هل سبقَتْ سوريا لبنان إلى عناوين المنطقة؟

محمود وهبةالأربعاء 2025/12/24
Image-1765484308
تدخل دمشق، ولو بحذر، في خرائط الاهتمام الإقليمي والدولي. (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

المتابع لمجريات الأحداث في المنطقة والإقليم يدركُ بحكم الملاحظة أنّ سوريا قطعت مسافة كبيرة في عناوين المنطقة. سبقت سوريا ومعها أحمد الشرع لبنان إلى ترتيب أوراقها السياسية والسياديّة، ومحاولة جمع الشتات الذي تراكمَ لسنوات كثيرة. من هنا يغدو سؤال من نوع "هل عادت سوريا إلى المشهد" خلفنا، ويتحوّل تلقائياً إلى وقفة للتفكير بلبنان الذي يغادره شيئاً فشيئاً.

 

عودة سوريا إلى "المشهد" والاهتمام

تدخل دمشق، ولو بحذر، في خرائط الاهتمام الإقليمي والدولي. في الوقت نفسه يبدو لبنان وكأنه يتراجع خطوة إضافية إلى الخلف، متخلياً عن موقع "القضية" إلى هامش المتابعة. فيغدو البلد منتقلاً من خانة الدولة الإشكاليّة إلى كونه مجرّد ملف مُتعِبٍ لا يمتلكُ أفقاً واضحاً. 

 

بدءاً من حدودها مع إسرائيل، وتماسها المنهِك مع تركيا، وفيما شكّلت بوابة لإيران لسنوات، ومنطلقاً للنفوذ الروسيّ في شرق المتوسط، كل هذه العناصر تقول أنّ سورية، على الرغم من الخراب، لم تختفِ يوماً عن جردة حسابات المنطقة. بقيتْ بعثراتها الكثيرة التي واجهتها وأنهكتها، حاضرةً في نقاشات الأحداث. يحصلُ ذلك في دولة تتضح معالمه،ا لتؤكد أنّها بوتقة جغرافيّة سياسيّة مفصليّة. 

أما لبنان، فيراه المراقب كأنّه قد اختُصر تدريجاً إلى أزمة مالية، تلاها انهيار مؤسساتي، وما تبعَ ذلك من استحالة قيام كيان لا يعيش سوى على الإغاثة من هنا وهناك. والحقيقة تُقاربُ القول إنّ الفرق بين البلدين/ التجربتين لا يُختصرُ بحجم المأساة التي عاناها ويعانيها كلٌّ منهما، إنّما في موقع ودور الواحد على الخارطة الإقليميّة.

 

أمام هذه المعطيات التي قد يراها البعض مجحفة بحق لبنان، يحق للمتفرّج أن يسأل: ما الذي تغيّر؟ والجواب السّريع الذي يحضر في البال هو أنّ المنطقة بتحوّلاتها السياسية والاقتصاديّة صارت على ضفة أخرى، وتتطلّب من اللاعبين أدواراً بعيدة كلّ البُعد عن الضعف. اللاعب الذي يسمى أحمد الشّرع أدركَ هذه الخاصيّة، ونسج على أساسها منذ اللحظة الأولى. قدّمَت سوريا نفسها منذ سقوط بشار الأسد بوصفها مسألة أمن واقتصاد، بعيداً من السنوات التي كانت فيها حالة إنسانيّة فقط. هذان الشرطان أعادا سوريا إلى الطاولة، على اعتبار أنها حاجة وحجر ضروري في تركيب لغة المصالح في المنطقة، وأبعداها عن فكرة الضحيّة.

 

تداعي لبنان

على المقلب المغاير، يتداعى لبنان في مسارات خطاب الانهيار منذ 2019 وحتى اليوم. إذا وضعنا حزب الله ودوره المفصلي والجامح في ما وصلنا إليه جانباً، نجد على الأرض غياب سرديّة لبنانيّة جامعة، ولا نجد حتى قراراً موحّداً متعلّقاً بقضية من القضايا المطروحة، ولا حتى نزاعاً واضحاً يمكن للعالم أن يتعامل معه. كلّ هذه العوامل منعَت هذا البلد من تجهيز ورقة سياسية أو مشروع تفاوضي يسمح له بالانضمام إلى دائرة الأحداث المتلاحقة في المنطقة.

مع تتالي الأزمات وتتابعها يتّضح أنّ الأفرقاء المنوط بهم تسيير أمور هذا البلد، تحوّلوا إلى قوى تكتفي بإدارة الوقت وتمريره، ولا تفكّر للحظة واحدة بصناعة لحظة سياسية، أو خلق فكرة من شأنها إضافة جملة واحدة لمعنى هذا البلد. وهنا عين الخطر، حيث يكتشف المراقب أنّ لبنان فقدَ صوته. وهكذا تحوّلت السياسة اللبنانيّة إلى تهافت تدريجي، وكأنّها تخرجُ عن طورها كأداة تفاوض لتصير أداةً للتعطيل المستمر. 

في الوقت الذي تُعاد فيه هندسة ملفات المنطقة، من غزّة إلى البحر الأحمر، يبقى لبنان خارج طاولة البحث، ربما يحضر من حين لآخر كأثر جانبي عابر غير قادر على اختراق الإقليم أو جذب الاهتمام الدولي. في الجهة المقابلة، تُستعاد سوريا تدريجياً من باب الواقعية السياسية. والكلام هنا ليس من باب التفاؤل أوالانفحاط بتجربة ما تزال قيد التكوين.

 

العدالة الانتقالية وشكل النظام

بالطبع، لا أحد يجرؤ على الحديث عن عدالة انتقاليّة أو حلّ شامل لسوريا في غضون سنة أوسنتين، ربما تكون الطموحات ملخّصة بشيء من الاستقرار النسبي، وترتيب العودة الآمنة للاجئين، ضبط الحدود، إنهاء سرديّة الصّراع العربي الإسرائيلي التي كانت سوريا جزءاً أساسياً فيه لعقود. ببساطة يجدُ المراقب أّن النظام الجديد في سوريا تمكّن من فرض شكلٍ للنظر إليه والتعامل معه، هذه النظرة التي فرضها لا تقوم على تبرئته من أخطائه منذ استلامه لليوم، إنّما ركيزتُها واحدة هي خاصيّة التعامل معه كما هو،  دون أيّ توقعات، وبعيداً مما يُفترض أن يكون، وهذا منطقي فالسياسة هي في نهاية المطاف، لا تُكافئ الأخلاق والنوايا، إنّما تنحاز إلى القدرة على فرض الذات كحاجة، وهذا ما قدّمه الشرع.

هل يمكن للمشرق أن يُرى بعيداً من سوريا؟ الجواب قطعاً لا. ليس هذا الكلام من باب الإحباط. ولكن أضعف الإيمان أن يقول الرائي ما يراه. والسؤال المؤلم الآخر: لماذا لم يستطع لبنان أن يفعل الأمر نفسه؟ لماذا لم يفرض هذا البلد نفسه كقضية سيادة، وهذا ما يُنتظَر منه، لماذا لم يتعاطَ مع نفسه كحالة خطر استراتيجي،  مساحة انفجار محتملة تستدعي المعالجة إلى الآن؟ ربما يكون الجواب في التحوّل التدريجي لهذه الدولة إلى مجموعات مترامية لا تملكُ الإرادة، وجلُّ ما تتقنه هو اختزال السياسة وتحويلها إلى توازنات طائفيّة داخليّة، بدل أن تكون أداة اشتباك وحالة مطلوبة وحاجة لدى الخارج.

 

سوريا السبّاقة؟

هل سبقت سوريا لبنان إلى عناوين المنطقة؟ الأرجح نعم. لكن ربما الأدق أن نعترف أنّ سوريا ومن خلفها أحمد الشرع، تخطو خطواتها الحثيثة والجادّة نحو السياسة، فيما بقي لبنان عالقاً في ما قبل السياسة. والحكمة تفترض تحريك مروحة التفكير اللبناني بإعادة إنتاج الدولة والسعي للخروج من المأزق. حين ينظرُ الناظر إلى سوريا اليوم ومدنها المدمّرة، يرى أنّ هناك دولة تستعيد ذاتها وتقول ما يمكن أن ينقذ ما تبقى منها. أمّا لبنان فيراه أزمة متنقّلة يبتعد كلّ البعد عن تقديم نفسه كأولويّة في لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة الأولويات.

 ما يحتاجه لبنان اليوم دولة تقدّم حلاً لتراكمات الخراب وتفرضُ نفسها كفاعل في عناوين المنطقة، ربما لأننا في زمن عنوانه "اللي حضر السوق باع واشترى".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث