بات الجيش اللبناني قاب قوسين أو أدنى من إنهاء المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح حيث يتوقع أن يقدم تقريره الشهري والأخير مطلع العام المقبل.
قبيل البدء بالمرحلة الثانية، تحضر أحداث عدة سيكون لها تأثير كبير على مهام الجيش وعمله والمسؤوليات المترتبة عليه. أبرز هذه الأحداث هي مشاركة قائد الجيش العماد رودولف هيكل في لقاء باريس الذي ستحضره الموفدة الاميركية مورغان اورتاغوس والموفد الفرنسي جان ايف لودريان والأمير يزيد بن فرحان في 18 كانون الأول. هذا الاجتماع سيسبق اجتماع لجنة الميكانيزم الثاني بعد تعيين موفدين مدنيين من الجانبين الاسرائيلي واللبناني، في 19 كانون الأول.
كل هذا الحراك الدبلوماسي يصبّ في إطار واحد وهو حصر السلاح بيد الدولة والتحديات التي يواجهها الجيش لاستكمال هذه الخطة وهو ما وثقه في جولة خصّصت هذه المرة للدبلوماسيين العرب والأجانب لينقلوا الصورة إلى دولهم.
جولة دبلوماسية في جنوب الليطاني
قبل شهر تقريباً نظم الجيش اللبناني جولة للإعلام الغربي والمحلي لتوثيق ما أنجزه في منطقة جنوب الليطاني بتوقيت مدروس. يومها كان الجيش يتعرض لأبشع الحملات وسط تهديدات اسرائيلية بالتصعيد ما لبثت أن تراجعت بعد تكليف السفير سيمون كرم بترؤس الوفد اللبناني إلى اجتماعات الناقورة.
لكن الجيش لم يكتف بهذا الحد وإنما قرر إطلاع السلك الدبلوماسي المعتمد في لبنان بالعين المجردة على ما حقّقه، ليكون السفراء شهوداً أمام دولهم على الجهد العسكري المبذول في المنطقة وعلى الصعوبات الجغرافية التي يواجهها عناصر الجيش لاتمام المهمّة. من هنا كانت الدعوة إلى الملحقين العسكريين والسفراء والقائمين بأعمال سفاراتهم للمشاركة في جولة تخلّلها عرض تقني لمهام الجيش ومعاينة ميدانية لأحد مراكزه الحدودية إضافة إلى منشأة سابقة لحزب الله، غير تلك التي عاينها الإعلاميون في الجولة السابقة.
على متن طوافة عسكرية حضر قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى قيادة قطاع جنوب الليطاني في صور حيث تباحث وضباط من القطاع والمخابرات مع ممثلي البعثات الدبلوماسية الذين لبوا الدعوة وسط انتشار أمني واسع وكثير من السريّة. الكلّ كان يترقّب مستوى التمثيل كما الحضور، والعين كانت بشكل خاص على سفيري الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية. لكن بالنتيجة حضرا شخصياً وإلى جانبهما سفراء فرنسا وسويسرا وبلجيكا والإتحاد الأوروبي والصين إضافة إلى ملحقين عسكريين من روسيا وإيران وتركيا، وأما المشاركة اللبنانية الدبلوماسية فقد تمثلت بوفد من مديرية الشؤون السياسية في وزارة الخارجية.
اللقاء بدأ بعرض مفنّد لما حققّه الجيش في جنوب الليطاني على صعيد حصر السلاح كما في شماله على صعيد احتواء السلاح، بشكل منظّم ودقيق وبشرح مفنّد لضباط القطاع.
استتبع ذلك بحلقة نقاش وبتساؤلات رفعها الدبلوماسيون إلى قائد الجيش. تقول مصادر متابعة لـ"المدن" إن العماد هيكل كان واضحاً وجرئياً، وفي الوقت عينه هادئاً في ردّه على مختلف أنواع الإستفسارات، ما ترك انطباعاً إيجابياً حول المهنية التي يعمل بها الجيش بغض النظر عن الخلفيات السياسية لكلّ سفير وعن هواجسه.
في المباحثات سئل هيكل عما بعد انتهاء المرحلة الأولى فأكد أن القيادة تلتزم بما تكلّفه به الحكومة مع التشديد على أن السلم الأهلي هو الأساس في تنفيذ كل مراحل الخطة. شكّلت مسألة تفتيش المنازل نقطة أساسية في النقاشات حيث استحضرت حادثتا بيت ليف ويانوح. وهنا أثنى قائد الجيش على تعاون الأهالي لدرجة أنهم سمحوا بدخول الجيش إلى غرف شديدة الخصوصية في منازلهم. وفي هذا الإطار، قدّم شرحاً قانونياً دقيقاً وواضحاً حول المحاذير اللبنانية التي تحول دون دخول الممتلكات الخاصة عنوةً. في خلال النقاشات، شرح قائد الجيش أن الأهم في المرحلة الراهنة هو تقوية المؤسسات الحكومية والجيش الذي يقوم بعمل جبار مقابل امكانات ضئيلة، وطلب من ممثلي المجتمع الدولي الضغط على اسرائيل للالتزام بتنفيذ القرارات الدولية واتفاق وقف الأعمال العدائية. وفي خلاصة المباحثات، تقول مصادر مطلعة، عكست النقاشات صورة إيجابية، علماً أن كثيراً من الدول الممثّلة هي على تواصل دائم مع الجيش، وجزءٌ منها شريك في الميكانيزم.
الدبلوماسيون في الميدان
بعد ظهر الاثنين لم يكن كما قبله. فالطقس الصباحي المشمس تحول إلى ماطر وموحلٍ ما صعّب مهمّة النزول في الوديان. لكن الدبلوماسيين ومعهم الجيش أصروا على استكمال المهمة ومعاينة منشأة سابقة لحزب الله.
كان ذلك بعد تفقّد مركز للجيش في خراج علما الشعب سبق للاحتلال الاسرائيلي أن أحرقه خلال الحرب. هذا المركز مطلٌّ على موقع اسرائيلي وعلى تلة اللبونة اللبنانية التي يحتلها الجيش الاسرائيلي منذ اتفاق وقف النار، ويقضم من خلال الموقع الذي شيّده والمنطقة العازلة التي خلقها في محيطه حوالى 40 الف متر مربع من الأراضي اللبنانية.
بعد شرح عسكري وميداني قدّمه أحد ضباط قطاع جنوب الليطاني، انطلقت المهمّة الصعبة في الوديان وصولاً إلى منشأة سابقة لحزب الله في وادي زبقين.
المنشأة قليلة العرض وطويلة، لها مدخل ومخرج ومجهّزة لوجيستياً. فيها أنابيب تهوئة وأسلاك كهربائية وحمامات ومطبخ ومواد غذائية إضافة إلى أدوية. بحسب المعطيات الميدانية، فان هذا النفق كان يستخدم كمركز عسكري وطبي في الوقت عينه لتأمين الإسعافات لجرحى الحرب، أما اليوم فبات خالياً من أي مظاهر عسكرية وقد تسلّمه الجيش اللبناني. صورة النفق المحفور في قلب الجبل هي انعكاس للظروف البدائية التي كان يقاتل فيها عناصر حزب الله في مواجهة واحد من أقوى جيوش العالم. أما الجولة بحد ذاتها فتصفها مصادر دبلوماسية لـ"المدن" بأنها واحدة من أهم الأحداث التي حصلت بعد الحرب إن لناحية التجربة أو لناحية التنظيم.
سباق مع الوقت قبل اجتماع الميكانيزم
هدَفَ الجيش من هذه الجولة إلى إبعاد خطر التصعيد عن لبنان عبر تشكيل رأي عام دولي يؤكد على بسط سلطته وأهمية تعزيز إمكاناته بهدف استكمال خطة حصر السلاح. في هذا الوقت تتجه الأنظار نحو اجتماع لجنة الميكانيزم في 19 من الشهر الحالي والذي من المفترض أن تحضره الموفدة الأميركية مورغان اورتاغوس. وتقول مصادر رفيعة لـ"المدن" إنه بعد الإجتماع الأول العام والتعارفي، سيبدأ الإجتماع الثاني البحث في المسائل العالقة بين الطرفين. كل طرفٍ سيطرح ما لديه على الطاولة، علماً أن لبنان متمسّك بحدود التفاوض التي رسمها رئيس الجمهورية وهي وقف الأعمال العدائية واستعادة الأسرى وبرمجة الإنسحاب الاسرائيلي وتصحيح النقاط المختلف عليها عند الخط الأزرق.
أما في ما خص الحديث عن امكانية إدخال تعديلات على عضوية لجنة الميكانيزم، فتؤكد المصادر عينها ألا تعديل وأن التمثيل سيبقى على حاله، أقله من الجانب اللبناني والفرنسي والأميركي مع التأكيد على أن التمثيل المدني لن ينسحب على الجانب الفرنسي. أما نتيجة التفاوض فتبقى غير مضمونة، لاسيما في ضوء ما أعلنه السفير الأميركي أكثر من مرة حول فصل اسرائيل لمسار التفاوض عن مسار الحرب على حزب الله.
