لبنان والمفاوضات...أيّة مسارات؟

زياد الصائغالاثنين 2025/12/15
Image-1765710833
الدولةَ اللبنانيةَ ما زالت متأخرةً في إعدادِ ملفٍ تفاوضيٍ متكاملٍ (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يمرّ لُبنانُ في لحظةٍ تاريخيّةٍ فارقةٍ تتراكمُ فيها التحدّياتُ الدستوريّةُ والسياديّةُ والأمنيّةُ والاقتصاديّةُ والاجتماعيّةُ والدبلوماسيّةُ، فيما يبقى السؤالُ المركزيّ متعلّقًا بقدرةِ الدولةِ على اقتناصِ الفرصةِ المتاحةِ لإعادةِ بنائها على قاعدةِ المواطنةِ السيّدةِ الحُرّةِ العادلةِ المستقلّةِ. فالمفاوضاتُ التي يسيرُ إليها لُبنانُ اليوم، في ظلّ التحوّلاتِ الجيو-سياسيّةِ الإقليميّةِ والدوليّةِ، ليست مجرّدَ مشهدٍ دبلوماسيٍّ بل استحقاقٍ سياديٍّ مؤسّسٍ يعيدُ تحديدَ مكانةِ الدولةِ في معادلاتِ السلامِ والأمنِ الإقليميّين.

 

في هذا السياقِ، يكتسبُ تعيينُ السفيرِ سيمون كرم رئيسًا للوفدِ التفاوضيّ في لجنةِ "الميكانيزم" دلالةً استراتيجيّةً بارزةً، إذ يشكّلُ هذا التعيينُ خطوةً طال انتظارُها لإظهارِ موقفِ لُبنانَ الرسميّ بصورةٍ أكثرَ تماسكًا واحترافيّةً. السفيرُ سيمون كرم، الذي راكمَ خبراتٍ دبلوماسيّةً، يحملُ إلى مهمّته رؤيةً تلاقي حقيقةَ أنّ لُبنانَ أمامَ استحقاقٍ وجوديٍّ لا يحتملُ التردّدَ ولا التجزئةَ. غيرَ أنّ المفارقةَ التي لا يمكنُ تجاهلُها هي أنّ الدولةَ اللّبنانيّةَ ما زالت متأخّرةً في إعدادِ ملفٍّ تفاوضيٍّ متكاملٍ، على الرغمِ من أنّ هذه المفاوضاتِ تعادلُ في أبعادِها خيارًا مفصليًّا، إمّا تثبيتُ السيادةِ، وإمّا الانزلاقُ إلى دوّامةٍ جديدةٍ من الضياعِ.

يستوجبُ إعدادُ ملفٍّ تفاوضيٍّ رصينٍ أن تعملَ الدولةُ على بناءِ رؤيةٍ متكاملةٍ تقاطعُ بين السياساتِ العامّةِ، والسيادةِ، والأمنِ القوميّ، والإدارةِ الرشيدةِ للمواردِ، وحُسنِ تقديرِ التحوّلاتِ الإقليميّةِ-الدوليّةِ. وعلى الرغمِ من أنّ الوقتَ يضيقُ، إلّا أنّ الإمكانَ لا يزالُ قائمًا لإعادةِ الانتظامِ إلى مقاربةِ الدولةِ إذا تحرّكت الإرادةُ السياسيّةُ في اتجاهِ تحمّلِ المسؤوليّةِ التاريخيّةِ. التأخّرُ في هذا الإطارِ ليسَ تفصيلًا إداريًّا، بل يعكسُ مشكلةً عميقةً في التعاملِ مع السيادةِ كناظمٍ مؤسّسٍ لكلّ السياساتِ العامّةِ.

 

إنّ دخولَ أفقِ السلامِ ليس شأنًا وصفيًّا، بل هو انتقالٌ من مربّعِ الصراعِ إلى حتميّةِ السلامِ الذي يعيدُ ترتيبَ البُنى السياسيّةِ والإداريّةِ والأمنيّةِ في لُبنانَ. فأيُّ سلامٍ يُرادُ للبنانَ أن يدخلَهُ يجبُ أن يستندَ إلى مبدأِ الحيادِ الإيجابيِّ الذي يحمي الدولةَ اللّبنانيّةَ من الارتهانِ للمحاورِ ويعيدُ وصلَها بدورِها التاريخيِّ كجسرٍ للحوارِ يعزّزُ الاستقرارَ الإقليميَّ والدوليَّ. إنّ الحيادَ الإيجابيَّ ليس انسحابًا من الصراعاتِ، بل هو مشروعٌ أخلاقيٌّ يرفضُ توسلَ أيّ عنفٍ في الإقليمِ، ويكرّسُ خيارَ لُبنانَ وطنًا للمواطنةِ المحتضنةِ للتنوعِ، ووطنَ الحوارِ لا المحاورِ.

 

تحملُ آفاقُ السلامِ المحتملةُ انعكاساتٍ متعدّدةً على لُبنانَ. على المستوى السياسيّ، يمكنُ أن يمهّدَ لإعادةِ تكوينِ السلطةِ على أسسٍ دستوريّةٍ سليمةٍ تعيدُ الاعتبارَ لمبدأِ بسطِ نفوذِ الدولةِ واحتكارِها الشرعيِّ للقوةِ. فعلى المستوى السياديّ، يعزّزُ ذلك فرصَ استكمالِ بناءِ مؤسّساتٍ قادرةٍ على حمايةِ الحدودِ وإدارةِ الأمنِ القوميِّ بفعاليّةٍ. أمّا على المستوى الاقتصاديّ، فيمكنُ أن يشكّلَ بوابةً لتنشيطِ الاستثمارِ واستعادةِ الثقةِ وتحريكِ العجلةِ الإنتاجيّةِ عبرَ استقرارٍ سياسيٍّ يحفّزُ رؤوسَ الأموالِ المجمّدةَ على الرجوعِ إلى السوقِ اللّبنانيّةِ. أمّا اجتماعيًّا، فيسمحُ السلامُ بإعادةِ ترميمِ العقودِ الاجتماعيّةِ الممزّقةِ وبناءِ مساراتٍ جديدةٍ للتكاملِ بين المكوّناتِ اللّبنانيّةِ المتعدّدةِ، ما يخفّضُ مستوياتِ التوترِ الطائفيِّ ويعيدُ الاعتبارَ لمفهومِ المواطنةِ الفعّالةِ. السلامُ المحتملُ للبنانَ، والذي أشارَ إليهِ بدقّةٍ البابا لاون الرابع عشر إبّان زيارتِه للبنانَ، ليسَ مجرّدَ اتفاقٍ خارجيٍّ، بل هو مشروعُ نهضةٍ داخليّةٍ يعيدُ توجيهَ الطاقاتِ الإنسانيّةِ والمجتمعيّةِ إلى مسارِ البناءِ بدلَ الاستنزافِ. إعمارُ الجنوبِ بنسيجِه الاجتماعيّ، كما بالتنميةِ في مواجهةِ الخرابِ، يشكّلُ مدخلًا بنيويًّا في هذه العجالةِ.

 

مع ذلك، تبقى المفارقةُ الأكثرُ دقّةً أنّ فرصةَ السلامِ لا تنتظرُ أحدًا. لُبنانُ أمامَ نافذةٍ زمنيّةٍ محدودةٍ تحتّمُ عليهِ أن يتعاملَ مع المفاوضاتِ كقضيّةِ بقاءٍ لا كاستحقاقٍ إجرائيٍّ. الدولةُ مطالبةٌ بإنتاجِ خطابٍ سياديٍّ متماسكٍ، وبتجهيزِ فريقٍ متعدّدِ الاختصاصاتِ يديرُ المفاوضاتِ على قاعدةِ حُسنِ إعدادِ الملفاتِ ودقّةِ الحججِ ورؤيةِ ما يجبُ أن يكونَ عليهِ لُبنانُ في السلامِ لا في الصراعِ فقط.

لُبنانُ اليومَ أمامَ خيارين، إمّا أن يستثمرَ الفرصةَ لبناءِ دولتِه السيّدةِ الحُرّةِ العادلةِ المستقلّةِ، وإمّا أن يواصلَ الدورانَ في فلكِ العجزِ وشراءِ الوقتِ. السلامُ ليس معطى جاهزًا، بل هو فعلٌ سياديٌّ يبني دولةً ويعيدُ شعبًا إلى ذاتِه ويفتحُ لُبنانَ على أفقٍ جديدٍ من الحضورِ في العالمِ. وختامًا، فإنّ السؤالَ الذي يطرحُ نفسَهُ يبقى: هل يمتلكُ لُبنانُ الإرادةَ لكي يدخلَ المفاوضاتِ بصِفةِ الدولةِ لا بصِفةِ الساحةِ؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث