جنوب الليطاني وشماله

مهند الحاج عليالثلاثاء 2025/12/23
Image-1766437585
إضافة إلى السلاح.. هناك حاجة لمواجهة مافيا اللوبي المصرفي في لبنان (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

خلال أسابيع قليلة، تُعلن الدولة اللبنانية الانتهاء من عملية حصر السلاح بيد الدولة جنوب الليطاني. وهذا ليس بالإنجاز الهين، أكان للدولة نفسها أو للجنوبيين الذين عانوا من تحولهم رهائن لحسابات إقليمية لا تقع حيواتهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم ضمنها. إنها مرحلة جديدة لكنها تأتي مع أثمان وتحديات عديدة في الداخل مع الشبكة الإيرانية ومافيا الفساد (بيئتها الحاضنة الحقيقية)، وفي الخارج مع قوة احتلال إسرائيلية.

 

في الداخل، تُواجه حكومة نواف سلام ضغوط الشبكة الإيرانية. في مكان ما على الأراضي اللبنانية، هناك جنرال في الحرس الثوري الإيراني يُصدر أوامره لعرقلة استكمال عملية حصر السلاح بيد الدولة. هذا ليس افتراء أو تضخيماً، ذلك أن الدور الإيراني المباشر في إدارة "حزب الله" لم يعد يحتاج إلى اثباتات بعد إعلانات عديدة خلال العامين الماضيين، من اغتيال الجنرال محمد رضا زاهدي (عضو مجلس شورى التنظيم، أي قيادته العليا)، لمقتل أو إصابة جنرال إيراني مع كل قيادي كبير (العميد الإيراني عباس نيلفوروشان مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله). لذلك هناك حاجة لفتح خط تواصل مع إيران في سياق عملية حصر السلاح، واللجوء للمؤسسات الدولية لمواجهة طهران في حال عرقلتها العملية.

ولكن أيضاً هناك حاجة لمواجهة مافيا اللوبي المصرفي في لبنان، وهي البيئة الحاضنة للتنظيم، أكان من خلال عرقلة الإصلاحات المالية المطلوبة وإبقاء البلاد في مستنقع اقتصاد الكاش وحرمان الدولة من عائدات تحتاجها لتحسين ظروف موظفيها وعلى رأسها الجيش وقوى الأمن. لا يُعقل أن يُواجه لبنان هذه التحديات الكبرى بجنود لا يكفيراتبهم أسبوعاً واحداً!

 

بإمكان اللوبي النفخ من خلال إعلامهم والمرتزقة العاملين لديهم في أبواق العداء لإيران وحب السلام، لكن الواقع يشي بأنهم ومن خلال عرقلة المرحلة الانتقالية يُهيئون الأرضيةلديمومة اقتصاد الكاش ومعه عالم بأسره يقضم من سلطة الدولة، يمتد من الميليشيات لعالم الجريمة المنظمة. وهذا اللوبي أشد خطورة على الدولة لجهة قدرته على إسقاط الإصلاحات وإضعاف الحكومة، ثم عرقلة عملية حصر السلاح. وهذا عمل خبيث يحرم ملايين اللبنانيين من الاستقرار لمصلحة أفراد معدودين.

 

في الخارج، تأخذ السياسة الإسرائيلية أشكالاً متعددة. أولها التشدد في مواجهة المفاوض اللبناني عبر التهديد المستمر بالحرب، وعدم إظهار أدنى مؤشر لحسن النية في مواجهة جهود الجيش في حصر السلاح وضمان أمن الحدود. ما حصده الجانب اللبناني لهذه اللحظة كان القصف تلو الآخر في البقاع والجنوب وضواحي بيروت. ثانياً، الحديث عن التعاون الاقتصادي بات مرادفاً لتهجير قسم من الجنوبيين، وهذه عدوانية من صنف آخر. لو أن الحكومة الإسرائيلية تتحدث مثلاً عن فرص اقتصادية تربط جنوب لبنان صناعياً وتجارياً بالطرف الثاني من الحدود، أو عن منطقة حرة في مناطق غير آهلة، بالإمكان النقاش فيها. لكن ما يُطرح اليوم هو منطقة اقتصادية مشتركة فوق بيوت الناس وداخل قراهم، هي عملية تهجير بعنوان آخر. وهذه عدوانية لا نملك سلاحاً في مواجهتها سوى إيضاحها في العلن، والتصويب عليها على المستوى الرسمي، وهذا لا يحصل على نحوٍ كافٍ للأسف.

ثالثاً، لدى إسرائيل مشروع داخلي لبناني يطل برأسه من خلال وسائل التواصل وبعض أبواق الاعلام، وهدفه الرئيسي إثارة النعرات الداخلية. هذا المشروع ليس صغيراً وصار بحجم لا يسمح لأي لبناني بتفاديه في الفضاء العام. التدخل بالشأن الداخل اللبناني يجب أن يُشار إليه في المفاوضات وخارجها، إذ لا يُعقل أن يتفاوض لبنان واسرائيل على كعكة استقرار تُواصل الأخيرة قضمها. أي اتفاق أمني أو خلافه يجب أن يلحظ هذا التدخل غير الحميد.

 

يُواجه لبنان بحكومته تحديات جمّة، لكنه أثبت رغم اهتراء الدولة خلال السنوات الماضية، قدرة ليست بالهينة على الإنجاز أكان في مواجهة الضغوط الإسرائيلية المستمرة بعدم تبديل شروطه الأساسية في المفاوضات أو في حصر السلاح بيد الدولة جنوب الليطاني. المطلوب اليوم إطلاق المرحلة الجديدة بتأن وإصرار على تحقيق استقرار للجنوبيين والالتفات لحاجاتهم في إعادة الاعمار والعودة. 

تبقى ممارسة حق الناس بالعودة ورقة ضغط أقوى من السلاح والأنفاق والدعم الخارجي الذي لم يظهر سوى كحبر على ورق.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث