هدوء في زمن الخسارة

أحمد جابرالسبت 2025/12/20
Image-1766164291
تدأب "المقاومة الإسلامية" على تكرار إنكار الواقع
حجم الخط
مشاركة عبر

في المتابعة اليومية ينبغي اختيار موضوع بعناوين محدّدة، في سبيل الانخراط في السجال المتبادل في لبنان. نختار منهج العودة إلى أساس النقاش الذي يتقدمه موضوع الاحتلال الجديد الذي نال من جغرافيا الأرض، ومن سيادة الدولة. تقديم الأهم على المهمّ، واختيار الانطلاق الصحيح تجنباً للضياع وللتعثّر، يجعل سؤال نحن والاحتلال متقدماً على ما عداه. في السياق نعيد التذكير، أن لبنان تعرّض لخسارة أمام العدو الإسرائيلي، هذه الخسارة استدعيت على يد طرف محلّي، وبسبب من سياساته وحساباته، هذه حقيقة يجب الاعتراف بها، تمهيداً للقول إن تعيين الخسارة وتحديد أسبابها لا يبدّلان في ترتيب الأولويات الوطنية، هكذا نستعين بسؤال "ماوتسي تونغ"، عن أعداء الشعب في زمن الاحتلال، لنجيب معه، أن عداوة المحتل تتقدم على سائر أشكال "العداء" الداخلي. في امتداد ذلك يتقدم السؤال عن إسرائيل، أي ماذا عنها في سياساتها اللبنانية؟

 

خارج السيرة الحربية المعلومة، تظل قراءة اللحظة العالمية الحالية موضع متابعة وتدقيق، وتظل علاقة إسرائيل بلحظتها العالمية موضع مراقبة وترقب وتحليل. كما هو معلوم تتحرك إسرائيل، سياسياً وقتالياً، وسط لوحة اختلال ميزان عالمي، نال من أدوار أكثر من مركز دولتي، وكرّس الدور الأول للولايات المتحدة الأميركية، بقيادة الاندفاعة الترمبية تحت شعار معلن، هو أميركا أولاً، وخلف شعار، مغلّف، هو "كل العالم" في خدمة أميركا أولاً. الدور الإسرائيلي، المضبوط على الإيقاع الأميركي استراتيجيّاً، انتهز الفرصة ووظفها في صالحه، على المديين، القريب والبعيد. في ترجمة توظيف الفرصة، لم تبالغ إسرائيل في الردّ، بل كرّست منطق الرد الذي تتوسّله وتؤمن به، من دون خشية من مساءلة عالمية، ومن دون خوف من "غضبة" عربية أو إسلامية. تساوي اللحظة زمناً ثميناً لدى اليمين الإسرائيلي الحاكم، وتشكل "مستقبلاً" منشوداً لهذا اليمين إذا ما استطاع تكريس سياسة مدّ اليد على الزمن اللبناني، ومعه الزمن السوري، ومع الزمنين، إخراج الفلسطينيين من حسابات كل زمان.

 

بعد السؤال عن إسرائيل ولبنان، نطرح سؤالاً ثانياً هو، ماذا عن لبنان والسلاح؟

قاعدة النقاش الأولى، في نقاش موضوع السلاح والمقاومة والدعوة إلى "نضالية" قومية عامة، هي الاعتراف بالخسارة الميدانية، والاعتراف بحقيقة الحصار السياسي الذي يحيق بكل لبنان. لقد خاضت "المقاومة الإسلامية" حرب إسنادٍ غير محسوبة النتائج، فكانت الحصيلة المعلومة، مخالفة للواقع وللحسابات، وعلى هذه المخالفة دفعت "المقاومة" ولبنان أفدح الأثمان. آيات الخسارة وعلاماتها واضحة على وجوه البنية الأهلية المتوترة، وعلى أبواب المؤسسات المصابة باضطراب الأداء، وبأعراض الوهن في البحث عن الحلول، مثلما هي بارزة في ردود أفعال المزاج الأهلي العام.

انعكاس الخسارة على صعيد القدرات، سمته الأساسية العجز عن الرد على العدوان المستمرّ بعد توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية. نسميّ العجز باسمه، حتى لا يموّه الضعف بمقولة الالتزام بوقف النار من جانب واحد، أي من الجانب اللبناني. الأصح القول إننا نلتزم التزاماً قهريّاً، بسبب من اللاتكافؤ في القوى، بيننا وبين العدو، وبسبب ضآلة القدرات المؤثّرة التي نستطيع أن نوازن بمفعولها، بين ضربات العدو وضرباتنا. تفصيلاً، إطلاق صاروخ من هنا أو من بلاد بعيدة، غير مجدٍ، لأنه يرتكز الآن على معادلة اللاتكافؤ في القدرة النارية، واللاتكافؤ في الموقع السياسي، ضمن خريطة المواقع العالمية.

 

الاعتراف بما صرنا إليه، وبما نحن عليه، هو الصدق الضروري واللازم مع ذاتنا اللبنانية، الصدق مع الذات العامة، يواجه حالة الإنكار الخاصة التي تدأب "المقاومة الإسلامية" على تكرار إعلانها.

تعريض إنكار "المقاومة" للنقاش مفيد لفرز الدور الإعلامي فيه، عن الحسابات المترتبة التي يستدعيها الدور، أي دور "المقاومة" في التشكيلة الأهلية، وضمن بيئتها الشيعية، بعد أن يصير الوضوح أسلوب عمل مشترك بين المعنيين اللبنانيين. ملاحظتان سريعتان في معرض الاعتراف والإنكار، الملاحظة الأولى، هي أنه ليس موضوعيّاً تماماً الاعتقاد بأن المقاومة تنكر، إنكاراً واثقاً، حقيقة خسارتها، ولعل الموضوعي أكثر أنها تعرف معرفة واثقة، أنها تركب مركب مكابرتها، ودائماً لأسباب خاصة بالبنية المقاومة ذاتها.

الملاحظة الثانية السريعة، هي أنه من غير المطابق تماماً الاعتقاد بأن "المقاومة" وحزبها، حزب الله، مقفلان على سياسات إعادة استيعابهما استيعاباً موضوعياً مقبولاً في سياق السياسة الجمهورية العامة.

 

الاستيعاب الجمهوري "المنطقي" والممكن والمفهوم، هو استيعاب متوازن، وهو استيعاب اعترافي غير إلغائي، وهو استيعاب اقتراب لا استيعاب إقصاء. لهذه الأسباب الجمهورية، ولكي نظل على جادّة "الموضوعية العمومية"، تكون استعادة حزب الله ومقاومته، استعادة تعادل لا استعادة تفوّق، واستعادة فعل لا استعادة انفعال، واستعادة حكمة وصدق، لا استعادة احتيال أو افتعال.

إعادة اندراج حزب الله ومقاومته والسلاح بهدوء في البلد، تقوده سياسة هادئة تدرك حجم المعضلة التي نجمت عن إطلاق يد "المقاومة" لسنوات طويلة في البلد. الانصراف الآن، إلى جمع أشتات الإنفلاش ليس إجراء فجائياً من جهة، وليس إجراءً يتطاول على مدى سنين تعادل عمر سنوات الانفلاش، هذا باختصار للقول، إن إعادة حزب الله والمقاومة إلى "البيت اللبناني" ليست أمراً إجرائياً تنفيذيّاً، يعقب جلسة وزارية أو عدّة جلسات.

في مقابل عدم التطويل، وعدم التسرّع، يمكن طيّ المسافة والأزمة والأمكنة، في المعالجة، من خلال حسن وصدق سياسة إدارة "لمّ الشمل"، ومن خلال نجاعة هذه السياسة.

إذن، وربطاً بمطلع الكلام، نكون أمام معادلة مترابطة، من الاعتراف بالخسارة، إلى الاعتراف بالواقع الفعلي للمقاومة، إلى الانتقال إلى سياسة عملية من عاملين، عامل داخلي يستمر بضبط الردود السياسية على كل سياسات إسرائيل العدائية، وضبط الردود السياسية الداخلية المتبادلة بين القوى السياسية اللبنانية.

هكذا نكون أمام تهدئةٍ بين الداخل والداخل، وأمام انضباط هادئ صارم في سياق الإدارة الرسمية اللبنانية، التي تقود الدفاع عن مصالح لبنان، مع "أصدقائه" وفي مواجهة العدوان عليه.

 

ماذا ترتب التهدئة المطلوبة؟ ترتب توجيه طلب إلى "حزب الله" بالكفّ عن الإدلاء بخطاب عالي النبرة من نمط "مستعدون – جاهزون – صبر نافد..." وبترك "منطق" مخاطبة الدولة من شرفة الإشراف على أعمالها، والإشارة عليها بما يجب وبما لا يجب من ممارسات... لقد بات مفهوماً أن "الحزب" يستنهض عصب أنصاره من خلال هكذا مقاربات، لكن من الواجب أن يكون مفهوماً أيضاً، أنه يستدعي شدّ أعصاب مرخيّة في أكثر من بيئة سياسية تناصبه الافتراق، هو سعي إلى إعادة تصنيع تهدئة شاملة، كتمهيد لإعادة تصنيع ضمانات أهلية داخلية بين الأطراف، بحيث تتشكل من حاصل الهدوء والثقة المتبادلة والضمانات الداخلية، مظلاّت تضامن وتفاهم وانفتاح... وليس مظلاّت أمان فئوية، فالكل سيكون آمناً في ظلّ الانسجام الوطني العام، وفي ظل انتظام آلياته الدستورية.

ما حصيلة ذلك؟ أو ما المرغوب منه، وما الطموح المشروع الواقعي؟ ليس أقل من ردّ الاعتبار العملي إلى المرجعية الوطنية العامة التي تمثلها المؤسسات الدستورية، والتي تدعمها حالة من الوحدة الداخلية التي تقودها سياسة عدم التفريط بالمصير اللبناني، وتجنب الأخطار الكيانية الملموسة، في ظل الوضع العالمي الفوضوي، حيث يخوض أقطابه حروبهم التجارية والثقافية والعسكرية، فوق أرض أوطان يجعلونها ساحات، وفوق مساحات بلاد، يضيفون إليها حسب الرغبة، ويسلخون منها وفق النزوة، ودائماً باسم "الحضارة العالمية" الرقمية والتقنية... وفي غياب ذكر ما كان للحضارة من إنسانية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث