عندما يقول نتنياهو للإرهابي شكرًا

مصطفى علّوشالخميس 2025/12/18
Image-1765997900
لم يستفد شعب أو كيان من المظلومية كما فعلت الصهيونية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"ولا ينبيك عن خلق الليالي      كمن فقد الأحبة والصحابا

ومن يغتر بالدنيا فإني            لبست بها فأبليت الثيابا"

)أحمد شوقي(

 

لم يستفد شعب أو كيان من المظلومية كما فعلت الصهيونية. فقد كان كل فعل ضدها يضخم ويظهر كأنه حدث لا مثيل له في التاريخ. وهنا لا أحاول أبداً التقليل من مظلومية اليهود في أوروبا، شرقاً وغرباً، فقد تعرضوا لشتى أنواع الاضطهاد والإذلال والقتل والاتهامات الباطلة. لا يهم هنا حجم تلك الأفعال الشنيعة، وبالأخص في قضية المحرقة، حتى وإن شكك روجيه غارودي في كتابه "الخرافات المؤسسة للسياسات الإسرائيلية" وغيره من المفكرين الإنسانيين في أعداد الضحايا، فمسألة الإبادة على أي أساس ارتكبت، عرقياً أم دينياً أم سياسياً، جريمة مشينة مهما كان عدد ضحاياها. 

هذه المظلومية بالذات استخدمتها الحركة الصهيونية اليهودية ببراعة واتقان منذ نشأتها في مؤتمر بازل 1897 لتقول أن أمان اليهود مع "الآخرين" ومنهم، لا يتحقق إلا بكيان لا وجود للآخرين فيه، والتعبير اليهودي العنصري عن الآخرين هو "الغويم". ومع أن أوضاع اليهود بالإجمال كانت جيدة في تلك الفترة في أوروبا الغربية، ومن ضمنهم مؤسسي الصهيونية وجلهم من العلمانيين، لكن الارتكابات الكبرى كانت في روسيا القيصرية، حيث شغل القيصر الناس عن تقصيره في تأمين الخبز لهم باتهام اليهود واضطهادهم.

 

في المحصلة، فقد وضع الصهاينة بعدها مشروعهم في حضن المصالح الاستعمارية، وبالأخص البريطانية، وتداخل ما هو صهيوني ومسيحي مع الأساطير ومع المصالح، وبدأ الاستيطان في فلسطين برعاية وحماية بريطانية. من ناحية سكان فلسطين، وعلى الرغم من الريبة بتزايد عدد الوافدين اليهود الذين لم يشكلوا إلا القليل من نسبة السكان قبل الحرب العالمية الأولى، إلا إن الكثيرين من وجهاء فلسطين، ومن ضمنهم رئيس بلدية القدس يوسف الخالدي، الذي اعتبر أن الحركة الصهيونية رد فعل طبيعي على ما يتعرض له اليهود من مآسي في أوروبا، إلا أنه اعتبر أيضاً أن من الخطأ اعتبار فلسطين بديلاً لهم.

التاريخ معروف بعدها. وعلى الرغم من فظاعة ما حصل في الحرب العالمية الثانية من جرائم تطهير عرقي، طالت إلى اليهود سلافيين وغجر ومعاقين ألمان، فإن الغرب لم ينصرهم ولم يلتفت لمآسيهم، ولم يحاول أي منهم تضميد جراح الشعوب المصابة، لا بل على العكس، فقد تركوا لمصيرهم في التشرد واستغلت الجرائم ضدهم كمادة في محاكم نورمبرغ لإعدام الآلاف من النازيين.

 

بعد انتفاضة الحجارة في فلسطين، أواخر ثمانينات القرن الماضي، شهدت القضية الفلسطينية انعطافاً غير مسبوق في الغرب، وحتى في الأوساط اليهودية في فلسطين، حيث دفعت حركات يهودية مثل "السلام الآن" الحكم في إسرائيل إلى التعامل مع الفلسطينيين كشعب له حقوق، بعد تجاهل دام لعقود. وفي تلك اللحظة بالذات، أطلقت أجهزة الأمن المتطرفين الإسلاميين من السجون، كما أطلق لاحقاً مساجين أبو غريب المتطرفين في العراق ومساجين صيدنايا وأقبية المخابرات السورية بعد انطلاق الثورة. 

ماذا حدث بعد ذلك، وفي كل الحالات، استلم المتطرفون زمام المبادرة، وأفقدت هتافات الفتوحات الوهمية الفلسطينيين والسوريين والعراقيين تعاطف بعض العالم، وصار العنف الذي لا حدود له من قبل السلطات "شرعياً" لكونه أفضل وسيلة للتعامل مع التطرف. وبالنسبة لفلسطين، أتت صواريخ صدام التي سقطت على فلسطين المحتلة لتعويم مظلومية إسرائيل بعدم ردها في حرب الخليج الأولى، ثم أتت عمليات التفجير التي قامت بها حماس والجهاد الإسلامي في التسعينات في الحوافل والمقاهي والعلب الليلية لتنقذ التطرف الصهيوني من التزامات مؤتمر مدريد وأوسلو. وعندما سألت شخصياً أحد قادة الجهاد الإسلامي عن الهدف الاستراتيجي من تلك الأعمال أجاب "لنفش خلق شعبنا"! وأتى تنظيم "القاعدة" بسلسلة عملياته الإرهابية ليضع أميركا في مواجهة مباشرة، ركنها الأساسي إسرائيل كقاعدة متقدمة، مع "التطرف". ولم يعد أحد يسأل عن أحمد الدرة أو صحافية غربية دفنتها الجرافات الإسرائيلية في فلسطين أو الأطفال الذين كسرت قوات الاحتلال أذرعهم، تشفياً وانتقاماً، ولا مجزرة غولدشتاين في الحرم الإبراهيمي، ولا اغتيال رابين على يد التطرف اليهودي.

 

في خضم هجمة "حملات السلام" الأخيرة، وُضعت إسرائيل أمام تحد جديد، وتسمية "هجمة" صهيونية المصدر بالكامل، أطلقها صناع السياسات، باعتبار أن أي مسعى للسلام مع العرب سيعني حتماً ردع إسرائيل عن تحقيق رؤياها الاستراتيجية لمنطقتنا. خرجت ثلة من المجاهدين الصادقين من المعتقل الكبير لتحقق "انتصاراً" مؤقتاً "لتفش خلق العرب والفلسطينيين وربما المسلمين". كانت تلك اللحظة ضربة الحظ التي كان ينتظرها نتنياهو، أو ربما لم تكن أساساً ضربة حظ، بل مسعى تم تحضيره مخابراتياً، لينطلق في مخطط رسمه منذ عقود ليتحول فيه إلى نبي جديد لبني إسرائيل. المخطط مبني على متنين أساسيين، واحد معلن في كتاب نتنياهو مبني على تقليص عدد من هم غير يهود على أرض فلسطين إلى أقصى ما يمكن، وغزة بالذات تحوي ثلثهم، والهدف غير المعلن -ظهر لاحقاً- هو اقتصادي واسع، يبدأ بقناة بن غوريون وشاطئ غزة ومخزون الغاز... 

لكن حجم الموت والدمار وفشل مشاريع التهجير حتى الآن، فتح عيون العالم وبدأ التحول في الرأي العام الدولي، ومن ضمنه الكثيرين من اليهود، ليُرى الفلسطيني كضحية والإسرائيلي كإرهابي ومجرم حرب. ومن بعدها توالت النكسات الإعلامية والدبلوماسية والاعترافات الكثيفة بدولة فلسطين. كل ذلك في وقت ظن فيه نتنياهو أنه على طريق تحقيق أهدافه، وفوقها، حسب قوله، تغيير شكل الشرق الأوسط بخلق كيانات طائفية وعرقية تشبه دولته، وجعل بعضها حرس حدود له. 

 

ما فعله إرهابيا سيدني أتى لينقذ مشروع نتنياهو، فلا شيء يسعده أكثر من رؤية دماء يهودية بريئة تسيل على يد عرب أو مسلمين خارج فلسطين، لتؤكد للعالم أن تعاطفهم مع الفلسطينيين يعطي فرصة للإرهابيين لاستهداف يهود، وبأن حربه "شرعية" لضمان أمن الشعب اليهودي الذي فشلت حكومات الغرب في تأمينه بدليل مقتلهم في عاصمة غربية، وبأن المسلم أو العربي، الذي يبدو مسالماً، ما هو إلا مشروع إرهابي جديد حتى وإن تحدث عن السلام. وهنا، سيُطمس اسم أحمد الأحمد الذي حد من حجم المجزرة بتحويله إلى استرالي كامل المواطنة، ويضيع اسمه في زحمة المظلومية المتجددة التي أهدياها مخبولان، أباً وابناً، للصهيونية العنصرية لاستغلالها. في حين أن بعض صغار العقول والنفوس منا سيصفون المجرمين بالأبطال. 

فحري بنتنياهو، ولو في سره، القول "شكراً يا إرهابي!"

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث