هي المرّة الأولى التي أزور فيها سوريا منذ العام 2010. جاءت الزيارة مصادفةً في ذكرى سقوط نظام بشار الأسد واعتلاء أحمد الشرع سدّة الرئاسة، كأنّ الزمن اختار أن يضع الرحلة في قلب التحوّل لا على هامشه.
من العبّودية شمال لبنان عبرنا الحدود اللبنانية بسهولة، لكنّ فضولي الحقيقي كان موجّهًا إلى الجهة الأخرى: كيف تبدو سوريا اليوم، وكيف يُستقبل القادمون إليها بعد كل ما جرى؟
على المعبر السوري، بدا كلّ شيء مُعدًّا بإتقان. عناصر الأمن العام شبّان صغار السن، هادئون، شديدو الأدب، بعيدون عن الصورة الثقيلة التي طبعت الذاكرة طويلًا. سلّمتُ هويّتي، فتوقّف العنصر قليلًا قبل أن يهمس في أذني بأنّ اسمي مُدرج على لوائح المطلوبين للتحقيق لدى الأمن السوري السابق منذ العام 2021، وأنّ عليّ مراجعة فرع المرجة لأسباب "تقنية".
سألتُه إن كانت لديه معلومات إضافية، فحضر رئيس القسم ليشرح أنّ مئات، بل آلاف الأسماء، أُدرجت في تلك اللوائح بناءً على وشايات، كثيرٌ منها جاء من طرابلس ومناطق لبنانية أخرى، مضيفًا أنّ بين الوشاة محلّلين، وإعلاميين، وشخصيات عامة، وسياسيين. لم أرغب في معرفة المزيد. عندها قال لي بهدوء: "القرار لك. إمّا أن تدخل سوريا أو تعود إلى لبنان، لكنّي أعدك أنّ معاملتك، إذا قرّرت المراجعة، لن تستغرق أكثر من عشر دقائق".
الدخول إلى حمص
هي المدينة الأقرب إلى طرابلس، ولي فيها ذكريات قديمة، إذ كنّا نزورها كثيرًا مع الوالد. نشتري "الشعيبيّات" -وفي طرابلس نسمّيها فطاير بالجوز- من محلٍّ محدّد، كما كنّا نشتري الأجبان من تلكلخ في طريق العودة.
ظهرت حمص مدينةً مدمَّرة؛ أكثر من نصفها ركام. أمّا جامع خالد بن الوليد، فيبدو شامخًا، كأنّه يروي وحده قصّة معاناة أهل المدينة.
الناس في الشوارع كُثُر، يرتادون الأسواق، والسير كثيف، ما يشير إلى عمق الطمأنينة لدى الناس في مدينة تعرّضت لقتلٍ منهجيّ وبراميل دمّرت نصف أبنيتها.
دخلنا الحيّ المسيحي وتناولنا الغداء في جوٍّ ميلاديّ واضح. "سوريا لكلّ أهلها"، قال النادل. سألته عن حال العمل، فأجاب: "نحن هنا في هذا المطعم، وبفضل الله، نعمل بشكلٍ ممتاز. أمّا العمل عمومًا في حمص فبطيء. الخدمات العامة تتحسّن، لكن ليس بالشكل الذي نطمح إليه".
إلى دمشق
لم أكن أتخيّل يومًا أنّ الزحمة في دمشق قد تماثل، أو حتى تفوق، زحمة القاهرة. عدد الناس في الأسواق، ليلًا ونهارًا، لا يُقدَّر. اخترت الإقامة في دمشق القديمة، ودخلتها ليلًا حيث أقمت في باب توما تحديدًا. الناس يسهرون في الشوارع حتى بزوغ الفجر.
احتفالات بانتصار الثورة، مسيرات كشفية، واحتفالات ميلادية.
أدّيت صلاة الجمعة في حيّ المالكي في "مسجد بدر" وكان عدد المصلّين كثيفاً، واللافت أنّ الخطيب أبلغ المصلّين أنّ وزارة الأوقاف حدّدت لكل مساجد سوريا زمن الخطبة، ومن الأذان إلى الصلاة بأربعين دقيقة، حرصًا على تنظيم المواقيت.
يشعر أهل الشام بالارتياح، بلا شك، لكنّهم فقراء، يبحثون عن مداخيل تكفي للعيش. الكلّ يبحث عن أكثر من وظيفة ليؤمّن خبزه. قال لي سائق سيارة أجرة: "أنا متخصّص بإصلاح أجهزة التلفزيون، لكن تلك الحقبة انتهت، فاستأجرت سيارة أسترزق عليها". وأضاف: "المسؤوليات في سوريا اليوم تقع على عاتق من بقي. آلاف الناس قُتلوا، وآلاف فُقدوا، وكثيرون يعيشون بإعاقات دائمة".
