عقدت لجنة "الميكانيزم" اجتماعاً منذ أيام في الناقورة ورفعت فيها اسرائيل تمثيلها فيه بمشاركة نائب رئيس مجلس الأمن القومي يوسي درازنين. ترافق ذلك مع إقرار بدور الجيش اللبناني ونجاحه في بسط سيطرته على المنطقة الجنوبية الواقعة ضمن المرحلة الأولى المحددة في خطته التي قدّمت الى مجلس الوزراء.
وعقد أيضاً اجتماع سعودي فرنسي أميركي في باريس شارك فيه قائد الجيش العماد رودولف هيكل وتجدّد التأكيد على أهمية ما قام به الجيش وما سيقوم به في المرحلة المقبلة مع " وعد جديد مبدئي " وتحديد الشهر المقبل موعداً لعقد مؤتمر لدعمه لهذه الغاية وقد تأخر انعقاده كثيراً ولم يحدد توقيتاً دقيقاً الآن، مما يعني أن الموضوع لا يزال معلقاً ويحمل في طياته قلقاً حول الخلفيات.
يغدقون إشادات وثناءات على الجيش ويحمّلونه أصعب المهمات ولا يقدّمون له شيئاً لماذا؟ لماذا الإصرار الاسرائيلي على " التعاون الاقتصادي " الآن؟ وماذا يعني في ظل الحديث عن منطقة اقتصادية شبيهة بما خُطط لغزة؟ وهل هذا يندرج في صلب عمل لجنة " الميكانيزم " وقرار وقف الأعمال العدائية أم أنه عدوان أوسع وأشمل يستهدف تكريس الاحتلال ومنع عودة الناس الى ديارهم واختيار من يزورها وهذه السياسة الاسرائيلية لا تستهددف ابناء الجنوب المهجرين، بل كل لبنان في ظل الحديث عن مشاريع فدرالية وتقسيم لا تزال تطرح بل لا يزال بعض اللبنانيين يعتبر أن لا بديل عنها ويصّر عليها وترتفع أصوات لم نسمعها حتى عندما اجتاحت اسرائيل البلاد وصولاً الى بيروت عام 1982، تطالب بعلاقات طبيعية وانفتاح وتعاون مع " الجار " الاسرائيلي والخطورة الأبرز هو الانقسام الداخلي حول كل شيئ تقريباً؟
لا نقاش لبنانياً صريحاً بين " أصحاب القرار " في المواقع الرسمية أو المواقع السياسية عموماً، " اللاثقة " سمة العلاقات اللبنانية – اللبنانية، وكل اللقاءات التي تعقد وحركة الموفدين والرُسل بين المقراّت لا تناقش فيها الأمور بصدق وعمق ومسؤولية. هي للضرورة، لتبادل رسائل المناكفات وتصفية الحسابات وكل رسول نائم على " سرّه " وكل طرف نائم على أمله وحلمه ومعلوماته وأمنياته. وكلٌ " يغني على ليلاه " وأحياناً " على ويلاه " ومستقبل " بلاد الأرز " على مهب الريح، حتى قيل: نحن في "مكذبة مفتوحة " فهل يأتي الانقاذ من خلالها " والميكانيزم" اللبناني الفكري والسياسي معطّل، ونبقى ننتظر " ميكانيزمات " إقليمية دولية يدخلوننا فيها ويلزموننا بجداول أعمالها لنعالج شيئاً من مشاكلنا ولا نتعلّم؟
في ظل هذا الوضع انفجرت أحقاد في الأيام الماضية عبّرت عن " العُطب " " والعُطل " في العقل السياسي اللبناني وتوقف " الميكانيزم " الداخلي، بالتزامن مع انعقاد جلسة نيابية كان البعض يريد تعطيلها. انعقادها اعتُبِر انتصاراً لفريق وانكساراً لآخر ثارت ثائرته فيما الأمر أقل من عادي وضروري ولا يحمل بطولات وعنتريات وتحديات وتصريحات ومواقف وإشغالاً للساحتين السياسية والإعلامية بعيداً عن القضايا المصيرية الأساسية والاستحقاقات التي تنتظر البلاد " والعباد " في الأيام والأسابيع المقبلة. وفي كل ذلك فوضى نفسية فكرية سياسية. لا استقرار. لا منطق. لا معايير ثابتة. هذا يريد التوافق في مكان، وتقدير دقة الظروف ويدعو في الوقت نفسه الى الالتزام بالدستور والاحتكام الى التصويت في مجلس النواب ويعمل على محاولة منع انعقاد الجلسة والتصويت، وإذا عقدت وكان التصويت قامت القيامة " وتهدّد الأمن القومي اللبناني " " وتمّ العبث بمصالح اللبنانيين " " وسيادتهم " " وعادت الترويكا " " واتهم الرؤساء بالتواطؤ " ولو نجح هذا الفريق مع أي من الرؤساء في تعطيل أمر وتمرير أمر آخر لكان الوضع مستقيماً !
لا تستقيم الأمور هكذا خصوصاً في هذه المرحلة. البلد للأسف " مشلّع " " ولملمته " تحتاج الى العقل الجماعي اللبناني كما أقول دائماً وبالتالي الى " ميكانيزم لبناني " سليم يعمل بحرفية ودقة. الحقد يعمي البصائر. الورم والوهم عندما يسيطران على أحد فيتصرف وكأنه المرجع والقائد والملهم وعلى الآخرين اللحاق به، وهو " المنزّه والأمين الوحيد والمستقيم الوحيد " وينسى الميزان اللبناني تارة ويريد العودة إليه طوراً لا يمكن أن ينجح حتى لو " أقدم حيث لا يجرؤ الآخرون " والذي يتصرف أيضاً من موقع " المتخلّي " وينتظر شخصيات " وهمية " فعلياً تملي عليه ما يجب أن يفعل أو شخصيات " واقعية " تحمل مشاريع وأهداف من كلّفها القيام بدورها، تماماً مثل الذي يعتبر نفسه دائماً في موقع " المتجلّي " الذي لا مثيل له. كلاهما يصيب نفسه وبيئته ولبنان واللبنانيين. خيالات التقسيم والفدرالية او الاستقواء والمكابرة والتحدي تصيب دائماً بيئات أصحابها وتنعكس على الواقع الداخلي كله.
قبل موعد لقاء ترامب نتانياهو المرتقب، وبعده وفي كل حين المطلوب حد أدنى من التفكير بعمق وهدوء وتبصّر والنقاش الداخلي في كل الاحتمالات التي يمكن أن تذهب اليها الأمور في مرحلة تقاسم النفوذ والأدوار في المنطقة ولبنان في دائرة الاستهداف المباشر سياسياً وديموغرافياً وجغرافياً، ولا بد من موعد قريب سريع لتفعيل " الميكانيزم اللبناني ".
