لم يكن انتقالُ رئاسةِ المفوّضيّةِ السّاميةِ للأممِ المتّحدةِ لشؤونِ اللاجئينَ من فيليبو غراندي إلى الرئيسِ العراقيِّ السّابقِ برهم صالح مجرّدَ تبديلٍ إداريٍّ أو تقنيٍّ في رأسِ هرمِ مؤسّسةٍ أمميّةٍ، بل عكسَ تحوّلًا عميقًا في المقاربةِ الدوليّةِ لمسألةِ اللّجوءِ والنّزوحِ، من حصرِها في الإطارِ الإنسانيِّ الطارئِ، إلى إدراجِها في صُلبِ السّياساتِ العامّةِ العالميّةِ، بوصفِها نتيجةً لأزماتِ السِّيادةِ، والحُكمِ، والعدالةِ، وانهيارِ الدُّولِ، لا مجرّدَ أزمةِ حمايةٍ وإغاثةٍ.
لقد مثّل فيليبو غراندي مرحلةً إنسانيّةً بامتيازٍ، ركّزت على إدارةِ الكارثةِ وتخفيفِ آلامِها، في زمنٍ شهدَ موجاتِ لجوء ونزوحٍ غيرِ مسبوقةٍ، خصوصًا من الشَّرقِ الأوسطِ فيه، بفعلِ الحروبِ المتراكمة، والتدخّلاتِ الخارجيّةِ، وتفكّكِ الدُّولِ. غير أنّ هذا النّموذجَ، على أهميّتِه، اصطدمَ بحدودِه البنيويّةِ، إذ بدا واضحًا أنّ العملَ الإنسانيَّ وحدَه غيرُ قادرٍ على كسرِ حلقةِ إعادةِ إنتاجِ اللّجوءِ والنّزوح، ولا على معالجةِ مسبّباتهما العميقةِ.
من هنا، تأتي دلالةُ اختيارِ برهم صالح، بما يحمله من تجربةٍ سياسيّةٍ ودستوريّةٍ، ومن معرفةٍ مباشرةٍ بتجربةِ العِراق والّلجوء والنّزوحِ القسريِّين منه، وإدارةِ التعدّديّةِ في مجتمعاتٍ مركّبة هويّاتيًّا. وإنّ وجودُ شخصيّةٍ سياسيّةٍ بهذا الوزنِ في موقعٍ أمميٍّ إنسانيٍّ، هو إقرارٌ دوليٌّ بالحاجةِ إلى نقلِ المفوّضيّةِ من إدارةِ النتائجِ إلى مقاربةِ المسبّبات، ومن منطقِ الإغاثةِ إلى منطقِ الوقايةِ والسياساتِ المستدامةِ.
إنّ التحدّيَ الأكبرَ اليومَ لا يكمنُ فقط في توفيرِ الغذاءِ والمأوى والحمايةِ القانونيّةِ للّاجئينَ والنّازحين؛ بل في تفكيكِ الشروطِ الّتي تُنتجُ اللّجوءَ والنّزوح. من أنظمةٍ سياسيّةٍ تُقصي مواطنيها، ودولٍ تفشلُ في إدارةِ التنوّعِ، وغيابِ العدالةِ الانتقاليّةِ، واقتصاداتٍ ريعيّةٌ تولِّدُ الفقرَ والعنفَ. هنا تحديدًا، يُنتظَرُ من المفوّضيّةِ، في مرحلتِها الجديدةِ، أن تتحوّلَ إلى منصّةِ سياساتٍ عامّةٍ، تربطُ بين حقوقِ الإنسانِ، وبناءِ الدَّولةِ، وسياساتِ التّنميةِ، والأمنِ الإنسانيِّ.
في هذا الإطارِ، يكتسبُ البُعدُ الدوليُّ للّجوءِ والنزوح أهميّةً إضافيّةً، لا سيّما في ظلِّ تصاعدِ سياساتِ الهويّةِ المقلقةِ، وبروز اليمينِ المتطرّفِ في عددٍ من الدُّولِ الغربيّةِ، حيثُ يُستَخدمُ اللّجوءُ والنزوح مع الهجرة كورقةِ خوفٍ انتخابيّة، ويُقدَّمُ اللاجئُ/ة، والمهاجر/ة بوصفيهما تهديدًا ثقافيًّا وأمنيًّا، لا ضحيّتي نظامٍ وطنيّ-إقليميّ-دوليٍّ مختلٍّ. إنّ هذا المنحى لا يهدِّدُ اللاجئينَ/ات، والنازحين/ات، والمهاجرين/ات فحسبُ، بل يضربُ في العمقِ قيمَ الدّيموقراطيّةِ وحقوقِ الإنسانِ الّتي تأسّسَ عليها النّظامُ العالمي نفسُه.
من هنا، تبرزُ الحاجةُ إلى فتحِ آفاقٍ جديدةٍ للتعاونِ بين الدُّولِ المستضيفةِ للّجوءِ والنزوح، شمالًا وجنوبًا، لبناءِ مقاربةٍ تضامنيّةٍ، لا تنافسيّةٍ، تُواجِهُ معًا خطابَ الكراهيةِ، وتُعيدُ وضعَ اللّجوءِ والنزوح في سياقِه الحقيقيِّ نتيجةٌ لفشلِ السِّياساتِ، لا لفشلِ البشرِ. فالدُّولُ الّتي تستضيفُ ملايينَ اللاجئينَ، من لبنانَ إلى الأردنِّ وتركيا، ليست عبئًا على النّظامِ الدوليِّ، بل خطَّ دفاعٍ أوّلَ عن استقرارِه، ومن غيرِ المقبولِ الاستمرارُ في مقاربتِها كحالاتٍ طارئةٍ بلا أُفقٍ سياسيٍّ. ثُمّ إنّ خيار المفوضيّة السّامية لشؤون الّلاجئين لتحمل مسألة العَوْدة للّاجئينَ/ات، والنازحين/ات أساسيّة، بمنأى عن روحيَّة الاحتواء التّقليديّة، لهو خيارٌ ملّح.
إنّ الانتقالَ من غراندي إلى صالح يُمثّلُ، في جوهرِه، دعوةً إلى إعادةِ تعريفِ مفهومِ الحمايةِ الدوليّةِ، بوصفِها حمايةً للإنسانِ في وطنِه قبل لجوئِه أو نزوحِه، وحمايةً للدَّولةِ قبل انهيارِها، وحمايةً للنِّظامِ الدوليِّ من تناقضاتِه. مستقبلُ المفوّضيّةِ لن يُقاسَ بعددِ الخيامِ أو المساعداتِ، بل بقدرتِها على التأثيرِ في السّياساتِ الدوليّةِ، وعلى الدفعِ باتجاهِ حلولٍ سياسيّةٍ عادلةٍ تُعيدُ الإنسانَ إلى حقِّه في البقاءِ بكرامةٍ، في وطنٍ آمنٍ.
في هذا المعنى، لا يكونُ برهم صالح مجرّدَ رئيسٍ جديدٍ لمؤسّسةٍ إنسانيّةٍ، بل جسرًا بين الإنسانيِّ والسِّياسيِّ، وبين إدارةِ الألمِ ومعالجةِ أسبابهِ. وهو رهانٌ كبيرٌ، ليس على شخصٍ، بل على قدرةِ المجتمعِ الدوليِّ على الانتقالِ من منطقِ ردّ الفعلِ إلى منطقِ المسؤوليّةِ المشتركةِ، في عالمٍ لم يعُد يحتملُ مزيدًا من اللّجوءِ، والنّزوح، والهجرة… ولا مزيدًا من الإنكارِ.
