الصوت هو منبع اللغة. لكنها التي تحوله إلى ما يتجاوز "الأثر السمعي فقط". فمهمة اللغة هي صياغة العقل وإنطاقه، فيتحول الصوت من فعل سليقي، إلى إطار متكامل يشتمل على كل جوانب الحياة بماضيها، حاضرها ومستقبلها. فاللغة هي التعبير الفعلي عن عواطف ومكنونات وأفكار وأقوال وأفعال الجموع. وهي التي تؤسس للفعل التواصلي الذي من شأنها أن ينتج تطوراً أو حداثة، تشتمل على كل العلوم في السياسة، الإعلام، التعليم، لإعطاء معنى ومبنى لهذا الوجود بحيثياته وتطوراته وسياقاته. في هذا السياق، فإن مشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية والذي تبناه وأطلقه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يُعدّ محطة تأسيسية متجددة للعرب، لغتهم ومشاريعهم المستقبلية، وعلى مستويات متعددة.
يمثل معجم الدوحة، مشروعاً نهضوياً جديداً يمكن للعرب البناء عليه، خصوصاً أنه يأتي في سياق جملة مشاريع، فكرية، أكاديمية، بحثية، إعلامية، وسياسية، من شأنها إعادة صناعة الهوية العربية وانسياقها العام في ظل كل التحولات التي تشهدها البشرية، وعلى وقع التطورات السريعة علمياً، تكنولوجياً، وفي السياسة أيضاً. بذلك فإن المشروع يجدد علاقة اللسان بالتاريخ والهوية، إذ باجتماع هذه الأقانيم، يُبنى الصوت الذي من شأنه أن يتحول إلى رأي أو موقف، ويشارك في صناعة حاضر وتكوين مستقبل.
أهمية المعجم أنه يضبط لغة القانون والتّعليم والإعلام والاقتصاد والسّياسة، وعلى ما يقول صاحب فكرة صناعة المعجم ومطلقها الدكتور عزمي بشارة، فإن النهضة في أي سياق ثقافي تتجلى في اللغة إن لم تبدأ بها، فالشعوب تنهض بلغتها، وهذا ما أثبته التاريخ. وهنا يأتي هذا المشروع في إطار إعادة التعريف باللغة، ليكون تتويجاً تكاملياً مع مشاريع أخرى في مجالات متعددة، مهمتها إعادة إنتاج الفكر العربي المعاصر، وصناعة الموقف والرأي. والأهم أن اللغة عنصر موحد بين كل المختلفين، لذا يمكن لهذا المشروع أن يكون مشروعاً وحدوياً متجدداً، يتجاوز الصراعات والخلافات السياسية، ويعيد التعريف بمفهوم بناء الدول وانسجام الشعوب، ونشوء الأمم. وهذا يعني أن الهدف الأسمى من هذا المشروع، هو إعادة انتاج الفكر العربي أو تحديثه.
وإن كان لمطلق الفكرة رمزية تتجلى في إحاطته بعوالم متعددة متى اجتمعت يمكنها أن تؤسس إلى بناء الأفكار والمفاهيم، فإن المكان الذي احتضن المشروع والفعالية له رمزيته أيضاً، وهي لا تنفصل أبداً عن "فكرة الدور" وإعادة انتاج مشروع عربي قادر على التأثير السياسي في الإقليم والعالم. وهو دور فكري ثقافي يتكامل مع الدور السياسي الذي تلعبه دولة قطر في أصقاع الكرة الأرضية.
فالدور على المستوى الثقافي، يصقل الدور على المستويات السياسية والديبلوماسية، وهو ما تقوم به دولة قطر، بمبادراتها المتعددة ونجاحها بلعب دور "الوساطة الدولية" في ملفات شديدة التعقيد. بذلك تتحول قطر بموجب هذا المجال المفتوح فيها، إلى دوحة فعلية للأفكار بتقاطعاتها، وانتاجاتها، وما يمكن أن يبنى عليها من مزج بين الثقافة، الفكر، السياسة، الفلسفة، وغيرها من العلوم في سبيل الانتقال نحو مستوى جديد من العمل التنويري.
أهمية إعادة انتاج الدور أو صناعته، هو ما افتقده العرب طوال السنوات الماضية، كما افتقدوا لقرون معجماً تاريخياً للغتهم، وهو ما يولد اليوم بهدف البناء على الثقافة في سبيل إعادة انتاج سياسة ومشروع عربي هدفه إعادة النهوض بعد عقود من التدهور والانحدار وغرق المجتمعات في صراعات وحروب بأبعاد سياسية وطائفية وغيرها. السياسة المقصودة هنا، بمفهومها العميق بعيداً عن مسارات التتفيه أو الشعبوية، أو تحويلها مع الإعلام إلى سلعة خالصة لبازارات أو حملات يتحكم بها أصحاب الرساميل أو المصالح ومن شأنها إجهاض النهوض لأي عراقة خاصة باللغة أو الموقف. تبقى أهمية المشروع في تكامله مع مشاريع أخرى إلى جانبه، هدفها إعادة انتاج مشروع عربي يجدد الانتماء للعروبة وفق مقتضيات العصر من دون التخلي عن الأصل أو الإرث، أو العراقة التاريخية بثوابتها التي تشكل الهوية الوطنية وتمنح ديمومتها بعداً أعمق ومعنى أدق.
