مَنْ للشّيعة بعد نبيه بري؟

محمود وهبةالسبت 2025/12/20
GettyImages-2201536041.jpg
بات الرجل بعد المقتلة الشيعية الأخيرة خشبة خلاص الطائفة (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

الداخل إلى الأوساط الشيعيّة بعد حرب الإسناد يدركُ بين ضيعة وأخرى، مدى انتقال محوريّة الكلام من الحزب إلى شخص نبيه بري. مَن هو الذي كان يتخيّل أن يصبح سؤال الشيعة، مَنْ لنا بعد نبيه بري؟ ربما كانت الفرضيّة قبل الإسناد معكوسة، مَنْ للشيعة بعد السيد حسن نصرالله؟  انقلبتْ الأدوار وصار بري البوصلة التي ينظرُ إليها الشّيعة كلّ يوم.

الانتقال من ضيعة إلى أخرى في قرى ودساكر النبطيّة والجوار، عدشيت القصيبة كفرتبنيت وغيرها، يكشفُ حجم تعاظم الحديث عن الخلاص على يد نبيه بري. بات الرّجل بعد المقتلة الشيعيّة الأخيرة خشبة خلاص الطائفة. تتعدّد التسميات والتشابيه التي يُطلقونها عليه، دولة رئيس مجلس النواب، الزّعيم السياسي، وغيرها من القصائد الكثيرة، ولكن التّمحيص قليلاً يقول بأنّه باتَ لأبناء الطائفة آخر صمام أمان فعليّ. ليس غريباً أن تتجه الأنظار الشيعيّة إلى بري على هذه الشّاكلة. فالرّجل الذي حافظ على مصالح الطائفة داخل الدولة، ويحاولُ من بداياته الموازنة بين القوة العسكرية للطائفة وبين الانكشاف أمام الداخل والخارج، والضامن الحقيقي لحضور شيعي فاعل في مؤسسات الدولة، كلّ هذا يضعهُ اليوم في المكان الذي هو فيه. بلا خجل ولا مواربة.

 

بعد نبيه بري 

من الصعب الحديث أو السؤال عن مرحلة ما بعد نبيه بري، ولكن لا بأس بالمحاولة. السؤال الذي يتراءى بقوّة أمامنا اليوم ويتعذّر على كثيرين طرحه، خوفاً أو مراعاةً أو ما شاكل، من سيحمي الشيعة بعد بري؟

العودة بالذاكرة قليلاً، إلى ما قبل اتفاق الطائف 1989، تكشفُ أنّ الطائفة الشيعية كانت شبه محرومة من أي تمثيل حقيقي داخل الدولة. المناطق الشيعيّة، آنذاك، في الجنوب والبقاع كانت واقعة في التهميش والحرمان اقتصادياً واجتماعياً. ينسحب ذلك على الشّق السياسي الذي كان لا يمانع من ترك الشيعة على هامش السلطة. رغم ذلك برزت قيادات محليّة وزعامات تقليديّة وعائلات محاولةً سدّ الفراغ، لكنها لم تستطع توفير حماية فعلية لمصالح الطائفة على المستوى الوطني.

نبيه بري، منذ الحرب الأهلية وحتى اليوم، لعب دور الوسيط الذكي الذي حافظ على هذا التوازن، وربط مصالح الطائفة بالمؤسسات. استفاد من الطائف واستطاع إعادة الاعتبار للشيعة وكرّس حضورهم في الدولة. الشيعة اليوم حاضرون من خلال نصوص واضحة في الدستور اللبناني، وبخاصة المواد المتعلقة بالمشاركة السياسية والمساواة بين الطوائف، أصبح للشيعة تمثيل دائم ومؤسساتي.

أمام فائض القوة العسكري والأمني الذي قاده الحزب لعقود، وأمام غياب التمثيل السياسي المدني. يواجه الشيعة تحديات مزدوجة. أولها الانكشاف الذي يترك الطائفة عرضة للاستنزاف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. حركة أمل وبالرغم من محاولاتها الحثيثة، مسنودةً بدورها التقليدي داخل الدولة، ستواجه قيوداً في الحفاظ على توازنها بعد رحيل زعيمها. وفي الوقت نفسه، تواجه تحديات صعبة في الاستمرار دون قيادة واضحة، ما يضاعف الانكشاف أمام الداخل والخارج. لكنّ السؤال هنا ما الذي يمنع بري ومن خلفه حركة أمل من التحضير لوراثة سياسية؟ مَنْ الذي يخلِف بري مثلاً؟ ما هي الأرضية التي سيكون عليها جمهور أمل، والشيعة بطبيعة الحال، بعد رحيله؟

قطعاً لا يُطرح السؤال هنا بوصفه بحثاً عن وريث، ولا حتى تمريناً في تسمية الخلفاء، على كثرتهم في دائرة أمل. غياب نبيه برّي، متى وقع، سيكون في بداياته فراغاً شخصياً وسيتحوّل تدريجياً إلى آلية لدى الطائفة تبيّن قدرتها في إدارة انتقالها السياسي. تدخل الجماعة في حدادها الرمزي، تقطع أربعينها، ولا تلبث أن تعود إلى السياسة كما اعتادت، على إنتاج شخصية أو صيغة قادرة على إدارة التوازنات لا تكرار التجربة، وكلّ ذلك رهينٌ بتوازنات المنطقة وبالصورة/الدور التي يجب أن يكون الشيعة عليها في العقود القادمة.

يغدو نبيه برّي هكذا، أقل من شخص ويُقارب إلى حدّ كبير الوظيفة السياسيّة، وظيفة ستُعيد الطائفة الشيعيّة استنساخها وإعادة صياغتها. هذه الطائفة التي لم تُبنَ تاريخياً على فرد، وإنّما على قدرة هائلة ومستمرة على الإفراز وإعادة التموضع.

 

طاولة بري 

كيف يمكنُ لحالة الاعتراض الشيعيّة أن تخرج من موقع الاحتجاج الأخلاقي إلى الفعل السياسي؟ قد يكون الكلامُ فجاً ولكن ربما عليها أن تبدأ من بري. ببساطة لأنّه حين نسأل عن عقدة النظام الشيعي القائم بعد حرب الإسناد لا نجدُ سوى بري جواباً. من هنا يغدو الرجل خصماً وحليفاً. ويصير القفزُ فوقه مجرّد حالة إنكار تؤدي حتماً إلى إلى إعادة إنتاج العزلة نفسها.

غير أنّ هذا المسار المعدّ للاعتراض الشيعي، لا يمكن له أن يبدأ من دون اعتراف صريح بأنّ الحزب، بخياراته الأمنية والإقليمية، دمّر الطائفة قبل أن يدمّر الدولة، وحوّل شيعته إلى جماعة منكوبة، محاصَرة بالخوف ومعزولة عن فكرة البلد وإمكان قيامه. هذا الاعتراف ليس جلداً للذات، هو شرطٌ سياسي للانتقال من حالة الاعتراض إلى البناء.

هكذا فقط، يمكنُ للاعتراض الشيعي أن يجلسَ مع نبيه برّي على الطاولة نفسها. الجلوس لا يعني تصفية الحسابات ولا إبرام تسويات آنية "عالقطعة"، وإنّما هي محاولة شيعيّة أخيرة لرسم خارطة جديدة للطائفة. خارطة تُعيد تعريف الدّور الشيعي بعد استلابه، وتفصل بين الطائفة وصفة المغامرة، بين السّياسة ومصير بلد بأكمله.

 

آفاق "الاعتراض الشّيعي"

لا يجوز أن يكون ختام هذا النقاش عودةً إلى "الاعتراض الشيعي" بوصفه بديلاً عن السياسة. فالمشكلة الأعمق اليوم لا تكمن في غياب الأصوات، بل في النقص الحاد في المعنى السياسي داخل الطائفة بعد احتكار المجال العام بالثنائي وحده. هكذا تُختزل السياسة في قوتين مغلقتين، وتُجرَّد الجماعة الشيعيّة من قدرتها على إنتاج التعدّد، ويُختصر المستقبل بخيارات أمنيّة.

في هذا السياق، لم تنجح "المعارضة الشيعية" في أن تكون أكثر من ردّة فعل. كلام أشبه بخطاب احتجاجي، أخلاقي في ظاهره، لكنه عاجز عن التحوّل إلى مشروع. لذلك يصعب تخيّلها وريثاً لدور نبيه برّي. ليس لأنّ الرجل لا يُستنسخ، وإنّما لأنّ الإرث الذي سيخلّفه الرجل هو إرث سياسي مؤسّسي، يستلزم لغة تواصل، وقدرة على إدارة التناقض، لا مجرّد الوقوف في موقع الضدّ.

عمل الثنائي، بوعي أو بدونه، على تحجيم الحياة السياسية داخل الطائفة وحصرها به وحده، مانعاً بالقوّة، نشوء شركاء أو وسطاء أو حتى مناطق رمادية. لتصبح "الحصرية الشيعية" واقعاً، وتُغلق الأبواب أمام أي تجربة قد تُنتج توازناً داخلياً. وفي هذا المشهد، كان نبيه برّي، عملياً، باب الشيعة إلى العالم: القناة التي تمرّ عبرها التسويات، والخطاب، وإدارة الاختلاف مع الخارج.

السؤال الذي يُطرح اليوم ليس من سيخلفه اسماً، بل من سيؤدّي هذا الدور وظيفةً؟

لو عُدنا بالذاكرة قليلاً نجدُ أنّه حتى الشخصيات التي جرى اختبارها في لحظات معيّنة، سُرعان ما جرى تحجيمها، كلّ ذلك في تأكيد إضافيّ على أنّ النظام القائم لا يسمح بنموّ وسطاء. السؤال: هل يمكن فتح المجال أمام شخصيّة "صغيرة" نسبياً، تمتلك قاعدة وحيثية، ومنطقاً يُصغي إليه الشيعة؟ أم أنّ الانسداد سيبقى هو القاعدة؟

هنا بالتحديد تكمنُ أزمة ما يُسمّى بالاعتراض الشيعي. إنّه يتكلّم بلغة لا تشبه الشيعة، ولا تنبع من مخاوفهم اليوميّة ولا من تاريخهم السيّاسي، ولا يملك أدوات التواصل معهم، ولا حتى إجابات على الأسئلة المصيريّة التي يطرحونها كلّ يوم. ربما على الاعتراض الشيعي أن يعمل على استعادة السياسة كلغة داخلية، لا كشعارات خارجيّة رنانة، كي لا يبقى الاعتراض خارج الجماعة الشيعيّة وبعيداً من مسامعهم. ربما هذا ما يفتح الباب أمام تحرير الطائفة من أسر ثنائية لا تُنتج بديلاً ولا حتى تسمح بولادته.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث