رجي ومواجهة الانتقاد: الدبلوماسية خارج منطق المسايرة

جورج حايكالخميس 2025/12/18
GJ0B3736.jpg
لا شيء مخفيًا لدى الوزير يوسف رجي فهو واضح في أدائه (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا شكّ في أن وزير الخارجية يوسف رجّي لا يشبه أسلافه الذين تعاقبوا على الوزارة منذ اتفاق الطائف حتى اليوم. فالسمّة الأساسية لهؤلاء، ومن بينهم دبلوماسيون مثقفون، كانت "تدوير الزوايا" وعدم أخذ مواقف حاسمة. أمّا رجّي فلا ينتمي إلى هذا النادي، بل يُعدّ متمايزًا عنه، وقد حدّد انتماءه منذ اللحظة الأولى لتعيينه وزيرًا، قائلاً:"بدنا نقول الحقيقة قد ما كانت صعبة"، مستخدماً عبارة كان يستخدمها الرئيس بشير الجميّل.

لكن رجّي لم يكتفِ بقول الحقيقة، بل حدّد سياسته في وزارة الخارجية بثلاثية: رؤية، حكمة وجرأة. وهذا ما جعله يصطدم بالسياسة الإيرانية في لبنان، ويبدو مختلفاً في ادائه الدبلوماسي. فاختار مواجهة ما تعتبره طهران أن "حزب الله" امتداد لها، وقد دأبت على تزويده بالسلاح والمال، واستخدام فائض القوة الذي يمتلكه "الحزب" لمصادرة القرار الرسمي اللبناني، بحيث أصبح لبنان ورقة تتصرّف بها على طاولة المفاوضات مع الأميركيين. وهذا ما يواجهه رجّي اليوم، معتمدًا على الدستور والبيان الوزاري للحكومة اللبنانية.

 

في ظلّ هذا الواقع، تزايدت الحملات السياسية والإعلامية على رجّي، ووجّهت إليه انتقادات لاذعة بحجّة أنه ينفّذ أجندة أميركية معادية لخطّ "المقاومة". غير أن أوساطًا مقرّبة من رجّي تؤكّد أن هذه الحملات لا تؤثّر في مواقفه، ولن تثنيه عن الاستمرار في تثبيت شعار "الخارجية رجعت لبنانية"، ولن يتوقّف عن العمل لمصلحة لبنان أولاً، لا لمصلحة أي جهة أخرى، وتكريس ما يردّده رئيس الجمهورية جوزاف عون والحكومة، بأن الحلّ الدبلوماسي هو الأنجح، أمّا طريق الحرب فلن توصلنا إلى أي شيء.

وتُركّز هذه الحملات على اتهام رجّي بالتصرّف كوزير حزبي، ملمّحين إلى "القوات اللبنانية"، إلا أن الأوساط المقرّبة منه تؤكّد أن ذلك افتراء. فصحيح أن رجّي سُمّي في الحكومة من قبل "القوات"، وهو يفتخر بذلك، لكن مواقفه السياسية في "الخارجية" تنسجم مع خطاب القسم لرئيس الجمهورية، والبيان الوزاري، وقرارات الدولة التي يلتزم بها لبنان. وربما هي المرّة الأولى التي يأتي فيها وزير خارجية يضع مصلحة لبنان فوق أي مصلحة أخرى. وتلفت هذه الأوساط إلى أن رجّي لا يستسيغ فعلًا تدوير الزوايا، ولذلك تستعرّ الحملات ضدّه، وهو ما يُعدّ دليل نجاح لا فشل، وبذلك يرد المقربون منه على كل ما يُحكى عن عدم رضى من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة على أدائه.

 

من جهة أخرى، ترى شريحة واسعة من اللبنانيين، ولا سيما جمهور الثنائي الشيعي، الذي ينتقد مواقف رجّي وقراراته، أن إيران دولة صديقة بل حليفة، وقد ساعدت "المقاومة" في حربها ضد إسرائيل، فيما يتعامل رجّي معها كدولة معادية، برأيهم. غير أن الأوساط المقرّبة من رجّي تشير إلى أنه لا مشكلة شخصية لديه مع إيران، وأن "لبنان منفتح على أفضل العلاقات مع جميع الدول شرط أن تحترم هذه الدول سيادته وألا تتدخّل في شؤونه". والمؤسف، بحسب هذه الأوساط، أن إيران أعطت أكثر من إشارة إلى تدخلها في الشؤون اللبنانية، خلافًا لقرارات الدولة، وهو ما تؤكّده مواقف مسؤولي "الحزب"، بدءًا من الراحل حسن نصر الله وصولًا إلى نعيم قاسم، الذين يفاخرون بانتمائهم إلى إيران وولاية الفقيه.

بل أكثر من ذلك، بعد قرار الحكومة اللبنانية الشهير بحصر السلاح في 5 آب الفائت، انهالت الانتقادات على الحكومة من مسؤولين إيرانيين، مثل عباس عرقجي وعلي أكبر ولايتي، معتبرين أن الحكومة تسلّم أوراق لبنان القوية لمصلحة إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، ما يثبت، مرة جديدة، تدخل إيران في الشؤون اللبنانية، وهو أمر يتكرّر في كل مناسبة، مع تشجيع "الحزب" على محاربة إسرائيل. وبلغ الأمر حدّ رفع جداريّة لـ"حزب الله" في طهران كُتب عليها:"للحرب القادمة: يا نهاريا استعدّي". وهنا يُطرح السؤال: من يملك حقّ اتخاذ قرار الحرب، لبنان أم إيران؟

 

لا هوادة في حرب "الحزب"

في المقابل، لا هوادة في حرب "الحزب" على رجّي، وقد استخدم أخيرًا ما يُسمّى «الضرب تحت الحزام»، عندما روّج إعلامه أن رئيس الجمهورية والحكومة مستاءان من مواقف رجّي، فيما تؤكّد الأوساط المقرّبة من وزير الخارجية أنه لم يتبلّغ أي شيء من هذا القبيل، علمًا أن غالبية الوزراء الذين وافقوا على البيان الوزاري يرفضون التدخّل في الشؤون اللبنانية، كما يفعل رجّي تمامًا.

وتأكيدًا على ذلك، تشير الأوساط إلى أن أحدًا لم ينسَ كلام الرئيس عون للوفد الإيراني الذي شارك في تشييع الأمينين العامين لـ"حزب الله" حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، حين قال إن لبنان تعب من حروب الآخرين على أرضه. كما استشهد عون بالدستور الإيراني، ولا سيما المادة التاسعة، التي تؤكّد أن "حرية البلاد واستقلالها ووحدة أراضيها وسلامتها أمور غير قابلة للتجزئة"، وأن "الحكومة وجميع أفراد الشعب يتحمّلون مسؤولية المحافظة عليها، ولا يحق لأي فرد أو مجموعة أو مسؤول إلحاق أدنى ضرر بالاستقلال السياسي أو الثقافي أو الاقتصادي أو العسكري للبلاد، أو النيل من وحدة أراضيها بحجّة ممارسة الحرية". وتتساءل الأوساط: كيف يسمح النظام الإيراني لنفسه بما لا يسمح به دستوره للآخرين؟

 

لا شيء مخفيًا لدى الوزير

ورغم أن مواقف رجّي تنسجم مع مواقف رئيس الجمهورية، فإن "الحزب" يرى أن أداءه معادٍ لإيران وخطّها "المقاوم"، ولا سيما في قراره الأخير برفض زيارة إيران، وكأنه يعتبرها دولة محتلة للبنان. وترى الأوساط أن هذا توصيف مبالغ فيه، فرجّي لا يعتبر إيران دولة محتلة، لكنه يؤكّد وجود مشكلة مبدئية معها، وقد اعتذر عن تلبية دعوة وزير الخارجية الإيراني، محدّدًا أسسًا للحوار، أبرزها وقف التدخّل في لبنان عمليًا، لا كلاميًا فقط، وترك المجال مفتوحاً للقاء عرقجي في دولة محايدة.

واللافت أن رجّي مقتنع بمقاربة رئيس الجمهورية حيال إسرائيل، ويؤيّد خطوة تعيين السفير سيمون كرم في لجنة "الميكانيزم" للتفاوض حول ثلاث نقاط: أولاً وقف الاعتداءات، ثانيًا انسحاب إسرائيل، ثالثًا إعادة الأسرى. وربما في مرحلة لاحقة سيتم التطرّق إلى النقاط الخلافية على الحدود البرية. كما يتمسّك باتفاقية الهدنة لعام 1949، وبالقرار الصادر عن القمّة العربية في بيروت عام 2002، معتبرًا أن السلام مع إسرائيل لا يزال بعيدًا وليس في أوانه.

أمّا في الملفّ السوري، فيبدي رجّي تفاؤلًا بالإدارة الجديدة التي أعلنت مرارًا أنها لن تتدخّل في الشؤون اللبنانية. وتوضح الأوساط أنه للمرة الأولى تعترف سلطة سياسية سورية بلبنان وسيادته، وربما يعود البطء في تطوير العلاقات إلى مشكلات داخلية لدى الإدارة السورية، أو إلى أولويات أخرى، مثل ملف الموقوفين السوريين في لبنان، على أمل أن يتبع ذلك ترسيم الحدود البرية.

لا شيء مخفيًا لدى الوزير يوسف رجّي؛ فهو واضح في أدائه، ولا يخجل من شيء، ولا سيّما أنه "ابن قضية" يفتخر بها، ويدعمه جمهور واسع من اللبنانيين الذين يؤمنون بمنطق الدولة، ويرون فيه رجل دولة قلّ نظيره في وزارة الخارجية اللبنانية لجهة التزامه بالدستور والبيان الوزاري وعدم الدخول في مجال المسايرة. يعرف عن نفسه بأنه وزير الدستور اللبناني بامتياز، ووزير خطاب القسم والبيان الوزاري واتفاقية وقف إطلاق النار والقرارات الدولية، وكلّها تنصّ على حصرية السلاح بيد الدولة، وفقط الدولة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث