مرة جديدة، يُستحضر قانون الانتخابات اللبناني، لا بوصفه أداة ديمقراطية لتنظيم تداول السلطة؛ بل كوسيلة ضغط ومقايضة، وكذريعة جاهزة لتطيير استحقاق دستوري أساسي: الانتخابات النيابية المقررة في ربيع 2026. الأخطر في هذا المسار ليس الخلاف السياسي بحد ذاته، بل تحويل هذا الخلاف إلى ذريعة لتبرير التأجيل، أو التلويح به، في مشهدية ممجوجة تضرب جوهر النظام الدستوري وتنسف مبدأ دورية الانتخابات.
من هنا، لا بد من التذكير بداية بحقيقة قانونية بديهية يجري القفز فوقها عمدًا: لا يحق لأي جهة، تشريعية كانت أم تنفيذية، تأجيل الانتخابات بحجة عدم الاتفاق على قانون جديد. لبنان يمتلك قانونًا نافذًا للانتخابات هو القانون رقم 44/2017، الذي أُجريت بموجبه انتخابات 2018 و2022. قد لا يكون هذا القانون هو الأمثل ولا الأعدل، ولكنه سارٍ، ولا مجال لتغييره قبل خمسة أشهر فقط من الاستحقاق.
إن النقاش القائم اليوم يدور حول آليات تطبيق بعض مواده الناقصة أو المعلّقة التي تخصّ حصرًا مسألتي "اقتراع غير المقيمين" و"الاقتراع في مكان السكن". وهما مسألتان، للمفارقة، يُعارضهما "حزب الله" و"أخوه الأكبر" رئيس "حركة أمل" ورئيس مجلس النواب. وهذا هو لبّ الخلاف الحقيقي، مهما حاول البعض تغليفه بخطاب سياسي أو دستوري مضلل.
بازار سياسي بدل احترام الدستور
وليس الإصرار الذي يبديه نائب رئيس مجلس النواب على ربط إجراء الانتخابات بـ"التوافق"، إلّا استدراجًا واضحًا للمقايضة السياسية. لكن الدستور الذي يحبّذ التوافقات والتسويات، لا يعرف "توافقًا" يعلّق استحقاقات أو يمنعها، بل يعرف مهلًا إلزامية وانتخابات دورية. وأي محاولة لربط الانتخابات بإرادة سياسية (أكثرية أم أقلية) هي انقلاب مقنّع على النظام الديمقراطي، مهما حسنت النوايا المعلَنة.
فيما رئيس المجلس، المؤتمَن افتراضاً على التشريع والتمثيل النيابي لمعظم شرائح المجتمع، يمتنع عن الدعوة إلى جلسة عامة تناقش التعديلات المقترَحة على القانون الحالي، وتلك الضرورية، إضافة إلى القوانين المطروحة الأخرى، خوفًا من أن تأتي نتيجة التصويت بما يخالف رأيه ورأي حليفه "حزب الله"!
المادة 84: حكومة تتنصل من واجبها
المادة 84 من قانون الانتخابات، التي أشبعناها درسًا هنا على صفحات "المدن"، والمتعلقة بالبطاقة الإلكترونية الممغنطة التي تتيح الاقتراع في مكان السكن، لا ينبغي أن تكون موضع التباس. النص واضح: الحكومة هي التي تقترح التعديلات اللازمة على القانون التي يقتضيها اعتماد هذه البطاقة. ومع ذلك، بدلاً من أن تقوم الحكومة بواجبها الطبيعي، اختارت أسهل الطرق: تجاهل المادة عمليًا، أو استخدامها كشمّاعة تقنية لتبرير العجز، من دون أن ترسل أي اقتراح تنفيذي جدي في الوقت المناسب.
وما فعلته متأخرةً بإرسال مشروع قانون معجَّل، بدلًا من تعديلات مدروسة أعطاها القانون الحق باقتراحها، أسدى لرئيس المجلس فرصة ذهبية لإهمالها وعدم الدعوة إلى مناقشتها وإقرارها فورًا، بل أحالها إلى اللجان لـ"درسها" إلى جانب اقتراحات مشاريع أخرى أُغرقت بها اللجان فجأة.
اقتراع غير المقيمين: نصوص ناقصة… وإرادة ناقصة
أما في ما يخص اقتراع غير المقيمين، فالمسألة أكثر تعقيدًا، وأشد إحراجًا للسلطة بكل تكاوينها. ماذا يحتاج القانون لتطبيق المواد 112 و118 و 122 ولا تلبّيه المادة 124؟
المادة 112 تنص على تخصيص ستة مقاعد لغير المقيمين، موزعة بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين (ماروني، أرثوذكسي، كاثوليكي، سني، شيعي، درزي)، وبالتساوي بين القارات الست.
المادة 118 تحدد أن الاقتراع في الخارج يتم وفق النظام النسبي وعلى أساس دائرة انتخابية واحدة.
المادة 122 توضح المسار الانتقالي: يُضاف ستة نواب ليصبح عدد أعضاء المجلس 134، ثم يُعاد تخفيض العدد إلى 128 في الدورة اللاحقة عبر حذف ستة مقاعد من الداخل من الطوائف نفسها.
والمادة 124 تنص على أن دقائق التطبيق تُحدد بمراسيم تتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية.
أي أن المشرّع "الحربوق" الذي أعد القانون سنة 2017 كان يعلم بالنقص التشريعي الفاضح فيه، فأناط «نظريًا» إضافة ما يلزمه ليُطبّق بالحكومة، وأجّل المشكلة! اليوم، وقد دقّت ساعة الحقيقة، أدركت الحكومة أن المطلوب منها ليس عملًا إجرائيًا تقنيًا أو إداريًا، وإنما عملٌ تشريعي غير بسيط وغير متوافَق عليه وليس من مهامها أصلًا. ومع ذلك، بدلًا من أن تراسل المجلس بتقرير مفصّل عما يجب أن يقوم به لتمكينها من تطبيقه (إضافة المواد القانونية الضرورية الناقصة في لائحة واضحة أو تعليق العمل بدائرة الخارج)، أقدمت، متأخرة وتحت ضغط من داخلها ومن خارجها، على إحالة مشروع قانون معجّل إلى مجلس النواب، يعلّق عمليًا دائرة الخارج مرّة جديدة، ويقترح عودة غير المقيمين إلى التصويت لمرشحي الدوائر الـ15 كما حصل في 2018 و2022 .
فوضى تشريعية متعمدة
هي خطوة في الاتجاه الصحيح وتلبي تطلّعات معظم الناخبين غير المقيمين، لولا أنها أتت متأخرة جدًا. وكما في موضوع المادة 84 ، سمحت للرئيس بري باستنسابية عدم اعتبارها ضرورية وعاجلة على أبواب الانتخابات، خصوصًا أنها لم تقل صراحة إنها لا تستطيع تطبيق القانون كما هو، ولا ما يجب القيام به.
من المهم التذكير هنا بحقيقة قانونية أساسية: النقص في مواد القانون لا يُعالج بمراسيم تطبيقية. المراسيم تطبّق القانون، لا تستكمله. وعندما يكون القانون قاصرًا عن تنظيم مسائل جوهرية، فإن العلاج الوحيد هو تشريع جديد في مجلس النواب، لا اجتهاد إداري، ولا لجان تقنية من موظفين في الوزارات، مهما علَت مراكزهم.
أرنب مكشوف
من أكثر الذرائع إثارة للريبة، الادعاء بأن إعادة السماح للمغتربين بالتصويت لدوائرهم الأصلية يطيّر المهَل ويستدعي تأجيلًا تقنيًا. هذا ادعاء غير دقيق، بل يحمل الكثير من التلاعب ومن شبهة الأرانب!
تسجيل الناخبين في الخارج الذي انتهت فترته في 20 تشرين الثاني المنصرم، من السهل تقنيًا، متى عقد العزم، أن يُستأنف حتى آخر كانون الثاني 2026. فتنقيح سجلات الناخبين المقيمين، يبدأ في 1 شباط وينتهي في 30 آذار. إذن ليس هناك تعارض زمني، ولا استحالة تقنية. وتأجيل الانتخابات ليس ضرورة تقنية، بل خيار سياسي مقنّع.
مخالفة دستورية فاضحة
إن سلّمنا جدلا بحكمة وفضيلة المشرّعِ في تخصيص نواب للمغتربين في الخارج، إلا أن هذه "الغيرة المستجدّة" تصطدم بالمادة 24 من الدستور، التي تنصّ على أن المجلس النيابي يتألف بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين ونسبيًا بين الطوائف ونسبيًا بين المناطق. ما يعني أنه إذا كان لحوالى أربعة ملايين ناخب في لبنان 128 نائبًا، فمن غير المنطقي أن يخصَّص للناخبين في الخارج (وعددهم يُقدّر بين 800 ألف إلى مليون) ستة نواب فقط!
دقائق "المادة 124": تشريع لا مرسوم
ولكن لنتوقف قليلًا مع "الدقائق" التي أحالتها المادة 124 إلى المراسيم، ونزعم أنها تخرج عن اختصاص الحكومة وتدخل في صلب العمل التشريعي، وإلا فلماذا أفرد القانون فصولًا طويلة لكيفية الترشح والاقتراع في لبنان؟!
أبرز هذه الدقائق:
-
توزيع المقاعد الستة على الطوائف والقارات. ولو أن ذلك تطبيقيًا لا قيمة فعلية له، كون نظام الانتخابات في الخارج يعتبر القارات الست دائرة واحدة. فمهما كانت طائفة المقعد سيجري الاقتراع له من مجموع الناخبين في الخارج من مختلف القارات. ولكن مع ذلك، ومنعًا لفوضى الترشّح في الخارج، ينبغي الاتفاق على المعايير.
-
تحديد أهلية الترشح ومعاييرها والتمانع.
-
مِهَل الترشح والعودة عنها وتشكيل اللوائح وتسجيلها، وحق الاعتراض.
-
مكان تقديم الترشح، وهل على المرشح تقديم ترشحه في بيروت أسوة بمرشحي الداخل؟ وما هي المستندات المطلوبة؟
-
سقف الإنفاق الانتخابي في الخارج، وكيفية احتسابه بين الدول التي فُتحَت فيها مراكز. لأن لكل دولة اعتباراتها الاقتصادية.
-
تنظيم حساب الحملة الانتخابية وآلية تقديمه إلى "هيئة الإشراف على الانتخابات".
-
كيفية رقابة "الهيئة" على الإنفاق والإعلام في قارات الكوكب.
-
آلية مشاركة النائب "المغترب" في أعمال المجلس والتصويت في اللجان وفي الهيئة العامة. هل عليه الحضور إلى لبنان؟
-
كيفية إعادة تخفيض عدد النواب في الداخل في الدورة اللاحقة: مَن يقرر؟ وفق أي معيار؟ وفي أي دوائر؟
هذه ليست تفاصيل تقنية تُترَك لموظفين، بل أسئلة تأسيسية يجيب عليها قانون تشريعي وليس مرسوم تطبيقي.
إخلال بالمهام الدستورية
القول إن القانون الحالي "سهل التطبيق" من دون تعديل هو تبسيط مضلل. وتحويل هذا العجز إلى ذريعة لتطيير الانتخابات هو أخطر ما في المشهد. إن لعبة تقاذف المسؤوليات بين الحكومة والمجلس أو بين أعضاء المجلس، لم تعد تنطلي على أحد.
أتركُ جانبًا موضوع الكباش السياسي بشأن العودة أو عدم العودة عن القانون الساري إلى شطارة وبراعة ومؤامرات الكتل الحزبية في المجلس وموازين القوى. وهي بالمناسبة في معظمها كانت وافقت على القانون الحالي بثغراته العظيمة سنة 2017. وبعض الكتل ادّعى أبوّته.
الانتخابات ليست خيارًا سياسيًا، بل واجب دستوري. وأي سلطة، تشريعية كانت أم تنفيذية، تساهم بالفعل أو بالصمت في تعريضها للخطر، تتحمل مسؤولية تاريخية كاملة.
إن استنكاف السلطة التنفيذية، ممثلة هنا بالحكومة ورئيس الجمهورية، عن التدخل الحاسم، وترك المسألة لمجلس النواب ورئيسه، يشكل إخلالًا فاضحًا بالمهام الدستورية. فالانتخابات ليست شأنًا إداريًا عاديًا، بل استحقاق في صلب الدستور الذي أقسم رئيس الجمهورية على حمايته، وتعهدت الحكومة في بيانها الوزاري بإجرائه في موعده.
وإذا كان مجلس النواب مطالبًا بالتشريع، لكنه يماطل ويتلكأ عمدًا، فإن واجب السلطة التنفيذية ورئيس الجمهورية ليس مجاراته أو التفرّج عليه، بل ممارسة الضغط الدستوري والسياسي اللازم، التزامًا بخطاب القسم والبيان الوزاري، واحترامًا لروح الدستور ونصوصه. خلافُ ذلك يُخشى اعتباره من كثيرين مسايرةً ومحاباة، في غير محلّها، لطرفٍ على آخر!
هل مَن يتذكر اليوم التعهدات بوضع قانون انتخابات عصري؟
«عهدي أن أدفع مع الحكومات المقبلة باتجاه تطوير قوانين الانتخابات بما يعزز فرص تداول السلطة والتمثيل الصحيح والشفافية والمحاسبة».