سائق آخر قال إنّ رواتب القطاع العام لا تكفي إلا أيّامًا قليلة من الإنفاق، وإنّ الكهرباء باتت تشبه لبنان: بضع ساعات من الدولة، والباقي عبر اشتراكات مولّدات أو طاقة شمسية، يعتمد عليها عدد كبير من أبناء دمشق.
مدينة تعجّ بالحياة، لكنّها تحتاج إلى جهدٍ هائل كي تستعيد ألقها. تحتاج إلى دورة اقتصادية حقيقية تُعيد تشغيل عجلة الإعمار والترميم، وتُخرج الاكتظاظ من كونه مجرّد حركة إلى كونه حياة.
الصعوبات في سوريا
ما لمسته في كلّ مدينة زرناها هو خليط معقّد من الأمل والتعب. الناس يريدون العيش، لا الشعارات. يريدون دولة تُقدّم خدمات أساسية، ويعرفون أنّها تحتاج إلى وقت، لكنّ صاحب الحاجة أَرعن.
التحدّي الأكبر في دمشق ليس أمنيًا، كما يظنّ البعض، بل اقتصادي واجتماعي: بطالة مقنّعة، بنية تحتية متهالكة، خدمات شحيحة، وذاكرة جماعية مثقلة بالخسارات.
هناك شعور عام بأنّ مرحلة الخوف انتهت، لكنّ مرحلة الطمأنينة لم تبدأ بعد. الفجوة بين سقوط النظام وبناء الدولة لا تزال واسعة، وتُملأ يوميًا بجهود فردية، لا بسياسات عامة واضحة المعالم.
العلاقات اللبنانية- السورية
العلاقة بين لبنان وسوريا لا يمكن أن تُعاد ترميمها بالعموميات ولا بالمجاملات الدبلوماسية. هي علاقة مثقلة بالدم والشكوك والملفّات المفتوحة، وأيّ حديث عن صفحة جديدة يبدأ حكمًا من بناء الثقة، لا من تبادل الصور أو البيانات. وبناء هذه الثقة يمرّ، أوّلًا وأساسًا، عبر الإفراج عن جميع الموقوفين السياسيين الذين اعتُقلوا بسبب معارضتهم لنظام بشار الأسد، أو بسبب انتماءاتهم السياسية، بما فيها الانتماء إلى "جبهة النصرة"، في سياق حرب أهلية معقّدة لا يمكن اختزالها بتوصيفات أمنية جاهزة. هذا بات المطلب السوري الأوّل بلا شك.
في المقابل، طُويت في سوريا صفحة الصدام مع حزب الله. هذا قرار سياسي واضح لا التباس فيه. السوريون يعرفون أنّ ما خلّفته سنوات التدخّل والاقتتال جروحًا عميقة قد لا تندمل، لكنّهم حسموا خيارهم بعدم الذهاب إلى مواجهة جديدة، مهما كانت الاستفزازات أو الحسابات الإقليمية. الأولوية اليوم هي منع أيّ انفجار أمني، لا فتح جبهات. والسوريون لا يريدون التدخّل في الشؤون اللبنانية، لكنّ وجهة نظرهم تشير إلى أخطاء ترتكبها الحكومة في مقاربة ملفّ سلاح حزب الله قد تؤدّي إلى عكس المرتجى. فالضغط يولّد الانفجار، واسألوا بها خبراء.
الأخطر، والأكثر حساسية، هو الملفّ المذهبي. هنا، لا مجال للتجريب ولا للمزايدات. هناك إدراك صارم بأنّ أيّ لعب على هذا الوتر سيقود إلى خراب شامل، داخل سوريا وعلى امتداد الحدود اللبنانية. لذلك، الخيار المعلن هو واحد: عدم إشعال فتن مذهبية، لا في الساحل ولا في الداخل، وعدم السماح بتحويل الجراح المفتوحة إلى وقود لصراعات جديدة.
بهذا المعنى، إمّا تُبنى العلاقة اللبنانية- السورية على أسس سياسية واضحة، صريحة، ومسؤولة، أو تبقى معلّقة، هشّة، وقابلة للاهتزاز عند أوّل اختبار. أمّا العودة إلى منطق الوصاية أو الثأر أو الحروب بالوكالة، فقد سقطت مع سقوط النظام، ولن يُسمح بإحيائها من جديد.
أمام لبنان وسوريا فرصة حقيقية للتعاون الاقتصادي في البرّ والبحر، والصناعة والزراعة ... وإعادة الإعمار. سوريا تحتاج إلى لبنان بطاقاته، ولبنان منفذه الطبيعي والأساسي هو سوريا. وواهمٌ من يصدّق أنّ السلام مع إسرائيل حاصل غدًا، وأنّ الطرق ستُفتح أمام لبنان من كل الاتجاهات. لبنان وسوريا يحتاجان بعضهما أكثر من احتياجهما لأيّ بلد ثالث. فهل يلتقط قادة البلدين الفرصة، أم يضيّع لبنان، تحديدًا، فرصةً كسائر الفرص التي أضاعها أهل الحلّ والربط من باب المكابرة والمناكفة والتعصّب؟
