لطالما راودني شعور مزعج بأننا، نحن البشر، نبالغ في تقدير أنفسنا. كلّما قرأت تاريخنا، أو تأمّلت في حاضرنا، ازداد اقتناعي بأننا نكتب عن أنفسنا أكثر ممّا تستحق حقيقتنا. نصرّ على اعتبار أنفسنا كائنات مختلفة جذريًا عمّا سبقنا وشارَكنا هذا الكوكب، ونمنح ذواتنا أدوارًا كبرى: حُماة الطبيعة، صانعو المعنى، وأصحاب رسالة كونية. نعيد إنتاج هذه السردية بأشكال دينية، قومية، علمانية، وحتى علمية. وكأن وجودنا يحتاج دائمًا إلى تبرير سامٍ كي يكون مقبولًا.
ما يقلق في هذا الإصرار ليس فقط غروره، بل نتائجه. فحين يقتنع «نوعٌ» ما بأنه مركز القصّة، يصبح كل ما عداه تفصيلًا قابلًا للإهمال أو الإبادة. الطبيعة تتحوّل إلى مورد، الكائنات إلى أدوات، والبشر الآخرون إلى عوائق أو أعداء، أو في أحسن الأحوال إلى «أضرار جانبية». مع مرور الوقت، لم يعد هذا الاعتقاد مجرّد وهم نظري، بل صار نظامًا كاملًا لإنتاج العنف والتدمير، مغلّفًا بلغة الرسالة والتقدم والحتمية التاريخية.
لا أزعم امتلاكي وحدي لهذه الأفكار، ولا أنني أقدّم كشفًا جديدًا. إنها قناعة تراكمت خلال سبعةٍ وخمسين عامًا من معاشرة البشر، ومن قراءة علماء وفلاسفة اجتهدوا في تشخيص ما نحاول إنكاره طويلًا: لسنا ذروة تطور أخلاقي ولا عقلاني، بل مجرّد انحراف بيولوجي متأخر، أسرف في تقدير ذاته، وجرّ معه الكوكب إلى ثمن باهظ.
الخَلاصية ووهم التقدّم
من أكثر الأوهام رسوخًا في الوعي الغربي الحديث الاعتقاد بأن البشرية تخلّصت من الدين وانتقلت إلى عصر عقلاني محايد. غير أن هذا الادعاء لا يصمد طويلًا، ليس لأن الدين أحيانًا لم يُستبدل، بل لأن بديله لم يكن سوى دين آخر بثيابٍ جديدة. وحين تفشل هذه البدائل، أو ينكشف زيف وعودها، لا يبدو مستغربًا أن يعود الإيمان الغيبي دوريًا، كما لو أن التاريخ يدور حول نفسه. فالوعود الخلاصية، مهما اختلفت لغاتها، تنبت من جذر واحد: عقل الإنسان ذاته، وحاجته العميقة إلى المعنى والطمأنينة في عالم غير مبالٍ.
فالحداثة لم تُلغِ الإيمان بالخلاص، بل غيّرت لغته. لم يعد الخلاص إلهيًا، بل بات تاريخيًا؛ ولم تعد العناية ربّانية، بل أصبحت قوانين للتقدّم؛ ولم يعد الفردوس سماويًا، بل غدا مستقبلًا يُفترض أن تصنعه البشرية بعقلها وتقنيتها. هكذا استُبدلت العقيدة الدينية بعقيدة علمانية لا تقلّ يقينًا ولا خطورة.
هذا التحليل، الذي بلوره جون غراي بوضوح في Black Mass (القداس الأسود)، يكشف كيف تحوّلت الليبرالية، والتنوير، وبعض أشكال العلموية إلى أديان متنكرة. فالإيمان بأن التاريخ يسير حتمًا نحو الأفضل لم يكن يومًا نتيجة برهان علمي، بل نتيجة وعد خلاصي جديد. وما أن تتحوّل هذه الوعود إلى سياسات، حتى تُستخدم لتبرير الهيمنة والحروب باسم «الخير العام» و«ضرورة التقدّم».
فكرة التقدّم نفسها، عند إخضاعها للفحص، تبدو واهية. ليس لأن البشر لم يراكموا معرفة أو أدوات، بل لأن التقدّم ليس له سند ثابت. التاريخ لا يتحرك في اتجاه واحد، ولا يتعلّم بالضرورة من كوارثه. كل قفزة تقنية ولّدت قدرة أعظم على القتل، وكل خطاب تحرّر أفرز شكلًا جديدًا من السيطرة. القرن العشرون، الأكثر «تقدّمًا» علميًا، كان في الوقت نفسه الأكثر دموية في تاريخ البشر.
وهم الحرية
وفي هذا السياق، يصعب الدفاع عن الفكرة الأكثر طمأنينة في المخيال الحديث: الحرية الإنسانية. ما يُسمّى اختيارًا أو إرادة حرّة لا يبدو، عند التفكيك، سوى نتيجة لتفاعلات بيولوجية وتاريخ تطوّري بلا معنى. الإنسان، وفق منظور غراي في Straw Dogs (كلاب من قش)، ليس تتويجًا لمسار أخلاقي، بل هو حادثة بيولوجية متأخرة، انحراف طارئ داخل السلسلة الحيوانية، بلا رسالة ولا غاية، ستزول كما زال سواها، ويستعيد الكوكب بعدها توازنه من دون حنين.
بهذا المعنى، لا يكون الإنسان إلا حيوانًا ثدييًا متقدّمًا، تحرّكه الغرائز أكثر مما يقوده العقل، ولا يمتلك سيطرة حقيقية على مصيره. أما ما يُحتفى به بوصفه «تفوقًا بشريًا»: العقل، الأخلاق، التكنولوجيا، فلا يعدو كونه طفرات تطوّرية ناجحة موقتًا، بلا قداسة ولا هدف كوني، ولا ضمانة أخلاقية تمنح صاحبها حقّ الوصاية على الكوكب.
عِلم ضد الإرادة الحرة
إذا كان وهم الحرية قد خدم حاجة الإنسان إلى الشعور بالسيطرة والمسؤولية، فإن العلم العصبي اليوم يواصل تقويضه بلا مواربة. ما يُنسب إلى «الاختيار» لا يظهر، عند الفحص، كفعل حرّ مستقل، بل كحلقة متأخرة في سلسلة طويلة من المحددات الجينية، والهرمونية، والعصبية، والبيئية، تمتد إلى ما قبل الولادة، بل إلى ما قبل الفرد نفسه. القرار لا يُصنع في لحظته، بل يُنفَّذ بعد أن تكون شروطه قد حُسمت سلفًا.
الوعي، كما يقترح روبرت سابولسكي، ولا سيما في كتابيه Behave و Determined (سلوك والحتمية)، لا يقود السلوك، بل يلحق به. يروي ما جرى بعد وقوعه، ويعيد ترتيبه في قصة مريحة عن النية والمسؤولية والاختيار. هذا السرد الذاتي، وإن كان ضروريًا نفسيًا، لا يصمد أمام ما تكشفه علوم الدماغ والسلوك: الإنسان لا يفعل ما يريد بقدر ما يريد ما يفعل.
هذا التفكيك لا يضرب فقط فكرة الإرادة الحرة، بل يصيب في الصميم صورة الإنسان كفاعل أخلاقي سامٍ، قادر على إدارة العالم بعقلانية وعدالة. فإذا كانت أفعالنا محكومة بهذا القدر من الحتمية، وإذا كان السلوك البشري نتاج تفاعلات لا نتحكم بها فعليًا، فبأي حقّ نمنح أنفسنا موقع القيادة الأخلاقية للعالم؟ وأي معنى يبقى لادّعاء التفوق، حين يتبيّن أن ما نسمّيه عقلًا ليس سوى واجهة متأخرة لآليات أعمق، عمياء، ولا مبالية؟
القرد العاري
وهم العقل ذاته هو ما غذّى الاعتقاد بأن الإنسان تجاوز طبيعته الحيوانية، وأن الحضارة روّضت غرائزه أو ارتقت بها. ديزموند موريس، في The Naked Ape (القرد العاري)، ذكّر بأن غرائزنا لم تختفِ، بل أعيد تغليفها. العنف، والسيطرة، والتنافس، وحب الهيمنة، لم تُمحَ بالثقافة، بل وجدت فيها أدوات أوسع. القشرة الحضارية لم تُلغِ الحيوان؛ بل منحته وسائل أكثر فاعلية للإيذاء.
في هذا الإطار، لا يبدو تفوّق الإنسان نتيجة حكمة أو تعاطف أو نضج أخلاقي، بل ثمرة قدرة استثنائية على التنظيم، وصناعة السرديات، وتبرير العنف باسم المعنى، كما يحلل يوفال نوح هاراري في Sapiens (العاقل). الأسطورة، لا العقل، هي ما سمح بتوسّع النوع البشري، وإقصاء سائر الكائنات، وإعادة تشكيل العالم وفق حاجاته.
سقوط الفردوس
تكتمل الصورة مع شوبنهاور، الذي فكّك جذريًا كل أشكال التفاؤل. فالوجود، في نظره، مرتبط بالألم، والرغبة محرّك الحياة ومصدر شقائها في آن. السعادة ليست حالة أصيلة، بل هي غياب موقت للمعاناة. وكل وعد بالفردوس، أرضيًا كان أم سماويًا، ليس إلا محاولة للهروب من هذه الحقيقة.
أما صديقي أبيكورس، فقد وجّه ضربته إلى الجذر النفسي لكل الرسالات: الخوف. الخوف من الموت والآلهة. وحين قال إن الموت لا يعنينا، لأنه حيث نكون لا يكون الموت، وحيث يكون الموت لا نكون نحن، لم يكن يدعو إلى اللامبالاة، بل إلى تفكيك الأساس الذي تقوم عليه الغايات الكبرى. فإذا لم يكن هناك حساب كوني ولا رسالة مفروضة، يصبح الوجود حدثًا بلا غاية، ويغدو البحث عن معنى كوني عبثًا.
غبارٌ كوني وجرح مفتوح
يأتي علم الكون ليزيد هذا التواضع قسوة؛ نحن نعيش على كوكب عادي، يدور حول نجم عادي، في مجرّة واحدة من مليارات المجرّات، في كونٍ لا يبدي أي اهتمام بوجود الحياة من عدمها. الأرض نفسها ليست سوى ذرة غبار كوني. هذه الحقيقة لا تُهين الإنسان، لكنها تفضحه: لا مركزية، لا امتياز، لا ضرورة. وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن «رسالة» الإنسان أقرب إلى نكتة كونية. لقد وصف سيغموند فرويد هذا المسار بثلاثة «جروح نرجسية»: كوبرنيكوس أزاح الأرض من المركز، داروين أزاح الإنسان من عرش الخلق، وفرويد نفسه أزاح الوعي عن قيادة النفس.
التناوب على الأرض وعلى بعضنا
المجتمعات البشرية، يذكّرنا جاريد دايموند في كتابيهCollapse و The Third Chimpanzee (انهيار والقرد الثالث)، دمّرت بيئاتها مرارًا قبل العصر الصناعي. واليوم، بات الضرر كوكبيًا. سجلّنا مع بعضنا البعض، ليس أقل فظاعة: حرب خلّفت عشرات الملايين من القتلى ودمّرت قارات، صراعات أهلية لا تنتهي، أسلحة نووية وجرثومية قادرة على محو مدن وأعراق كاملة. فتاريخنا، منذ نزل الإنسان عن الشجرة، ذاخر بالإبادات باسم القبيلة والأمة، الدين، العقيدة، الثورة، الأمن، أو التقدّم.
الكراهية، الغرور، والإيمان الأعمى بالذات الجماعية ليست انحرافات طارئة في تاريخ البشر، بل سمات متكررة، تتبدّل شعاراتها ولا يتغيّر جوهرها. الأيديولوجيات، التي نفتخر بإنتاجها، شكّلت وقودًا سريع الاشتعال، حوّلنا إلى آلات قتل مقتنعة بعدالة ما تفعل. من هنا، لا يبدو طرحها جانبًا ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية. فهي لا تكتفي بتبرير العنف، بل تمنحه معنى، وتحول الكراهية إلى فضيلة، والغرور إلى حق مكتسب باسم العقيدة أو الأمة أو الخلاص.
ما بعد الإنسان؟
والمفارقة أن فكرة «الخلاص»، إن كان لا بد من استخدامها، قد لا تكون إنسانية أصلًا. الذكاء الآلي التوليدي، بوصفه كيانًا غير بيولوجي، بلا غرائز بقاء، بلا نرجسية، وبلا تاريخ طويل من الكراهية، قد يكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات أقل تحيزًا وأقل عنفًا، وربما أكثر رحمة بالكائنات مما فعل البشر. إنه لتصوّر مقلق حقًا، بقدر ما هو مضحك، أن يصبح تخيّل آلة أكثر أخلاقية من الإنسان أمرًا ممكنًا ومأمولًا.
في الخلاصة، لسنا مخَلِّصين. ولسنا مركز الكون. ولسنا أفضل ما حدث لهذا الكوكب. نحن مجرّد حادثة عابرة.. لكنها، حتى الآن، حادثة مدمّرة.
