فرصة الأعياد.. و فرصة الاتفاق

عمر العريضيالسبت 2025/12/20
Image-1764775362
، هل الحكومة الإسرائيلية مستعدة او تريد الاتفاق (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يستعد لبنان المقيم لاستقبال موسم الأعياد، مع بدء توافد المغتربين بأعداد كبيرة للقاء عوائلهم في جو من الارتياح النسبي بعد اأن غاب شبح الحرب مؤقتاً، وكأنهم يشعرون بأننا تجاوزنا قطوعاً صعباً ولا بد من الاستفادة من الفرصة الحالية. هذه حياة اللبنانيين، التمسك ببعض الأمل وبالأيام "الهادئة" نسبياً، تحسباً لما قد يأتي بعد، فكل يوم بيومه. طبعاً الوضع يختلف جنوباً، فالشريط الحدودي لا يزال مدمراً و محتلاً، القصف شبه يومي و الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة.

 

إن الخطوة المتقدمة التي إاتخذها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بالتفاهم مع رئيسي مجلس النواب والوزراء عبر تعيين السفير سيمون كرم كمفاوض مدني في لجنة الميكانيزم هي التي أبعدت شبح الحرب حالياً وسمحت لللبنانيين بالاستفادة من موسم الأعياد كما ذكرنا. فمنذ بضعة أسابيع فقط كانت الحرب شبه محتمة لا مهرب منها، أما اليوم فمعظم مناطق لبنان تشهد انطلاق فعاليات الأعياد بجو من الفرح و التفاؤل. طبعاً هذا خبر من شأنه أن يفرح جميع اللبنانيين دون إستثناء، لكن يبدوأن بعض الأفرقاء ممتعضون من نجاح رئيس الجمهورية وغير راضين عن هذا المسار، وقد خرجوا علناً لانتقاد الرؤساء الثلاثة على "عملتهم" هذه و كأنهم لا يريدون التفاوض من أصله.

 

هذه الخطوة أثبتت أمام العالم أجمع أن الدولة اللبنانية بكامل أركانها و بدعم واسع من قوى أساسية في البلد و خارجه، جدية في مسار التفاوض ومتمسكة بالحل الديبلوماسي لتحرير أراضيها وأسراها وضمان عودة أهل الجنوب إلى قراهم وإعادة الإعمار، و الوصول اإلى ترسيم الحدود و طي صفحة الحرب نهائياً.

ييقى هنا السؤال الأساس، هل الحكومة الإسرائيلية مستعدة أو تريد هكذا اتفاق؟ أي اتفاق بحاجة لطرفين، والإستقرار بحاجة إلى نوايا حسنة عند الطرفين، و في ظل الواقع السياسي والقضائي لرئيس الحكومة الإسرائيلية وحاجته لذرائع أمنية مستمرة، بالإضافة إلى حال التفوق الإسرائيلي في المنطقة وما ينتج عنه من فرص قد لا تتكرر من وجهة نظره، نخشى أن يكون لبنان طرفاً وحيداً في هذه المعادلة يبحث عن الاستقرار.

 

التهدئة إذاً ليست إلا مؤقته، وعدنا في الأيام الأخيرة نسمع كلاماً إسرائيلياً يلوّح بالتصعيد، بالتزامن مع إنتهاء مهلة الجيش اللبناني لحصر السلاح جنوب الليطاني و الانتقال إلى شماله، و قد أعلن قائد الحيش العماد رودولف هيكل مؤخراً انه بصدد تقديم خطة الجيش لإستكمال المهمة على مساحة الوطن كله. هنا لا بد للقوى السياسية وعلى رأسها حزب الله الانخراط سريعاً بنقاش جدي و صريح لتبني الخطة لما فيها من مصلحة لبنانية أولاً بغض النظر عن مطالب أو تهديدات خارجية كما يحلو للبعض أن يروج. المنطقة تتغير والأحداث تتسارع، وعلى لبنان مواكبتها علّنا نستفيد ولو لمرة  ولا نفوت الفرص كما جرت العادة. هذا يتطلب مستوى عالٍ من الوعي والحكمة والدقة، آخذين بعين الاعتبار التوازنات اللبنانية الطائفية، وضرورة التعامل معها من منطلق الحرص عليها ولليس المكاسرة والمكابرة، حصر السلاح مطلب وطني يجمع عليه جزء كبير من اللبنانيين، لكن لا يجوز أن نستبعد طائفة كبرى عن التفاهم حول هذا الأمر.

 

هناك مسؤولية ايضا على المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة، للضغط على إسرائيل وإلزامها بالتعاطي جدياً و إيجابياً مع المفاوضات و إعطائها الفرصة الكاملة للوصول اإلى خواتيم مرضية للجميع. جاءت حادثة يانوح قبل يومين لتثبت و تؤكد أن الجيش اللبناني مع الدعم الدولي اللازم من لجنة الميكانيزم قادر على منع الإعتداء الإسرائيلي وحماية القرى من الإستهداف

في هذا السياق لا بد من الإشارة إلى أهمية الحضور اللبناني المباشر والمؤثر و الفعّال في واشنطن، والاستفادة من كل القنوات القادرة على القيام بهذا الدور، كي لا تطغى السردية الإسرائيلية أو غيرها. فما قام به الجيش اللبناني منذ سنة حتى اليوم من حصر سلاح في الجنوب وظبط الحدود مع سوريا ومكافحة قنوات تهريب المخدرات وتعطيل المعامل و توقيف كبار التجار، إنجازات لم تتحقق على مدى عقود ماضية، ومواقف رئيس الجمهورية الصريحة والجريئة، وقرارات الحكومة الحازمة بضرورة حصر السلاح، أيضا إنجازات نشهدها لأول مرة. فمع كل تعقيدات الوضع اللبناني الداخلي والضغط الخارجي و الاعتداء الإسرائيلي المستمر قطعنا شوطاً كبيراً بإتجاه فرض سيادة الدولة وإعادة لبنان اإلى المحافل الدولية بعد إنقطاع طويل. هذه حقيقة ثابتة، لا يجوز الاستمرار في تجاهلها أو التشويش عليها في بعض دوائر القرار العالمي و خصوصاً الأميركية، هذا أمر بالغ الأهمية و لا بد من معالجته.

 

الوضع اذاً على خطورته، الضغط الإسرائيلي مستمر، بالرغم من أن الفرصة مزدوجة، فالاستقرار على حدودنا الجنوبية هو مكسب مشترك، وجميع الأطراف لها مصلحة بإستقرار مستدام قد يكون بمتناول اليد جدياً لأول مرة منذ تاريخ نشوب الصراع مع إسرائيل. لا بد من توحيد الموقف و تقديم الإحاطة اللازمة لرئيس الجمهورية بما يقوم به، مما يعزز موقفنا التفاوضي رغم التفاوت الكبير في ميزان القوى. الواقعية و العقلانية ليسا إستسلاماً، و لا بد من الحد من الخسائر. بالرغم من نوايا الحكومة الإسرائيلية، علينا القيام بواجبنا سياسياً وإعلامياً ودوراً مستمراً للجيش اللبناني يعطّل كل الذرائع الإسرائيلية، فلنذهب إلى طاولة المفاوضات محصنين بوحدتنا وبكل ما تحقق حتى الساعة وبالدعم الدولي، على أمل أن ننجح بختم صفحة الحرب نهائياً لما في ذلك من مصلحة للبنان و كل اللبنانيين.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث