بلد يعيش على جرعات

محمود وهبةالخميس 2025/12/25
GettyImages-1982236809.jpg
الناظر إلى الحياة السياسية يراها بوضوح متوقفة عند عتبة واحدة "ممنوع الانفجار"(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

وكأنّ هذا البلد خُلقَ ليكون مفتوحاً على الاحتمالات. يعيش ويقتات على الفترات التي تنقلُه من مكان إلى آخر. توصيف مثل هذا يكون منصفاً لبلد مثل لبنان، منصفٌ ودقيقٌ لبلد تشكِّل مراحله الانتقاليّة وجرعاته نمطَ حياته، ولو شئنا القسوة لقلنا إنها سيرته الكاملة.وكأنّ هذا البلد أيضاً لا يتعدّى مسارهُ مرحلة التدابير المؤقتة منذ 1975 وحتى اللحظة، والأمور اليوم تغدو أعقد في بلد يطمحُ لأن يكون كياناً متماسكاً ولكنه لا يلوي على شيء، فمن أينَ له مرادُه؟.

المتابع لمجريات الأحداث في لبنان يدرك بحكم الملاحظة أنّ في هذه الرقعة من العالم، لا شيء قابلٌ للحسم، الملفات التي تشكِّل عصبَ الحياة السياسية والاقتصاديّة تبقى معلَّقة ولا تُقفل أبداً.  المسارات التي يجب أن تنتهجها تسلكُ فوراً باتجاه الاحتمال والشكّ والتعليق ولا تقترب من الحل. 

يعيش البلد الملعون (بتعبير محمد أبي سمرا)، اقتصادياً، على نظريّة مميزة قوامُها مجاراة الحدّ الأدنى الممكن. يكتشفُ المراقبُ أنّ العوامل المتوافرة في بلدان طبيعيّة، من خطط طويلة الأمد، وإجراءات لتنظيم الحياة المعاشة وعناصر قيام الدولة واستمرارها، تتحوّل هنا إلى مجرّد خطوات إسعافيّة. الاقتصاد اللبناني يتراكضُ المعنيون لضبطه ولملمة شتاته فقط حين يوشك على الانفجار، بعد ذلك يُتركُ للرحمن حين يقف على قدميه ويستعيد شيئاً من توازنه. يقفُ المواطن اللبناني أمام جريان الأحداث متفرّجاً، ما بيده حيلة.  هذا المواطن من المفترض أن يكون شريكاً في دورة الإنتاج لبلده. يتحوّل هنا إلى متفرِّج ينتظر صدمة من هناك وجملة اطمئنان من هناك. العيش يتحوّل هنا إلى سلوك يوميّ، معيشة لكلّ يوم بيومه، ولا فرصة للنجاة إلا بالمهارة الشخصيّة والعوامل الفرديّة والتدخّل الإلهي في الوقت الذي تكون في الحالات العادية أمراً عاماً لا بل حقاً مكتسباً ل "المواطن".

الانتقال إلى الشقّ السياسي لا يغيّر شيئاً في المعادلة. فالمشهد السياسيّ اللبناني لا يختلف كثيراً عن الاقتصادي. الناظر إلى الحياة السياسيّة يراها بوضوح متوقّفة عند عتبة واحدة "ممنوع الانفجار". في الوقت الذي تغدو عناوين الدولة الفعليّة وأسئلتها الكبرى فيما يخصّ العدالة والسيادة وملفات أخرى كثيرة تترك معلّقة وبلا أفق معلن أو مرئي. هكذا تأخذ السياسة أيضاً طابع اليومي واللحظوي.

 

استراحات مؤقتة 

بين هذين الحدين يتحرّك البلد. من الجيّد في زمن الأعياد أن ننظر إلى هذه الأعياد على تنوعها الطائفي والاجتماعي، بوصفها فرصاً للتواصل واستراحات يهربُ إليها اللبنانيّون من حالات احترابهم المستمرّة. هذه الاستراحات والمناسبات يستدعيها اللبنانيون وكأنّها لحظات للتهدئة والتعافي الآني الذي لا يلبث أن يتبخّر. لا يوجد تعافٍ حقيقي، ولا قدرة لهذا البلد بمقوماته الكثيرة الضائعة أن يُعيد إنتاج صورة بلد قادر على الفرح إلا في استراحات المحارب تلك. يغدو الفرح في أعياد اللبنانيين فرحاً عن السنة بأكملها وعن عيش ضائع على مدار 365 يوم، إنّه الفرح المؤقت الذي يلتقط من خلاله اللبنانيون أنفاسهم لينهضوا.

في هذا السياق، تبرز الثقافة في لبنان، وكأنّها تحاول أن تملأ الفراغ والخراب الذي ابتكرته السياسة والاقتصاد. إضافة إلى الاستراحات الطويلة، تشكّل الثقافة المعنى الفعلي للبنان.  تهبُ الثقافة للبلد معناه الخاص، تحاولُ ذلك رغم أنّها ليست قطاعاً اقتصادياً متكاملاً بل هي فقط شبكة من المصالح الخاصة والمبادرات الفرديّة والجماعيّة التي تعمل خارج منطق السياسة الفارغ  والسائد. يغدو الفن والأدب وعروض المسرح وحفلات الموسيقى والمسرح التجريبي ورحلات القراءة والنقد للبنانيين مكاناً آمناً وملاذاً.

على الجبهة نفسِها يشتغل الاغتراب اللبناني. شيئاً فشيئاً أصبح المغتربون اللبنانيون جزءاً بنوياً من نسيج البلد ومصالحه وقدراته الاقتصاديّة. المغتربون غادروا موقعهم كأناس خارج البلد ودخلوا إليه بقوّة جعلت خريطة البلد لا تكتمل من دونهم. التحويلات المالية وشبكات العلاقات التي يوظفها الاغتراب اللبناني في خدمة البلد، أصبح لها أكبر تأثير في رسم صورته وفي تحسين قدرات عيش المقيمين على الأرض بمشاكلهم وأزماتهم. 

البلد الذي يعيش على جرعات هي صفة لبنان التي تلتصق به منذ 1975، الصفة التي لم تتغيّر رغم تتالي الحروب وتحوّلها، ورغم الأزمات التي تبدلّت أشكالها. بقيت فكرة العيش على الجرعات ثابتة. وغدا لبنان بلداً يحلُم بالعيش الكامل، يتوق إلى الحياة الكاملة. يُقاسُ ما بقيَ من هذا البلد اليوم، بالحالة الثقافيّة ومساهمات الاغتراب، متنفّسان وحيدان يحتفظان بلبنان كصورة وهويّة بعيداً من موبقات السياسة والاقتصاد.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث