طابخ سُم المجلس النيابي آكله

عارف العبدالجمعة 2025/12/19
Image-1759137291
الحاكم الفعلي للبنان الآن، هو الرئيس نبيه بري وليس أي شخص أخر (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم يبتعد رئيس حزب القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع، عن الواقع والحقيقة، في توصيفه لتصرف رئيس مجلس النواب نبيه بري إزاء القضايا المطروحة، في إدارة مجلس النواب، وباقي اللعبة والإدارة البرلمانية الجارية، وعلى وجه الخصوص في العقدين الأخيرين، حيث أبدع وتصرف برّي بحرية مطلقة، وظهرت كل قدراته في لعبة البلياردو النيابية. 

القول إنه حول المجلس إلى مؤسسة خاضعة له، ولمزاجه ومصالحه السياسية، ليس قولاً مبالغاً فيه بل يصيب كبد الحقيقة.

 

التجربة الراهنة التي تمر بها البلاد، أو ما يسمى "مسرحية المعركة" والمواجهة النيابية السياسية، ليست الأولى التي يخوضها رئيس حركة أمل وينجح فيها في وضع مفتاح المجلس في جيبه، وفتحُ بابه حين يقتنع وتتقاطع مصلحته مع ذلك.

فقد سبق له أن كرر اللعبة سابقاً، ونجح في إقفال المجلس النيابي وتحويله إلى مؤسسة تعمل غب الطلب، وعلى مزاجه، والتحكم بمصير القوانين، والتشريع ومصير قضايا متعددة في البلاد.

الراهن، أن الحاكم الفعلي للبنان الآن، هو الرئيس نبيه بري وليس أي شخص أخر. وهو الذي نجح مع خبرته الطويلة، في التحالفات ونصب الأفخاخ والمكائد السياسية، في تطويع أغلب القوى السياسية والتفوق عليها.

من حيث المنطلق، والأصول البرلمانية الديمقراطية الموضوعية الحيادية، فإن الرئيس بري، يلعب خارج الأصول المنصوص عنها في الدستور والنظام البرلماني الديمقراطي. وهو قد حول موقعه ودوره، إلى أداة سلطة ومساومة، على كل كبيرة وصغيرة. خدمة لمصالحه السياسية، ولما يعتقد أنه يخدم ويصب في مصلحته الحزبية والسياسية ومصلحة جماعته السياسية والطائفية أولاً، ومن ثم يعود ويوزع ما تبقى على باقي القوى بالتراضي والتبادل المدروس والمتقن.

 

في العام 2006، وإثر الخلاف الذي نشب مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، على خلفية إنشاء المحكمة الدولية للتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومسألة اعتكاف وزراء الثنائي الشيعي واستقالتهم، أعتبر بري أن حكومة السنيورة فاقدة للشرعية والميثاقية، مع أنها كانت تضم أكثر من ثلثي أعضاء الحكومة وقراراتها نافذة وصائبة حسب أحكام الدستور، وتتمتع بالشرعية الدستورية الكاملة.   

تسجل الوقائع، أن الرئيس بري الذي كان وصل إلى العاصمة الإيرانية طهران يومها، بالتوازي مع إعلان وزراء الثنائي استقالتهم من الحكومة، علق في أول رد فعل له على الاستقالة، باعتبار أنه يمكن تعيين بدلاء لهم، وبعد أن نشرت بعض وسائل الإعلام هذا الكلام، تراجع عن موقفه، ليعود ويندد باستمرار اجتماع الحكومة ويعتبرها بتراء، وأقدم على إقفال مجلس النواب بوجهها.

 

التجربة الثانية؛ التي سجلها الرئيس بري في التحكم بجلسات بمجلس النواب، وفقاً لمصالحه ورغباته السياسية، كانت في إقفال المجلس وعدم دعوته للانعقاد بعد التباين والتباعد والخلاف على انتخاب رئيس الجمهورية مع قوى 14 آذار. وقد أبقى مجلس النواب مقفلاً نزولاً عند رغبة حزب الله والسيد حسن نصرالله، سنتين ونصف السنة، إلى أن تم أقناع سعد الحريري، الذي دخل بما يسمى تسوية رئاسية "مفشكلة" وهزيلة، ومرتبكة، أدت إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للبلاد.

التجربة الثالثة؛ في إقفال المجلس، تمت عقب انتهاء عهد ميشال عون الكارثي، وقبل الدخول في تجربة حرب الإسناد المشؤومة، والتي رفض فيها بالتنسيق مع حزب الله انتخاب قائد الجيش السابق جوزاف عون رئيساً للجمهورية، إلى أن وضعت المواجهة مع إسرائيل المدمرة أوزارها ونتائجها المعروفة، فرضخ وسار مع الإجماع الدولي والإقليمي، بعد محصلة نتائج المواجهة العسكرية الفاشلة بكل أبعادها ومضامينها.

 

تجاوب بري مع المساعي والضغوط الدولية، وفتح أبواب المجلس لإمرار التسوية والرغبة الدولية الإقليمية في انطلاق عهد جديد في لبنان، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، أولاً، عبر انتخاب جوزاف عون، الذي كان مرفوضاً من الثنائي الشيعي، وثانياً في تكليف الدكتور نواف سلام رئيساً للحكومة، بعد رفضه وعرقلته مدة طويلة قبل انتفاضة 17 تشرين الاول 2019 وما بعدها. 

الاعتراض على رئاسة وإدارة بري لمجلس النواب، هل له طريق متصلة وموصلة إلى نتيجة؟ بمعنى، هل بإمكان قوى المعارضة الراهنة، التي تتقدمها القوات اللبنانية السيطرة على الدفة وإزاحة بري جانباً؟

في الواقع، ليس بالإمكان التأثير على قرارات "الأخ الأكبر" راهناً، قبل الوقوف على نتائج الانتخابات النيابية المقبلة. 

هل سيتمكن ثنائي حركة أمل وحزب الله، من الاحتفاظ بسيطرتهما على كل النواب الشيعة، أم سيحدث الخرق في صفوف نواب الثنائي، والاهتزاز في هذه السيطرة، والتي قد تكون باباً لتغيير رئاسة المجلس النيابي في المستقبل؟   

 

العائق الأكبر، الذي بات يقف أمام أي تغيير في الواقع السياسي المتداعي في لبنان، على مختلف المستويات، هو قانون الانتخاب الكارثي الحالي المناقض لاتفاق الطائف، الذي أُقر في حكومة الرئيس سعد الحريري، خلال عهد الرئيس ميشال عون. والذي أدخل النسبية بدلاً من الأكثرية وفق مبدأ "المسيحيون ينتخبون نوابهم والمسلمون ينتخبون أيضاً نوابهم". 

لقد ضرب قانون الانتخاب الحالي، المعمول به الآن، جوهر المبادىء التي قام عليها اتفاق الطائف. والذي شدد على شرط تعزيز الطابع والسياق الوطني، والعيش المشترك والاختلاط والتقاطع الاسلامي المسيحي في اختيار النواب. فأصبح الصوت التفضيلي على أساس المذهب، هو المرجح لفوز النائب، وبدل أن يكون اختياره كنائب للأمة من كل الشعب، وكل الطوائف في الدوائر المختلطة، بات الصوت المذهبي والطائفي له التأثير الأكبر.

 

لعب دوراً كبيراً التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية، في الدفع بقوة للانتقال إلى هذا  القانون المناقض والمزعزع للعيش المشترك، بعد تحضير وتخطيط استمر لسنوات. ما ساهم أيضاً في ترسيخ تحكم القوى المذهبية في الطائفة الشيعية وكل طائفة أخرى في اختيار نوابها. فبات بري ونواب حركة أمل ومرشحو حزب الله بمثابة مرشحين مختارين من الصفوة وأصحاب امتياز وفائزون بثقة طائفتهم، حكماً، مهما تألبت الظروف.

إن السعي للعمل بالقانون الحالي خالف وتجاهل اتفاق الطائف والميثاق الوطني، الذي أوصى بقانون على أسس وطنية، وناقض ترسيخ أو اعتماد الاتجاهات المذهبية والتي يتصدر بري قيادتها عند الشيعة مثلاً، وبات اختراق الجماعات الطائفية والمذهبية الأخرى من خارجها، أمراً بالغ الصعوبة، ويعمل لمصلحة بقاء بري وتفوقه على رأس المجلس والثنائي المتضامن في هذه المحنة. 

وهكذا تحول القصد من تأمين الذات المسيحية، من قانون الانتخاب الحالي، تهديداً للذات اللبنانية الواحدة، وترسيخاً لسيطرة الثنائي الشيعي راهناً على مجلس النواب، وبانتظار المقبل من الانتخابات.       

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث