الشرق الأوسط واحتواء الشرذمة:التفكير النقدي آخر شكل للمقاومة

بتول يزبكالخميس 2025/12/18
Image-1765997831
بدا المؤتمر أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب الأسئلة الكبرى. (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليس في عنوان مؤتمر مركز مالكوم كير، كارنيغي للشرق الأوسط، "احتواء الشرذمة؟ الشرق الأوسط والعالم في عام 2026"، ترفٌ بلاغيّ، ولا استفزازٌ دعائيّ. إنّه سؤالٌ مُحكَم الصياغة، لأنّه يفترض سلفًا أنّ الشرذمة باتت واقعًا، ويُحاكم في الوقت نفسه القدرة على احتوائها. وفي بلدٍ مثل لبنان، حيث السياسة تتغذّى من الانقسام، والاقتصاد يتغذّى من العجز، والذاكرة تتغذّى من الصدمات، يصبح سؤال "الاحتواء" امتحانًا أخلاقيًّا بقدر ما هو امتحانٌ سياسيّ.

انعقاد المؤتمر حضوريًّا في بيروت، بعد سنواتٍ من اللقاءات الافتراضيّة القسريّة، لم يكن تفصيلًا تقنيًّا، بل رسالةً سياسيّة وثقافيّة. فاختيار المدينة التي تختزل تناقضات الشرق الأوسط، بين الانهيار والصمود، بين العنف والفكر، يعكس إصرارًا على إنتاج المعرفة من داخل المنطقة، لا من موقع المراقب البعيد. بيروت، رغم هشاشتها، لا تزال قادرة على احتضان نقاشاتٍ تتجاوز حدودها الوطنيّة، وتلامس أسئلة النظام العالمي نفسه. وبهذا المعنى، بدا المؤتمر أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب الأسئلة الكبرى: كيف يتغيّر العالم، وكيف ينعكس تغيّره على الشرق الأوسط، وكيف يقف لبنان، في قلب التشقّق، أمام واقعٍ لم يعد يسمح بالأوهام القديمة.

 

حين يختلّ العالم، لا تعود واشنطن مركز اليقين

افتتح مروان المعشّر، نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة كارنيغي للسّلام الدولي، ووزير الخارجيّة الأردني الأسبق، المشهد من زاوية النظام الدولي. أهميّة المعشّر ليست في المنصب وحده، بل في كونه يجمع بين خبرة الدبلوماسي الذي عرف هندسة التحالفات من الداخل، وخبرة الباحث الذي يقرأ تآكلها من الخارج. ما يقوله، لذلك، لا يأتي بصفته "تنظيرًا"، بل بصفته حصيلة مقارنة بين زمنين: زمن كان فيه العالم، مهما اختلفت تقييماتنا، يملك مركز ثقل واضحًا، وزمن باتت فيه المراكز تتنازع، والقواعد تتآكل.

الطرح الذي قدّمه المعشّر يُفهم على أنّه توصيف لمرحلة انتقالية تتجاوز شعار "التعدّدية القطبيّة". فالانتقال من الهيمنة إلى التعدّد لا يعني تلقائيًّا ولادة نظامٍ جديد، بل قد يعني، كما لمح، مرحلةً أكثر خطرًا: تراكب خصومات، انقسام تكنولوجيّ، ومؤسّسات دوليّة تفقد القدرة على التحكيم. في هذا السياق، يصبح انكفاء الولايات المتحدة عن دور القيادة التقليديّة، أو شكّها فيه، ليس تفصيلًا أميركيًّا داخليًّا؛ بل عاملًا يُعري هشاشة النظام الدولي بأكمله.

 

الشرق الأوسط: متى كانت الحروب "تنتهي" أصلًا؟

تقاطعت مهى يحيى، مديرة مركز مالكوم كير، كارنيغي للشرق الأوسط، مع هذا التشخيص، لكن من موقعٍ أكثر التصاقًا بالمنطقة. أهميّتها أنّها لا تتحدّث عن الشرق الأوسط كخريطة ثابتة، بل كسؤال متحرّك: صراعات تتوالد، دول تتآكل، مجتمعات تُستنزف، و"ركائز" كانت تمنح الحدّ الأدنى من الضبط تُسحب واحدةً تلو الأخرى.

حين تتحدّث يحيى عن المرحلة التي دخلتها المنطقة منذ السابع من تشرين الأوّل 2023، فهي لا تكتفي بسردٍ زمنيّ، بل تُقدّم مفتاحًا تفسيريًّا: الحرب توسّعت، والجبهات ترابطت، والردع اختُبر، والخراب الإنساني بات اعتياديًّا. الفارق هنا ليس في وقوع الحرب، فالشرق الأوسط لا ينقصه تاريخ الحروب، بل في تحوّل الحروب إلى منظومة متداخلة، بحيث تُصبح غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن حلقاتٍ في سلسلة واحدة، لا ساحات منفصلة. وفي لحظة كهذه، لا يعود السؤال "من ربح"، بل "أيّ نظامٍ سيخرج من الركام"، إن خرج.

 

لبنان في المحادثة الافتتاحيّة: دولة تُدار بالأزمات أم تُدار ضدّها؟

هنا جاء اختيار طارق متري، نائب رئيس مجلس الوزراء اللبناني، ليحمل معنى يتجاوز البروتوكول. متري ليس مُعلّقًا من خارج الدولة، بل رجل دولة راكم خبرة وزاريّة وفكريّة، ويعرف كيف يُقرأ لبنان من زاوية الداخل، وكيف يُقرأ من زاوية العالم. في محادثته مع مهى يحيى، بدا أنّ لبنان طُرح بوصفه "حالة اختبار": هل يمكن لبلدٍ مُنهك أن يفهم التحوّلات الكبرى، أم أنّه يكتفي باستقبال ارتداداتها؟ وهل السياسة في لبنان قادرة على إنتاج معنى، أم أنّها تُعيد تدوير الانقسام إلى أن يصبح هويةً دائمة؟

أهميّة هذه المحادثة أنّها تُعيد وصل النقاش الفكري بالواقع التنفيذي. ففي زمن الشرذمة، تُصبح الدولة أقلّ حضورًا بوصفها مرجعيّة، وأكثر حضورًا بوصفها ساحة نزاع على المرجعيّة. ولبنان، بحكم تركيبته، قد يُظهر مبكرًا ما ستراه المنطقة لاحقًا: دولة تتآكل من الداخل حين تفقد القدرة على التوافق، وتُضغط من الخارج حين تُصبح وظيفةً في صراع الآخرين.

 

الجلسة الأولى: الاقتصاد السياسي للنظام العالمي، حين يتكلّم المال لغة الجغرافيا

لم تبدأ الجلسة الأولى، "النظام العالمي: من الهيمنة الأحاديّة الأميركيّة إلى التعدّديّة القطبيّة؟"، من السياسة وحدها، بل من الاقتصاد السياسي. هنا برز دور عامر بساط، وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني، بخلفيّته في صندوق النقد الدولي وفي مؤسّسات ماليّة عالميّة. وجود بساط كان إشارة إلى أنّ التحوّل الدولي ليس لعبة خرائط فقط، بل لعبة ديون، وأسواق، وموارد، وتدفّقات.

ثم جاءت حلقة النقاش لتُكمل المشهد من زوايا متعدّدة. بول سالم، بخبرته في تقاطع البحث والسياسات، يقرأ التحوّلات بوصفها إعادة تعريف لعلاقة الشرق الأوسط بالعالم، وكيف تُترجم تغيّرات واشنطن وبكين وموسكو إلى سياسات في بيروت والقاهرة والرياض. ألكساندر غابويف، المتخصّص في روسيا وأوراسيا، يضع روسيا داخل الصورة لا كـ"قوّة بعيدة"، بل كفاعل يعيد توزيع النفوذ، ويؤثر في توازنات الطاقة والأمن. كريستينا كوش تُدخل زاوية أوروبا التي تعيد صياغة علاقتها بجوارها، تحت ضغط الأمن والهجرة والتنافس التكنولوجي.

 

الجلسة الثانية: أمنٌ إقليمي يتبدّل، أم "فوضى" تتقن إعادة إنتاج نفسها؟

في الجلسة الثانية، "شرق أوسط جديد؟ الترتيبات الأمنيّة بعد عامين من الحرب"، تتكثّف الأسئلة. حين يجلس مروان المعشّر مع كيم غطاس وإميل حكيّم وسينان أولغن وكوشيرو تاناكا، بإدارة مايكل يونغ، فإنّ الرسالة واضحة: الأمن لم يعد شأنًا عسكريًّا محضًا، بل شبكة معقّدة من السياسة والسرديات والتحالفات والطاقة.

إميل حكيّم، القادم من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجيّة، يقدّم قراءةً تقنيّة وسياسيّة لفكرة الردع وما أصابها من اهتزاز. كيم غطاس تُضيف بعدًا سرديًّا وسياسيًّا: كيف تُصاغ التحالفات في الوعي العام، وكيف تتحوّل الحروب إلى "حكايات" تُشرعن سياسات. سينان أولغن يستحضر تركيا التي تتحرّك بين الإقليم والمتوسّط وأوروبا، فيما كوشيرو تاناكا يُذكّر بأنّ الشرق الأوسط لا يُقرأ من دون الطاقة، ولا من دون موقعه في حسابات آسيا الصناعية.

ومايكل يونغ، كمدير تحرير، يضمن أن تبقى النقاشات على تماس مع الوقائع السياسية لا مع التجريد. ففي النهاية، السؤال ليس: هل سيولد "شرق أوسط جديد"؟ بل: هل تستطيع المنطقة أن تتّفق على قواعد اشتباك أقلّ تدميرًا، أم أنّها ستواصل الدوران في حلقة التصعيد؟

 

محادثة "مستقبل آسيا": حين تصبح المنافسة النوويّة والتكنولوجيّة جزءًا من يوميات الشرق الأوسط

في المحادثة الجانبيّة "مستقبل آسيا"، يظهر تونغ جاو كصوتٍ يشرح كيف ترى الصين الأمن العالمي في زمن التنافس النووي والتكنولوجي. وحين تحاوره ريما مكتبي، بخبرة مقابلاتها السياسيّة، يتحوّل النقاش إلى مساءلة: هل الشرق الأوسط مجرّد ساحة في صراع الصين والولايات المتحدة، أم أنّه يملك قدرة على المناورة داخل هذا الصراع؟ هذه النقطة بالذات مفصلية، لأنّ فكرة "الاعتماد على مظلّة واحدة" لم تعد مضمونة.

 

الجلسة الثالثة: الذكاء الاصطناعي، السلطة الجديدة التي لا تنتخبها الشعوب

الجلسة الثالثة، "الذكاء الاصطناعي والنفوذ العالمي"، تُعيد تعريف مفهوم القوّة. فالقوّة لم تعد فقط جيوشًا وحدودًا، بل بيانات وخوارزميّات. حضور كمال شحادة، وزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يُعبّر عن محاولة إدخال الملفّ إلى السياسة اللبنانيّة بوصفه شأن سيادة. وهنا تأتي قيمة ستيفن فيلدشتاين، الذي يربط التكنولوجيا بالديمقراطية والحوكمة والأمن القومي: أي أنّ الذكاء الاصطناعي قد يتحوّل إلى أداة مراقبة وتعزيز استبداد، لا إلى أداة تحديث وحسب.

وفي إضافة لافتة، تدخل لورا، جوي بولس، المتخصّصة في علوم الأعصاب وتأثير الأزمات على الدماغ والصحة العقليّة، لتقول ضمنًا إنّ التكنولوجيا ليست "خارج الإنسان"، بل تؤثر في قدرته على التكيّف والإنتاج واتخاذ القرار. 

 

الجلسة الرابعة: المتوسّط يعود إلى الواجهة، لأنّ الطاقة والهجرة لا تعترفان بالسيادة

في الجلسة الرابعة، "التحوّلات في منطقة المتوسّط"، بدا واضحًا أنّ المتوسّط ليس بحرًا بين ضفتين، بل حزام صراع وتعاون في آن. إسحاق ديوان يضع الاقتصاد السياسي في المقدّمة، لأنّ الهجرة والطاقة لا تُفهمان بمعزل عن التنمية واللامساواة. ياسمين زغلول تُدخل سؤال الحدود وبناء الدولة، أي كيف تتحول الهوامش إلى مركز. حمزة المؤدّب يربط ذلك بالتدفّقات غير المشروعة والفساد والحوكمة الضعيفة. سينان أولغن يعود بتركيا لاعبًا متقدّمًا في هذه المعادلة، فيما نبيل فهد، القادم من القطاع الخاص، يذكّر بأنّ كلّ التحوّلات الكبرى تنتهي عند السوق: أسعار، سلاسل إمداد، استيراد، واستقرار اقتصادي.

إدارة يزيد صايغ للجلسة، بخبرته في قضايا العسكرة والسلطويّة، تمنح النقاش بعدًا إضافيًّا: المتوسّط ليس فقط ملفّ طاقة وهجرة، بل ملفّ أمن ونفوذ وإعادة إنتاج سلطة.

 

محادثة "الإفلات من العقاب": حين تتراجع العدالة، تتقدّم شريعة القوّة

في محادثة "عصر الإفلات من العقاب والنظام المتعدّد الأقطاب"، يطلّ غسان سلامة، وزير الثقافة اللبناني، بخبرته الأمميّة والدبلوماسيّة، ليضع جوهر الأزمة: تراجع المساءلة ليس تفصيلًا أخلاقيًّا، بل تحوّلٌ بنيويّ في السياسة الدولية. وحين تحاوره مهى يحيى، يصبح السؤال أكثر حدّة: إذا كان النظام الدولي عاجزًا عن المحاسبة، فما الذي يمنع تكرار الانتهاكات؟ وكيف تبني الدول شرعيّة داخلية في عالمٍ يرسل رسائل مفادها أنّ القوّة تُبرّر نفسها بنفسها؟

 

الجلسة الخامسة: "محور المقاومة" بين الضغط والتحوّل

الجلسة الخامسة، "ما مصير محور المقاومة؟"، تُقارب موضوعًا شديد الحساسيّة بأدوات بحثيّة وإعلاميّة. دينا إصفندياري، بخلفيتها في بلومبرغ، تُدخل الاقتصاد السياسي للنزاعات: كيف تتبدّل شبكات النفوذ تحت ضغط الحرب، وكيف ينعكس ذلك على السلوك السياسي. أحمد ناجي يقدّم زاوية اليمن والحدود والحوكمة المحليّة، أي إحدى أكثر ساحات المحور تعقيدًا. مهنّد الحاج علي يقرأ التحوّلات داخل الجماعات والفواعل غير الدولتيّة، وكيف تتكيّف مع صدمات الحرب. مهند سلّوم يربط ذلك بالتكنولوجيا والاستخبارات وأدوات الصراع الحديثة.

في المحصّلة، لم يسعَ مؤتمر "احتواء الشرذمة؟" إلى تقديم أجوبةٍ جاهزة، بقدر ما حاول تفكيك الأسئلة الكبرى التي تواجه العالم والشرق الأوسط. فالسؤال عن إمكانيّة إيجاد ركائز في عالمٍ متشظٍّ بقي مفتوحًا، بلا يقينٍ أو وعودٍ سهلة. وربّما تكمن قيمة هذا المؤتمر في اعترافه الصريح بأنّنا نعيش مرحلةً انتقاليّة غامضة، وأنّ التفكير النقدي، في حدّ ذاته، قد يكون أحد آخر أشكال المقاومة في زمن الفوضى.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث