إذا كان فرار بشار الأسد قد مثّل ذروة انكشاف النموذج الأمني الذي حكم سوريا لعقود، فإن ظهور أحمد الشرع في منتدى الدوحة مثّل، في الشكل على الأقل، محاولة لإعادة إنتاج صورة مختلفة تمامًا عن الدولة والسلطة. وفي اليوم التالي لمداخلته في الدوحة، اعتلى الشرع منبر المسجد الأموي بعدما أمَّ بالمؤمنين صلاة الفجر وخطب في الناس في الذكرى الأولى لرحيل الاسد عن سوريا.
في الدوحة، تحدّث الشرع بلغة الدولة لا بلغة الميليشيا: عن الاستقرار، والمؤسسات، والعدالة الانتقالية، واستعادة موقع سوريا الإقليمي، وعن أنّ أي تسوية أو اتفاق يجب أن يضمن مصالح سوريا. لغة سياسية، براغماتية، موجّهة للخارج كما للداخل، توحي بأن زمن الأقبية المغلقة انتهى، وأن سوريا تحاول دخول طور جديد، تواكب فيه المتغيرات وتستعيد فيه الأنفاس وتتطلع لمستقبل واعد، خطاب متماسك وصلب.
هذه الصورة لا يمكن فصلها عن المشهد الذي قابلها: التسريبات التي بثّتها "العربية" من داخل سيارة الرئيس السابق بشار الأسد يتحدث فيها مع لونا الشبل، حيث ظهر بقدرٍ عالٍ من التعالي والاستخفاف بضباطه وجنوده، وبالناس بالمجمل، والمناطق المنكوبة في الغوطة وسواها.
ظهر الأسد بلا خطاب صمود ولا سيادة، بل لغة سلطة مطمئنة إلى غياب المحاسبة، تتصرّف فوق الجثث والركام ببرودة وسخرية.
هنا تتجلّى المفارقة: الشرع يحاول أن يرسم علنًا صورة الدولة بعد الحرب، فيما يكشف الأسد، بشكل طبيعي وعفوي، صورة السلطة التي لم ترَ في الدولة سوى أداة للسيطرة، ولم ترَ في السوريين سوى مادة للحكم. الفارق لا يختصر في الأشخاص، بل في النموذج: نموذج يسعى إلى شرعيته عبر خطاب بناء المؤسسات وصون الاستقرار، ونموذج انتهت شرعيته نتيجة تدمير المؤسسات والبلاد وغياب الاستقرار.
في السياسة، ليست اللغة ولا الحضور والخطابة تفصيلًا. فاللغة تكشف البنية، وتفضح العقل، وتكتب ملامح المستقبل. كما ان السياسي الخطيب الحاضر الذهن والعميق، يعطي الثقة والأمل ولو إلى حين وتأثيره أكبر بما لا يقاس من قليل الهيبة والتماسك والحضور.
أين أصبحت سوريا اليوم؟
بعد عام على سقوط نظام بشار الأسد، لا تزال سوريا دولة في طور التحوّل أكثر منها دولة خرجت من محنتها. البنى التحتية مدمّرة، كلفة الإعمار تتجاوز 200 مليار دولار بأفضل الاحوال، والمؤسسات تحتاج كلها إلى إعادة تأسيس، فيما العدالة الانتقالية لا تزال مطلبًا مؤجّلًا أكثر منها واقعًا.
ميدانيًا، تتقاسم أربع قوى الجغرافيا السورية: الحكومة التي تسيطر على معظم المدن والطرق الحيوية، ومنها مدن الساحل غير المطمئنة إلى تلك الحكومة والحكم برمته؛ قوات سوريا الديمقراطية في الشمال والشرق معتمدِة على دعم خارجي لم يعد بصلابة الماضي نفسها؛ قوات الحرس الوطني في السويداء ذات الدور السياسي المضخّم اسرائيليًا قياسًا إلى وزن المحافظة الجغرافي والعددي؛ والتوغّل الإسرائيلي نفسه المحدود بالمساحة لكن المؤثر في الجنوب وعلى تخوم العاصمة دمشق.
جغرافيا مشتتة تعكس هشاشة سياسية عميقة.
أولًا: الثقة والحريات- ما يقوله "الباروميتر العربي"
يرسم أول مسح شامل بعد سقوط النظام، أجراه "الباروميتر العربي"، صورة مزدوجة لسوريا الجديدة: أمل سياسي واسع يقابله قلق اقتصادي واجتماعي عميق.
81% من السوريين يعبّرون عن ثقتهم بالرئيس أحمد الشرع، و71% يثقون بالحكومة، و71% بالجيش، و62% بالقضاء.
73% يقولون إن لديهم حرية رأي وتعبير، والنسبة نفسها ترى أن حرية الصحافة باتت متوافرة، فيما 65% يعتبرون أنفسهم قادرين على التظاهر السلمي.
هذا المزاج التفاؤلي النسبي مفهوم إذا ما قورن بسنوات الأسد. فـ78% من السوريين تعرّضوا بين 2011 و2024 لصدَمات كبرى، مقابل 14% فقط منذ مطلع 2025.
70% يعتبرون أن الفساد اليوم أقل مما كان عليه، و76% يرون أن حياة أبنائهم ستكون أفضل، والنسبة نفسها ترى أن سياسات الشرع أفضل من سياسات سلفه.
ثانيًا: الاقتصاد- الاختناق الكبير
لكن هذا الأمل يصطدم بجدار الاقتصاد. فقط 17% من السوريين راضون عن الأداء الاقتصادي.
56% يقولون إن تأمين الحاجات الأساسية بات صعبًا، و86% يقرّون بأن دخلهم لا يغطي نفقاتهم، و77% غير راضين عن جهود خلق فرص العمل.
65% نفد منهم الطعام مرة واحدة على الأقل خلال شهر، وترتفع النسبة إلى 73% بين النازحين داخليًا.
ولا تتجاوز نسب الرضى عن الكهرباء 41%، والمياه 32%، والسكن 35%، والخدمات الصحية 36%.
هنا، لا يعود الحديث عن انتقال سياسي كافيًا: الانتقال الحقيقي يُقاس اليوم بالرغيف، بالكهرباء، بالماء، وبالقدرة على البقاء.
ثالثًا: الأمن والانقسام الجغرافي
أمنيًا، 94% يشعرون بالأمان في أحيائهم، لكنهم في الوقت نفسه يعتبرون أن حصر السلاح بيد الدولة أحد التحدّيات الأمنية الأخطر. 74% يطالبون بسحب السلاح من الجماعات المسلحة، و78% من الأفراد غير المرخّص لهم، و63% يعتبرون الخطف تهديدًا أمنيًا خطيرًا.
الأخطر هو التفاوت الجغرافي – الطائفي في الثقة بالدولة. ففي اللاذقية وطرطوس والسويداء، لا تتجاوز الثقة بالحكومة 36%، وبالقضاء 33%، وبالجيش 22%، وبالرئيس 36%. أقل من ثلث السكان هناك يشعرون بحرية رأي أو صحافة، و16% فقط يرون أن حرية التظاهر مكفولة.
هذه ليست أرقام أطراف؛ بل مؤشرات جروحٍ سياسية لم تلتئم، وهناك من يغرز السكاكين في الجراح كي لا تلتئم، والقصد إسرائيل ومن معها.
رابعًا: العلاقات الخارجية
خارجيًا، السوريون لا يريدون العزلة. نحو 80% يدعمون تلقي مساعدات اقتصادية وإعمارية من الخارج. السعودية وقطر في صدارة الدول الأكثر قبولًا شعبيًا، تليهما تركيا. الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يحظيان بصورة إيجابية لدى نحو ثلثي السوريين. 61% ينظرون بإيجابية إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعدما رفع العقوبات الاقتصادية. لكن في المقابل، 14% فقط يؤيدون التطبيع مع إسرائيل، و92% يرون أن الاحتلال الإسرائيلي والضربات على سوريا ولبنان وإيران تشكّل تهديدًا مباشرًا لهم. أربعة بالمئة فقط لديهم رأي إيجابي بإسرائيل، وهي نسبة مساوية تقريبًا لإيران، وأقل بقليل من روسيا.
ما تقوله هذه الأرقام ليس طمأنة ولا تهويلًا، بل تحذير واضح: الشرعية لا تُبنى بالخطاب وحده، ولا تُحمى بذاكرة الطغيان، بل بالقدرة اليومية على إنتاج حياة قابلة للعيش.
سقوطان… ونموذجان
ليس كلُّ سقوطٍ متشابهًا، حتى حين تتشابه طبيعة الحكم واسمه. بين مشهد إعدام صدام حسين ومشهد فرار بشار الأسد، تتّسع المسافة لا في السياسة فقط، بل في معنى السلطة، وفي طبيعة النفس الحاكمة، وفي طريقة مواجهة الهزيمة.
صدام حسين سقط مخلوعًا، مهزومًا، مجرّدًا من سلطته، لكنه لم يخرج من المشهد خلسة. اختبأ في حفرة وهذا أمر طبيعي في ظل شد الخناق عليه لكنه واجه محاكمته، ووقف أمام المشنقة، وتكلّم، وهتف، ومات رئيسًا سابقًا أُعدم أمام العالم من دون أن يرفّ له جفن، منتصب القامة مرفوع الهامة. لم يهرب، لم يساوم على خروجه، ولم يبحث عن ممرّ آمن. مات كما حكم: بعقلية المواجهة، وبمنطق المكابرة، وبقناعة أنّ الحاكم لا يفرّ من مسؤولياته، حتى لو أُدين. هو ثباتٌ ضمن منطقٍ متكاملٍ فيه من الجبروت والكبرياء ما فيه.
في المقابل، حين سقط نظام بشار الأسد فعليًا، لم نشهد لحظة مواجهة علنية، ولا مشهد محاكمة، ولا حتى خطابًا وداعيًّا يُمسك فيه بما تبقّى من روايته. سقطت دمشق سياسيًا، فسقط معها خطاب "الصمود"، وتبخّرت شعارات "التصدي"، واختار الرئيس الهروب بصمت. خرج كما يخرج من اعتاد استعمال الأبواب الخلفية، وكمن اعتاد الاتكال على الحلفاء. سقط كما عاش: بمواجهة شعبه الضعيف والمستضعف، لا دفاعًا عنه، بل عبر قتله وتشريده وتهجيره ليبقى حاكمًا… ثم يفرّ.
صدام اختار أن يسقط علنًا في مواجهة اجتياح أميركي أممي. أمّا بشار فاختار أن ينجو بنفسه في مواجهة شعبه ولو سقطت الدولة، وتحوّل الوطن إلى أنقاض. الأول ربط مصيره بالسلطة حتى الموت. الثاني فصل مصيره عن مصير البلاد عند أول خطر وجودي، كأن الدولة لم تكن يومًا أكثر من ملجأ شخصي عند العاصفة.
وهنا تصبح المقارنة سياسية بامتياز:
ليس فقط بين حاكم مكابر حتى اللحظة الأخيرة، وحاكم انتهازي يرى في السلطة وظيفة مؤقتة تُغلق عند الشدة،بل بين مفهومين للسلطة:
سلطةٌ تموت مع صاحبها، وسلطةٌ تهرب عند الامتحان الحقيقي.
