زواج ماروني!

يوسف بزيالخميس 2025/12/18
Image-1766056202
تاريخ فائض بالعنف والتدمير والموت (من أيام 7 أيار 2008 "المجيدة"- Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

سيدة متزوجة، تتعرض على يد زوجها لتعنيف دائم، وللضرب أحياناً. يكرهها ويشتمها ويذلها على نحو يومي. تضطر إلى إقفال باب غرفتها أثناء النوم خوفاً من أن يعتدي عليها. يشك بها على نحو مرضي، يتهمها بالخيانة. تعمل في أكثر من وظيفة لتعيل نفسها وابنتها، وفوق هذا تتكفل بمصاريف البيت. فالرجل منتش بنفسه، مغرور بسلطته وعضلاته. يكره العمل لظنه أنه رفيع المقام ومنذور لشؤون أهم.

لا أحد يأمن عصبيته وميله الدائم للعنف. يفتعل المشاكل ويقتحم في لحظات الغضب بيوت الجيران ويعتدي عليهم. لا يأبه لشرطة ولا لقانون، طالما أنه يتباهى بحصانته وبسلاحه وبكبر عشيرته وشراستها بالدفاع عنه وحمايته، كما لو أنه زعيمها. شره وأفعاله الطائشة وإيمانه أنه على حق دوماً، يجعل المنطقة كلها تهابه.

 

المعضلة أن هذا الزواج ماروني (كاثوليكي)، رباط مقدس لا فكاك منه. دوام مؤسسة الأسرة وبيتها يعلو أي اعتبار. الطلاق ممنوع، والرجاء دوماً أن يصلح هذا الزوج الشرس نفسه، والرهان على الزمن أن يلينه ويهذبه.

على هذا المنوال، أمضت الزوجة أكثر من ثلاثين عاماً وهي تعيش في تعاسة وأذى. حرمان من السعادة والازدهار والتفتح. مستقبل قاتم وحاضر لا يطاق، وماضٍ مليء بالعذابات. 

 

على أي حال، هذه ليست حكاية فردية. 

من المعروف أن دولة لبنان الكبير قامت (مجازياً وفعلياً) على زواج ماروني، عقد مقدس لقصة حب مع الأرض والتاريخ، وحلم شعب بالسعادة في هذا الرباط بين مكوناته. وكأي زواج له شهر عسله، وحكايته الشعرية، له أيضاً مطباته ومنغصاته، بل وأيضاً مشاكله وشجاراته، التي غالباً ما تنتهي بالتوافق والمودة والتنازلات المتبادلة صوناً لديمومة الحياة المشتركة. ويمكن القول، أن ذلك كله تجارب تنضج الزواج وترسخه أكثر.

لكن، في لحظة درامية وسوداوية، بات الشريك يحتقر هذا العقد من أساسه، مدمناً على السلاح والسلوك العنيف، شديد العصبية، يفيض كراهية لكل ما في البلد وما يجاوره. يستسهل تحطيم كل شيء، واستفزاز الآخرين والتعدي عليهم.

 

بكثير من التسامح، نقتصر الأمر على ربع القرن الأخير في جردة الحساب لهذه الشراكة بين حزب الله ولبنان: معظم الكوارث الكبرى والخراب المتراكم سنة بعد سنة، مادياً وروحياً، كان مفتعلها وفاعلها هذا الحزب العنيد، الذي يصرّ على لعب دور الضحية والمغبون. يتهم الآخر بالخيانة وقلة الوفاء وسوء الأخلاق. يقاتل بكل الوسائل ليكون هو رب هذا البيت- الوطن، وسيداً على أهله. لا يطيق سماع أي رأي مخالف، يبطش حتى الإماتة والقتل بمن يخالفه أو يساجله.

ربع قرن، كل يوم فيه -بلا مبالغة- لا يخلو من اعتداء معنوي وسياسي ودستوري وحقوقي وأمني على سائر اللبنانيين. تاريخ فائض بالعنف والتدمير والموت.

 

حزب الله يحب لبنان، على طريقته: فإذا أمسك بيد لبنان حطم أصابعه، وإن عانقه خنقه. حب قاتل، إن صح التعبير.

بالطبع، في هكذا حال، يصح أن يفكر الآخر بالانفصال أو الهجر، وبالخيانة أيضاً. فلا الزمن أنضج حزب الله أو هذبه أو ليّنه، ولا التجارب علمته أو غيرته.

هذا بالضبط، وبتبسيط منزلي، معضلة لبنان مع حزب الله. فلا الطلاق يجوز، ولا استمرار العيش معه يُطاق. وما من محكمة تعدل.   

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث