من أرامكو إلى غرينلاند: كيف فكّك ترامب الانتظام العالمي

خلدون الشريفالاثنين 2025/12/22
Image-1766347816
التحالف مع واشنطن لم يعد ضمانة تلقائية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليس دونالد ترامب مجرّد رئيس أميركي كاسر للأعراف، بل إن ولايته الثانية جاءت كلحظة كاشفة في تاريخ السياسة الأميركية: لحظة الانتقال من إدارة النظام العالمي إلى تفكيكه المقصود والعلني. ففي عهده، لم تُراجع واشنطن سياساتها فحسب، بل تخلّت عن الفرضية التي حكمت سلوكها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: الانتظام الدولي، بالرغم من كلفته، يخدم المصلحة الأميركية على المدى الطويل.

من تعرّض للضرب والتهميش لم يكن خصوم الولايات المتحدة وحدهم، بل الأسس التي قامت عليها زعامتها العالمية: التحالفات، الضمانات، الردع، والالتزام بالقواعد. ومن أرامكو إلى غرينلاند، يمكن تتبّع خيط واحدناظم: أميركا لم تعد ترى نفسها مديرة النظام وحارسته، بل لاعبًا يقتطع منه ما يشاء ويترك الباقي للفوضى.

 

أرامكو لحظة الانكشاف الأولى

في أيلول/سبتمبر 2019، تعرّضت منشآت أرامكو السعودية لضربة عطّلت نحو نصف إنتاج النفط. لم تكن الضربة عسكرية إيرانية فحسب، بل كانت اختبارًا لعمل المظلة الاميركية. وجاء الرد صادمًا: لا حماية ولا رغبة في المواجهة، ولا استعادة فورية للردع، ولا حتى محاولة جدّية لترميم صورة الحليف الحامي.

في تلك اللحظة، تلقّى الخليج رسالة لا لبس فيها: التحالف مع واشنطن لم يعد ضمانة تلقائية، والحماية الأميركية لم تعد التزامًا استراتيجيًا، بل خدمة مشروطة وقابلة لإعادة التفاوض وإعادة التشكيللم يكن ذلك خللًا عابرًا، بل مؤشرًا مبكرًا على منطق جديد سيحكم السياسة الأميركية لاحقًا.

 

الناتو: من تحالف مقدّس إلى فاتورة مفتوحة

من هنا يمكن فهم انقلاب ترامب على "المقدّس الأطلسي". لم يكتفِ بالمطالبة برفع مساهمات دول الناتو، بل ذهب أبعد، ملوّحًا بعدم الدفاع عن "المتخلّفين عن الدفع".

ثم جاءت رغبة اميركا في الاستحواذ على غرينلاند، لا كزلة لسان أو نوبة استعراض أو مناورة لتحسين الشروط، بل كحدث سياسي ومؤشر بالغ الدلالة: المطالبة بأرض أوروبية تابعة لدولة عضو في الناتو، بل والتلميح إلى إمكانية السيطرة عليها بالقوة.

للمرة الأولى منذ 1949، بات مطروحًا أن تستخدم الولايات المتحدة جيشها ليس لحماية حليف في الأطلسي، بل للاعتداء عليه بالتنمر بداية وصولاً إلى المطالبة بأراضٍ وثروات تعود لهذا الحليف.    

هنا لم يعد الناتو تحالف قيم أو مصير مشترك، بل ترتيبًا مصلحيًا هشًا، قابلًا للتفكيك متى انتفت الجدوى.

في هذا السياق، لم يتعامل ترامب مع أوروبا كشريك استراتيجي، بل كعبء اقتصادي وأمني. حروب تجارية، تهديدات جمركية، استخفاف علني بالقيادات الأوروبية، وتشكيك في جدوى الاتحاد الأوروبي نفسه.

أوروبا، التي اعتادت الاحتماء بالمظلّة الأميركية، وجدت نفسها للمرة الأولى مضطرة إلى الدفاع عن شرعية التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية والتمسك بهذا التحالف، لعدم امتلاك خطة بديلة أو حتى قدرة على الاستقلال لاتحاد أوروبي تأسس على قاعدة التكامل والتناغم مع اميركا. 

 

فنزويلا حصار النفط ونزع الشرعية

في المقابل، شدّد ترامب قبضته على الجوار القريب. أعاد إحياء عقيدة مونرو بصيغتها الخام: أميركا اللاتينية مجال نفوذ حصري، وأي حضور صيني أو روسي أو أوروبي أو حتى شعور سيادي لدول المنطقة يُعدّ تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة ومصالحها. 

لم يكن الهدف توسيع الحضور العسكري الأميركي عالميًا، بل تخفيفه من العالم مقابل السيطرة الصلبة على الساحات الخلفية. هكذا، لم تتراجع أميركا، بل أعادت تموضعها على نحو أكثر انكماشًا من جهة وأعتى خشونة من جهة اخرى. 

ضمن هذا المنطق، شكّلت فنزويلا نموذجًا مثاليًا لسياسة ترامب في الانقضاض على الضعفاء. القرار الأميركي بحصار إنتاج وتصدير النفط الفنزويلي لم يكن إجراءً تقنيًا، بل سلاحًا استراتيجيًا استهدف شريان تلك الدولة الأساسي.

ولم تتوقّف المقاربة عند العقوبات، بل رافقتها رغبة داخل دوائر القرار الأميركي في تصنيف الدولة الفنزويلية برمّتها كـ"دولة إرهابية"، أي نقل الصراع من الضغط السياسي إلى نزع الشرعية الكاملة.

فنزويلا كانت هدفًا سهلًا: دولة منهكة، معزولة، وغير قادرة على الرد. وهو ما ينسجم تمامًا مع نمط ترامب في استخدام القوة القصوى حيث تكون الكلفة العسكرية صفرًا تقريبًا. 

 

تفريغ الالتزامات لا صناعة السلام

محاولات الانسحاب من مناطق انتشار الجيش الأميركي لم تكن تعبيرًا عن نزعة سلمية، بل عن تفريغ منظّم للالتزامات. أفغانستان، سوريا، العراق والتلويح بالانسحاب من أوروبا الشرقية، كلّها خطوات هدفت إلى خفض الكلفة، وترك الحلفاء في فراغ استراتيجي، ثم إعادة التعامل معهم من موقع الابتزاز.

ورغم الخطاب التصعيدي، تجنّب ترامب الصدام العسكري المباشر مع القوى الكبرى، أو القوى الاقليمية المقتدرة بعض الشيء. لا حرب شاملة مع إيران، لا مواجهة مع الصين، ولا اشتباك حقيقي مع روسيا في أوكرانيا.

هذا لم يكن تردّدًا، بل عقيدة واضحة: استخدام القوة حيث لا قدرة للطرف الآخر على الرد، وتجنّبها حيث قد تُدفَع كلفة أميركية بشرية أو استراتيجية.

من هذا المنظور، يمكن القول إن سياسة ترامب -رغم فوضويتها- وفّرت حماية فعلية للأرواح الأميركية عبر تجنّب الحروب الكبرى، لكنها فعلت ذلك على حساب الردع والاستقرار والنظام العالمي.

في الشرق الأوسط، لم يقد ترامب حربًا على إيران. ما جرى فعليًا هو ترك إسرائيل تضرب الدفاعات الجوية الإيرانية، وتطال المنشآت النووية والعلماء وقادة العسكر والحرس بينما اكتفت واشنطن بالغطاء السياسي.

لم يكن الهدف إسقاط النظام ولا فرض تسوية، بل تعليق إيران في حالة استنزاف دائم، بلا أفق ولا قرار حاسم حتى اقتراب لحظة التسوية أو السقوط غير المكلفين على أميركا.  

وفي واحدة من أكثر المفارقات دلالة، تعرّضت قطر لضربة إسرائيلية سافرة، ثم مُنحت لاحقًا التزامًا دفاعيًا أميركيًا. لم يكن ذلك تناقضًا، بل منطقًا ترامبيًا خالصًا: الحليف لا يُكافأ قبل الاختبار، بل بعد اجتيازه الصدمة. الولاء يُقاس بالتحمّل، لا بالثقة.

 

أميركا بلا نظام

ترامب لم ينسحب من العالم، بل أعاد تعريف علاقة أميركا به. حلفاء أقل، التزامات أقل، فوضى أكثر، وكلفة أدنى على واشنطن.

ما فكّكه ترامب لم يكن سياسة بعينها، بل هو الانتظام الاميركي الجديد نفسه، ذلك التوازن الدقيق بين القوة والتحالف، بين الردع والخضوع، بين الهيمنة وحماية المصالح 

ومن أرامكو إلى غرينلاند، لم يعد السؤال: ماذا تريد أميركا، بل هل تخلت اميركا عن ادارة النظام العالمي برمته؟ وهل تريد الحفاظ على النظام الذي كان في الأصل. 

بلا شك ترامب لم يعد شخصًا أو فردًا، بل صار السياسة التي تنتهجها الولايات المتحدة كلها والرهان على تغييرها بعد نهاية ولاية ترامب لن يكون رهانًا جيدًا. تعامل الدول مع تلك السياسة المستحدثة يتطلب الاعتماد على الذات وتشكيل قوى قادرة على امتصاص رغبات الهيمنة المطلقة. 

ولعل إسرائيل تعلمت الدرس من أميركا بسرعة فائقة وجاءت تفرض هيمنتها/ حمايتها/ فائض قوتها، على المنطقة الممتدة من المشرق العربي إلى تركيا وإيران والخليج وصولًا لباكستان وبعض افريقيا. وهنا نفهم سبب محاولات تشكيل تحالفات ما زالت جنينية بين دول المنطقة المتضررة من محاولات الانقضاض الاسرائيلية بضربات قاضية على دول الاقليم من أضعفها إلى أقواها. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث