من دون أن تُلزَم بأي أفق سياسي أو تسوية نهائية.

في هذا التوازن المختلّ، لا تُبنى دول ولا تُحلّ أزمات. سوريا تُدار بوصفها ساحة اختبار دائمة لا دولة قابلة للحياة، وغزة تُختزل إلى ملف أمني لا قضية سياسية، وفلسطين تُعاد إلى موقع الرمز والذاكرة، لا إلى موقع القرار والسيادة. أمّا العدالة، فتبقى خارج الحساب، مؤجّلة إلى أجل غير مسمّى.

المنطقة، بهذا المعنى، لا تسير نحو نظام إقليمي جديد، بل نحو إعادة إنتاج فوضى مضبوطة تُدار من بعيد، وتُترك شعوبها رهينة توازنات لا تصنعها ولا تستفيد منها. وفي ظل هذا النهج، لا يُطلب من الفاعلين الإقليميين أن ينتصروا أو يُهزموا، بل أن يبقوا في حالة حركة دائمة، فيما تُفرَّغ القضايا الكبرى -وفي مقدّمها فلسطين- من مضمونها السياسي، وتُختزل إلى أدوات ضغط ظرفية داخل لعبة النفوذ.

هذه ليست مرحلة انتقالية، بل صيغة حكم. وما لم تُكسَر هذه المعادلة، ببناء تحالفات اقليمية تدرك خطورة المشروع الإسرائيلي وتواجهه، ستبقى السيادة والعدالة مؤجّلتين، والسلام نفسه مجرّد شعار يُستدعى عند الحاجة ويُطوى عند أول اختبار.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث