إسرائيل اليوم حالة موقتة

مهند الحاج عليالثلاثاء 2025/12/16
Image-1765792548
تتراكم في العالم سياسات سلبية تجاه إسرائيل (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في خضم التركيز هذه الأيام على التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، يخف وهج علامات التحولات الطويلة الأمد في علاقات إسرائيل بالعالم نتيجة أحداث السنتين الماضيتين. وهذا طبيعي نظراً لحجم الأحداث وهولها، أكان في قطاع غزة المنكوب حيث الدمار والضحايا يُذكران بحرب سوريا ودمارها (رغم أن الأخيرة امتدت لأكثر من عقد على رقعة واسعة)، أو في سوريا ولبنان حيث تُظهر إسرائيل رغبة في إضعاف العملية الانتقالية (من زمني الأسد و"حزب الله") وقضم الأراضي تحت عنوان المناطق العازلة الخالية من السكان. لكن مؤشرات هذه التحولات الطويلة الأمد يجب أن تدخل في حسابات خصوم إسرائيل في المفاوضات معها، ذلك أن موازين القوى الحالي ليس مؤبداً علينا القبول بشروطه الدائمة.

 

لكن ما هي هذه التحولات؟ 

بالإمكان تقسيمها الى ثلاثة مستويات: الأول في الرأي العام الغربي وانعكاساته السياسية، والثاني في علاقات إسرائيل بالصين، والثالث بالداخل الإسرائيلي نفسه.

على المستوى الأول، يتواصل التحول في الرأي العام الأميركي والأوروبي سلباً باتجاه إسرائيل ودورها ودعمها. في الولايات المتحدة، باتت أغلبية الديموقراطيين ترفض الاحتلال الإسرائيلي، فيما تنخفض نسبة المؤيدين في الحزب الجمهوري الحاكم حالياً. وهذا تحول يحتاج الى سنوات طويلة ليتبلور في السياسة الأميركية نفسها، مع انكسار المحرّمات في انتقاد إسرائيل وسياساتها واللوبي الإسرائيلي (آيباك). بات هناك مؤثرون في اليمين الأميركي مثل الإعلامي تاكر كارلسون يتحدثون علناً وبلا تردد ضد إسرائيل ودعمها، وهذا ليس بالتغيير الذي يُمكن عكسه بسهولة، بل يُؤسس لحالة طويلة الأمد. في أوروبا، المؤشرات عديدة من نقاش فرض عقوبات إلى إعلان نية اعتقال رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وتعليق جزء من مبيعات السلاح ومشترياته، والأهم الاعتراف بدولة فلسطين. وهذا الاعتراف سيُراكم سياسات سلبية تجاه إسرائيل، فيما تُواصل الاحتلال وقضم الضفة العربية وقتل الفلسطينيين في نطاق أراضي السيادة الفلسطينية المعترف بها.

هذا المزيج من السياسات الإسرائيلية والاعتراف الأوروبي والقرارات الدولية، يُؤسس لمسار صدامي لن يتبدل خلال شهور، ويحتاج تعديله إلى انقلاب في السياسة الإسرائيلية تجاه القضية الفلسطينية، لا يبدو واضحاً في الأفق.

 

بما يتعلق بالمستوى الثاني، وهو العلاقة مع الصين. كانت الأيام والأسابيع والشهور الماضية حافلة بالتطورات. قبل شهور، اتهم نتنياهو الصين بتنظيم "هجوم على إسرائيل لإضعاف شرعيتها والولايات المتحدة في وسائل التواصل"، ولكن هذا الاتهام تكرر قبل يومين وبشكل جدي على لسان مسؤول إسرائيلي تحدث الى صحيفة "يديعوت أحرونوت".

في أيلول (سبتمبر) الماضي، نشرت "لو موند ديبلوماتيك" الفرنسية مقالاً لرينو لامبير ومريم لاريبي، يتحدثان فيه عن إجراءات صينية غير مُعلنة ضد إسرائيل، خلال الحرب، تتضمن تأخير بعض الصادرات إليها من خلال رخص (لم تكن مفروضة سابقاً). هذا ترافق مع ارتفاع منسوب النقد الصيني العلني لإسرائيل على وقع حرب غزة ولبنان وإيران كذلك. هذا التوتر في العلاقة تصاعد أخيراً مع الاتهامات الإسرائيلية، ومع زيارة وفد تايواني لإسرائيل الأسبوع الماضي، ما استدعى بياناً صينياً قاسياً. ولعل أكثر المؤشرات لهذا التوتر، الدور الصيني في إعادة بناء القدرات الصاروخية الإيرانية بعد حرب هذا الصيف الماضي. إذ أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" قبل يومين أن وحدة خاصة في البحرية الأميركية اعترضت قارباً يحمل معدات عسكرية صينية وجهتها إيران. وسبق أن حض أعضاء في الكونغرس الأميركي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومدير وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي)، على التحقيق في صادرات صينية لإيران هدفها إصلاح مصانع الصواريخ الباليستية التي دمرتها إسرائيل الصيف الماضي.

لو قيض له الاستمرار، يُؤثر هذا المسار في قدرة إسرائيل على إدامة تفوقها التقني الهائل، على المديين المتوسط والبعيد. إذ لدى بكين القدرة على ملء بعض هذه الفجوة على الأقل.

 

المستوى الثالث، هو تماسك الداخل الإسرائيلي الذي تحقق نتيجة الحرب نفسها. ذاك أن استمرار الركون للأزمات لإطفاء الخلاف الداخلي الإسرائيلي حول قضايا مهمة مثل خدمة الحريديم في الجيش، سيما أن نسبتهم السكانية ترتفع، أو الحفاظ على مؤسسات الدولة كالقضاء من التدخلات السياسية، بدواعي الأمن القومي. قضمت الحرب بعضاً من هيبة المؤسسات، كما حصل في اقتحام سجن لإطلاق موقوف بتهمة تعذيب أسير حتى الموت، وفاقمت من التناقضات الداخلية في الموقف حيال نتنياهو وائتلافه اليميني. ولا بد أن تزيد العزلة الدولية من هذا الانقسام الداخلي الذي قد يفتح فرصة لتغيير سياسي بعد سنوات قليلة، وربما نافذة لتسوية طويلة الأمد بعد عقود من الحروب والنزاعات.

صحيح أن هذه التحولات بمستوياتها الثلاثة لم تُنتج واقعاً مغايراً بعد، لكنها يجب أن تدخل في حسابات أصحاب القرار في لبنان وسوريا وفلسطين، على اعتبار أن هذه الهيمنة التوسعية الإسرائيلية قابلة للتبدل، وليست واقعاً أبدياً علينا القبول بتسوية دائمة معه، والاستعاضة عن ذلك بترتيبات أمنية موقتة، حتى استعادة بعض التوازن في ميزان القوى.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث